عبدالله البقالي - البصمة

حين ارتفعت الهلكبتر تشق عنان السماء، بدأ القبطان يلعن في نفسه الطبع الفظ الذي رسبته داخله الطبيعة العسكرية، و التي تدفع به إلى المزيد من العناد بدعوى الحفاظ على هيبة الاوامر التي يصدرها، حتى و إن تبين له في حينه انه قد جانب الصواب.
هو لا يستطيع مثلا ان ينسى كيف بدات علاقته بهذا الكائن الغريب الذي يتم ترحيله الآن خارج المنطقة العسكرية التي يشرف عليها. كما لا يجد حرجا في ان يعترف بينه و بين نفسه أن قراره كان يمكن ان يكون معاكسا كليا لو أن ذلك الحوار الذي دار بينهما لم تلتقطه اطراف اخرى.
قد يكون ما توارد عليه من اخبار من اوساط اسرته كان له مفعوله الإضافي فيما حصل. و قد تكون للاجواء المناخية فعلها أيضا في تاجيج مزاجه الحاد كي ينتهي الامر إلى ما آل إليه الوضع في الاخير. لكن كل ذلك لا يمكن ان يؤثر على تقديره الخاص لشخص يقر قبل غيره أنه كان استثنائيا و متميزا في كل شئ.
لقد كان ذلك الصباح وهو جالس على كرسي بمدخل مقر قيادته يحتاج إلى شئ يشغله عن ما كان يقلقه، و يسحبه بعيدا عن تلك الاجواء الضاغطة. لم يستغرق بحثه طويلا، إذ راى المدرس الذي كان قد اصطحبه من ذلك المطار الجنوبي بواسطة الحوامة.
أبتسم القبطان وهو يسترجع صدمة المدرس حين سمع اول قذيفة تنفجر، و كيف قضى أسبوعا باكمله وهو يبكي و يندب حظه العاثر.غير انه بعد ذلك الف الاجواء، و صار يلجا إلى المكان المعد له هو و تلامذته. وحين كان القصف يتوقف، كان يعود لفصله و يستانف عمله. غير ان القبطان توقف و كانه اكتشف شيئا جديدا في الحكاية لم ينتبه له من قبل. ومن ثم صار تفكيره يعيد ترتيب الأشياء بشكل مختلف.
ارتاى القبطان أن موت عسكري او أسره أو بتر أحداطرافه امر عادي تماما. لأن العسكري وضع كل هذه المصائر القاتمة في حسبانه يوم اختار الانتساب للجندية. لكن هل وضع المدرس نصب عينيه هذه الاحتمالات يوم اختار الانتماء لسلك وظيفته؟
لم يبحث القبطان عن جواب. انطلق مسرعا الخطى مثلما يكون عادة بصدد امر بالغ الأهمية. و بعد لحظات كان يدخل حجرة المدرس.
لم يترك القبطان لدهشة المدرس أن تدوم طويلا.قال له بصوت آمر: انت. يجب ان تكون في اتم استعدادك حين ستاتي الهلكبتر في المرة القادمة. لن اتحمل مسؤولية نهايتك.
وجد المدرس نفسه في حاجة إلى الكثير من الوقت لاستيعاب ما كان يجري حوله. ودون ان يتردد رد قائلا: أجدك يا سيدي القبطان قد تجاهلت امرا مهما.
تمسر القبطان في مكانه و قال: ماهو؟
اجاب المدرس: حضرتكم تنتمون لإدارة الدفاع الوطني، و انا انتمي لوزارة التربية الوطنية.
عقب القبطان: ماذ تقصد بذلك؟
قال المدرس بهدوء: أمرك لا يلزمني في شئ يا سيدي القبطان.
انذهل القبطان. لم يكن يتوقع أن تلتقط اذناه ما تناهى إليها. اتسعت حدقتا عينيه على أقاصيها وهو ينظر إلى المدرس بمزيج من الذهول و الاسغراب و الاستفهام. ولكي يتاكد اكثر قال للمدرس: هلا اعدت ما قلته ثانية؟
لم يجد المدرس من خيار غير ان يلوذ بالصمت امام الانفعال الذي سيطر كليا على القبطان الذي صار يذرع القسم جيئة و ذهابا، و ينظر من حين لآخر في عيني المدرس. ثم توجه إليه مخاطبا في الاخير: من انت؟.. صرت أرتاب في امرك. لا استطيع ان افهم ما الذي يستبقيك هنا. ايجب ان اذكرك كيف يعيش الشباب في مثل سنك هناك؟ كيف يقضون لياليهم. كيف تنساب الحياة بهدوء في بساط اعمارهم. لكن انت. اتود أن تموت أم تساق أسيرا إلى تندوف كي تمضي عمرك تطبخ الجير في أفرانها؟
عقب المدرس: عفوا سيدي القبطان. انا لا انكر اني كنت أفكر بالطريقة ذاتها قبل أن آتي إلى هنا. ماذا كانت الحياة بالنسبة لي؟ سرداب محدد البداية و النهاية. و الإنسان في كل ما يحصل عليه من جاه و سطلة و مال، لا يوظفه سوى في تأخير وصوله إلى خط النهاية باكرا. لكن كم من سنة سيربح بموجب هذا الحرص؟ خمس سنوات؟ عشر؟ عشرين سنة؟ مذا سيعني ذلك حين نتحدث عن حياة تقاس بملايين السنين؟
سيدي القبطان. قد لا يكون أحد اصيب يوم سمعت اول قذيفة تنفجر هنا. لكنها أصابت بتركيز بالغ كل بنيان تفكيري القديم.صرت أعي أني ساموت يوما ما. لا يهم الكيفية. و لا يهم متى سيتم ذلك، افي الآجال القريبة ام في الآماد البعيدة. وفي كل الاحوال أجد الحياة الآن اكبر من ان ينظر إليها عبر ركام زمني. هي فرصة تمنح للكائن كي يثبت جدارته باستحقاقها. و ان عليه اثناءه ان ينجح في وضع بصمته على اوصال السيرورة لتشهد بعد اندثاره على انه مر ذات يوم من هنا.
قال القبطان بتهكم: لا تقل لي انك وجدت فرصتك في هذه القفار.
عقب المدرس: انا ادرك يا سيدي أنه يكاد يكون مستحيلا ان يقبل احد بالعمل في هذه الاجواء. ولذلك سيعيش الناس هنا تبعات قرار رحيلي، إذ ساكون قد اهديت الجهل و الامية حصنا منيعا تمدد فيه عمرها. لهذا فانا حين أرى طفلا يعاند الصعوبات من اجل أن يرسم حرفا، او ينطق كلمة، اجد حياتي بخسة مقابل أن يحدث هذا.
انذهل القبطان تماما. احس بأن هناك أشياء كثيرة فاته اوان تعلمها. و تمنى في قرارة نفسه لو انه صادف هذا الشاب قبل عقود من الزمن. اشياء كثيرة كان يمكن ان تتغير. انشغالات كثيرة كانت ستتوارى و اخرى ستحل محلها. و بكل تاكيد كان سيكون دائما في وضع من لا يتيه عن الغايات النبيلةوهو يرى ذلك الجبل الشاهق الذي يتشكل من خراطيش أيامه و سنواته المستهلكة.انتابته الرغبة في ان يحتضن الرجل. ان يعترف له بان الحياة تحتاج إلى الكثير من نموذجه كي يتم تعديل مسار سيرها نحو الأفضل و الأرقى.
انتبه مجددا إلى صف مرافقيه الذين كانوا ينتظرون رد فعله عما صدر من المدرس. تغيرت ملامح وجهه فجاة، وتوترت نبرات صوته، ثم قال مخاطبا المدرس: الآن فقط منحتني ما يكفي من الادلة على كونك مجنونا. وهذا يلزمني اكثر بقرار ترحيلك من هنا.

هذا النص

ملف
عبدالله البقالي
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى