رسالة من فيريد كوهين بارزيلاي - مثقفة يهودية عراقية: الأدب لمواجهة الكراهيات العميقة..

اسمي، فيريد كوهين بارزيلاي، وقبل أن أقدم نفسي، أود أن اطلب منكم ان تنظروا اليّ وتقولوا لي، ماذا تعتقدون انكم تعرفون عني؟. من أنا؟.

وربما تكونون على علمٍ، بأن نمط الاجابات يستند الى القوالب النمطية، وهي مزيج من التحيز والمعرفة الثقافية الاجتماعية والجغرافية.

المعلومات التي جمعها كل واحد منكم عني، ساعدت على تسميتي وترجمة الطريقة التي تشعر بها عني، فهي مبنية على مشاعر الحب والكراهية. وتختلف القوالب النمطية بين الثقافات والبلدان. فبعض من يحاول أن يقرأ، ربما قد يضع افتراضات بشأن افكاري او الآراء حول الفلسطينيين لانني جئت من اسرائيل. لاسيما ان اصلي الجغرافي يربطني مباشرةً بالنزاع الفلسطفيني - الاسرائيلي.

ربما قد تصفني بـ“الموالية لاسرائيل” أو “المؤيدة للفلسطينيين”. حتى قبل أن افتح فمي. ففي إسرائيل، يُحكم عليك من لون بشرتك. ففي حين يمكن للناس إخفاء طائفتهم أو تغيير دينهم أو حتى مواطنتهم وموقعهم الجغرافي ومعتقدهم، إلا أنهم لا يمكنهم تغيير ألوان بشرتهم.

يدل لون بشرتي في اسرائيل على اصولي العربية، وهي البلدان الاسلامية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ولتبسيط جذوري، فانا من العراق وتركيا. فوالدي عراقي من البصرة، لغته الأم العربية العراقية التي تعد الأكثر دقة باللفظ. ووالدتي جاءت من تركيا وتتحدث الإسبانية.

في إسرائيل، ولسنوات طويلة يعاني الشعب “المزراحي” وهم ذوو البشرة العربية المنحدرة من الدول الاسلامية العربية المعروفة، من التمييز. فعلاقاتهم تنعكس من حارة الى اخرى، لاسيما القريبة من الحارات التي يسكنها العرب والمسلمون الذين يرتبطون مع بعضهم البعض فلوكلورياً، فضلاً عن الفنون والغذاء وما الى ذلك.

للمزراحيين، طرق صعبة في النجاح، فتقاليدهم وموسيقاهم وأدبهم، كان مغيّباً ويعتبره كثيرون غير متحضرٍ ومتطور. في إسرائيل، تم تغييب الكثير من المزراحيين وتاريخهم الغني في اسرائيل، منها الكتب المدرسية، وتلك المعنية بالثقافات الشعبية والقريبة من الافلام والتلفزيون.

كان يُقدم الشخص المزراحي، بصورة نمطية كشخص جاهل غير متحضر، وعلى إثر ذلك، تم محو اجيال بأكملها فقط لكونهم مزراحيين، وهم أصحاب التاريخ الحافل الانجازات.

ونتيجة لهذا الكم من الرفض للمزراحيين، جعل الكثيرين يشعرون بالخجل. فأنا كطفلة، رفضت التحدث او دراسة اللغة العربية، ورفضت ان اكون مرتبطة بأي شكل من اشكال الاصول المزراحية، لاسيما ان هذا الامر، كان سلوكاً شائعاً بين الجيل الثاني من المزراحييين في اسرائيل. فكثير من الناس غيّروا اسماءهم والقابهم ليتم إبعاد الكابوس “المزراحي” عن اسمه او كيانه.

ولكن ظل لون بشرتي، اشارة واضحة الى أصولي التي اهرب منها، فأنا انتمي الى المزراحية ثقافياً وفكريا، ولم استطع الهروب من لون بشرتي هذا، لذلك بحثت مع آخرين عن لون مماثل للون بشرتي بين الناس، لذلك تجدني انجذبت لقراءة مؤلفات الكتاب ذوي البشرة السمراء الداكنة لتوجيهي ومساعدتي على فهم قضية لون البشرة في العالم.

وفي إحدى مقابلاتها، قالت توني موريسون، الروائية الامريكية الحائزة على جائزة نوبل للآداب، إن الدافع الذي زجّها لكاتبة روايتها الرائعة “الحبيب”، هو لأنها لم تقرأ الرواية مع نساء ذوات البشرة السمراء وهن بطلات “اذا كنت تريد قراءة كتاب لكنه لم يُكتب بعد، عليك انت كتابته”. لذلك أنا لم اقرأ كتاباً عبرياً مع امرأة مزراحية كبطلة حتى لوقت قريب.

إيرس إيليا كوهين، روائية مزراحية وشاعرة، قادت جنباً الى جنب مع شاعرات وكاتبات اخريات مثل هافيفا بيدايا واميرة هيس، وتزيونيت فتال كوبرفاسر، وآدي كيسار وكتّاب أمثال، سامي مايكل، وايلي امير وموج بيهار وشلومي هاتوكا وروي حسن وكثيرين اخترقوا اسرائيل بالأدب والشعر.

وللمرة الأولى، قالوا جميعاً انهم كتبوا قصصاً عن الجيل الاول والثاني من المزراحية اليهودية، معربين عن مآسي الأجيال السابقة وتوثيق الألم من خلال تجسيد ذكرياتهم واسرهم ومنازلهم، وتعرضهم للنفي العنيف من دولهم العربية، رغم انهم اصحاب تراث غني الا انهم اضطروا الى نسيانه. كما تطرقوا الى مسألة اللون. وهو مرفق بهذا المقطع الفيديوي:

في روايتها الأولى “مكتوب”، تصف إيرس للمرة الاولى قضية حب محظورة بين امرأة مزراحية ومزارع فلسطيني. كانت قضية الحب هذه استعارة لعملية بدأت قبل أقل من عقد من الزمن، وهي الجيل الثاني من أحفاد مزراحي.

ببطء، فتح البطلان في الرواية جروح عائلاتهما، وعادا الى اسمائهما وألقابهما الاصيلة القديمة، وغذائهما الشرقي واللغة العربية اليهودية.

من بين 126 الف يهودي عاشوا في العراق قبل 60 عاماً. لايزال اربعة فقط يعيشون في البلاد هناك. فقد اختفت الطائفة اليهودية التي كان لها تأثير كبير على الاقتصاد والثقافة العراقية الناجحة.

بفضل موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، تمكن الاسرائيليون والعرب من اعادة الاتصال والتفاعل بين بعضهما البعض. فحتى في دول مثل العراق وسوريا وإيران التي تعتبر اسرائيل عدوةً لها، تمكن اليهود العرب من مشاركة ذكريات الطفولة واعادة اكتشاف الجذور بين الأسر التي ضاعت بين كتب التاريخ والوضع السياسي المأساوي الذي يشهده الشرق الأوسط.

الأدب يسمح لنا بالتعرف على الناس، فيمكننا ان نجتمع جسدياً، حتى معرفة الثقافات المحظورة بين بلدان العدو. انها تساعدنا على التعرف عليهم بشكل افضل، لنعيش معهم ونشعر بألمهم ونجاحهم، فهم يملكون مستويات عالية من التعاطف.

كانت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي اديشي، حذرت في محاضرتها الشهيرة التي حملت عنوان “خطر القصة الواحدة” وتعني القصة القادمة من مصدر واحد فقط. فوجهة نظرها وجدناها في عالمنا الحديث، ولسوء الحظ نجدها ايضاً في الأخبار والأدب الآن.

اليوم، نحن على وشك حرب عالمية ثالثة. كل يوم نعاني من التعبير عن الكراهية والجهل، ومستويات العنف الآخذة بالارتفاع في كوكب الأرض. ونتيجة لذلك، يطالب الناس العديد من الاجانب بنفي الاقليات لانهم يكرهونهم ويفضلون وجهة نظر القصة الوطنية الواحدة.

السؤال هو لماذا يتعرض الناس للتهديد من الأقليات؟، هل هم مهددون للأمن العالمي لهذا الحد؟. وهل يستحق الأمر حربا عالمية ثالثة؟. من المفارقات أن الناس يتخذون خيارات سياسية من اجل كسب الأمن والهدوء لمنازلهم وارضهم. فالناس يخشون من قادة يلقون اللوم على الأقليات ولا يستطيعون تخيل عالم سلمي غني بالثقافات المتنوعة، وهؤلاء سيقودوننا في نهاية المطاف الى حربٍ مروعة.

ألبرت أينشتاين قال ذات مرة “الخيال هو أكثر أهمية من المعرفة”. فالمعرفة محدودة بينما الخيال يمكنه ان يحتضن العالم بأسره.

لا شك ان التغيير يبدأ من الخيال، واذا كنا نستطيع ان نتصور، كيف يمكننا العمل والتغيير في حال كنا قادرين على النظر لبعضنا البعض لا من زواية واحدة ومصدر واحد، سنعيش بشكل افضل.

الخوف كان عاملاً نتوقف عنده. فخلال الحرب العالمية الثانية، وجه قادة الحرب اللوم على الأقليات. وفي الواقع، كانوا يتهمون الاقليات بإشعال الحروب، والعالم صدّق هذا السيناريو لانهم كانو يسمعون مصدرا واحدا، ما دفع الحال الى وفاة 70 مليون شخص نتيجة لذلك. وحينما انتهت الحرب، كانت الانسانية قد انتهت تماماً، والاخلاق صارت في ادنى مستوياتها.

قبل سنوات، اجتمع مجموعة من المؤلفين والأساتذة من المزراحيين والاسرائيليين والعراقيين معاً لأول مرة منذ 60 عاماً للتعرف على بعضهم البعض. كل طرف من هذه المجموعة قام بدراسة جوانب الكراهية بين بعض المجتمعات التي ينحدرون منها، وحاولوا تسليط الضوء على الشر اليهودي الاسرائيلي والشر العربي- الاسلامي.

لكن هذه الانواع من الدراسات تضع الجميع في خطر، لكنها انتجت اليوم تجربة رائعة، لا استطيع الكشف عن هوية القائمين عليها وعن من التقينا بهم، خوفاً على سلامتهم وحياتهم. فالكراهية تغذي الدمار والحروب، وتُضعف بذور الاخلاق والانسانية الجيدة. وكلما عملنا مع بعضنا البعض، قل شعورنا بالتهديد من بعضنا البعض.

وهذه هي الطريقة الوحيدة للتغلب على الارهاب!، والطريقة الوحيدة لكسر دائرة الكراهية والخوف والعنف!.

الأدب يمكنه ان يخلق تأثيراً مماثلاً على مجموعة واسعة من الناس، ويمكنه ان يتغلب على الجهل والعنصرية والفاشية والاسلاموفوبيا والنازية.

لكن اين يمكن ان نجد هذا النوع من الأدب الذي يروي قصة مختلفة؟، قصة تتناول زوايا عديدة، قصة تجسّد الاقليات واللاجئين بعالم غني ثقافيا لا يقدس الحدود الجغرافية او الجدران المادية اكثر من الجنس البشري.

ونادراً ما تُنشر هذه الكتب؛ فهي بالكاد توزع، وعلى الاقل ليس لها نطاق واسع كما ينبغي.

في العام الماضي، تمكن الاسرائيليون من قراءة مؤلفات لكتاب عراقيين يصفون الوضع في العراق. وفي العام هذا، يمكن للقراء العراقيين ان يتعرفوا على قصص اليهود العراقيين التي كتبها ووثقها الكتاب المزراحيون الاسرائيليون لاول مرة.

العالم يتجه لحقبة جديدة نحو ثورة من شأنها ان تغير المعرفة والتعليم وتوظف اسسنا على امور جديدة. يجب علينا ان ننضم معاً ونقول بشجاعة: المستقبل بأيدينا وبأقلامنا ولوحات مفاتيحنا، يمكننا ان نكتب فصلاً جديداً لعالمنا.

وبصفتي مقيمة في الشرق الأوسط وفخورة بكوني مزراحية، أقف امامكم وادعوكم جميعاً من الكتاب للانضمام الى منتدى المؤلفين الدوليين. فالمنتدى مساعدة هامة لمساعدة مؤلفين في تأمين وحماية حقوق الكتابة الخاصة وحماية الابداعات والتأكد من أن الأدب لن يختفي من عالمنا.

كما ادعوكم الى منتدى كتاب الشرق الاوسط، فقد شهدت منطقتنا الكثير من الصراعات والحروب، وفقد الكثير من الابرياء حياتهم. لقد حان الوقت لتقديم قصة مختلفة عن الصداقات والتضامن والسلام والانسانية.


* ت: خليل ابراهيم الحلي



فيريد كوهين بارزيلاي.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى