إبراهيم أحمد الإعيسر - المدينة..!

إنها المدينة الفاضلة العالقة في ذهنك كم هي ذاكرة التفاصيل الجميلة عالقة... بعكس كل توقعاتك الواردة في مخيلة الأحلام وما لم تصدقه من نصائح أمتلئ بها رأسك الكبير العنيد حينا إقترب موعد رحيلك إليها آنفاً: الإنسان بينها بلسانه هو نقيض فكره أو حضارته؛ أو لا يمكن أن تكون كل تلك الحضارة المدهشة في نظر مثقف مثلك من صنع هذا الإنسان بذوات لسانه المخادع «مثالية الإنسان الخالصة تقاس من حسن اللسان والفكر والعلم عند العالم المتقدم إن لم نقل أوروبا أو أمريكا» أم الآن المدينة التي إختارتها لك الظروف ولم تختارها انت بمحط إرادتك حدثتك بشفافية واضحة مثل شمس منتصف النهار إن كنت لماحاً وذكياً تصطاد الطير من بين تحليقه وسط الهواء الطلق: عليك أن تكون حريصاً في كل شيء أو أن تجعل نفسك في مأمن دائما وأبداً؛ أن تشتري في كل يوم ثلاثة علب من سجائر المارلبورو الرخيصة، وإذ ضاقت بك الظروف يمكنك أن تقلل من التدخين، سجارتين في اليوم من البلاك ليبول تكفي يا رجل، انت ليس أغنى من إيلون ماسك أغنى رجلاً في هذا العالم بتصنيف صحف المال والأعمال؟! لأن لا أحد هنا على الأقل أو من قلة طيبتهُ النادرة سوف يمنحك نصف سجارة كم كان هو الحال في الخرطوم، لا تثق في أحد مطلقاً مهما أظهر لك من محبة ولذة لسان مثل ما هي الألسنة طاعمة طازجة تضحك من لا يضحك في مشهد السينما غير الجوفاء إن إفترضنا أنها تقدم رفاهية للمشاهد غير الباحث عن المعرفة والأدلجة الخفية بذكاء - الجميع هنا ذو ألسنة لذيذة تخفي بينها سمومها القاتلة إن لم تعلم - أو لا تصادق أحداً لدرجة أن تطرح له أسرارك بفيض، ولا تكن كذلك طيباً أكثر من ما هو لازماً ولا تتوقع أن تجد من أحداً معاملة طيبة بربع طيبتك، تجنب أن تشتري شيئا من السوق أو الدكان قبل أن تتأكد من سعره جيداً أو تحديداً، لا تجعل مركبة التكاسي الخاصة للناس الأكثر خصوصية هي وسيلة مواصلاتك الوحيدة من بين كل رحلاتك، هناك تماسيح بداخلها مجرد أن تلقي نظرة خاطفة أو سريعة على وجهك غير المألوف بالنسبة لها سوف تلتهم أكبر قدر يستوطن بمحفظتك المنتفخة بالمال، القليل - القلة في قيمة الشراء يا رجل؛ يجب أن تعلم - أو يمكنك أن تتعرف على وسائل النقل العامة في المدينة إذ سألت بين كل يوم أحد المارة، قبعتك الصفراء أو تلك المشكلة من الألوان الصارخة الأحمر والأصفر والأخضر، المألوفة في شوارع جاميكا عند الناس الأكثر عصبية من الرستفاريون، الغامضة هنا، تجنب أن ترتديها مرة أخرى من بين الطرقات العامة، فهي قد تلحق بك المشاكل مع رجال الأمن وسوأ الاحترام من ما لا يقدرون الاختلاف ها هنا بالذات، لا تبصق بصاقك المقرف المخلوط بالتمباك من بين الشوارع المسفلتة العامة، أم إذا أثارتك حسناء ساحرة وسط احدى الشوارع لا تلاحقها أو تفكر بجلب رقمها أو ميعادها على كافي برجوازي جميل بمدى جمالها أو ما هو يتناغم مع جمالها بين موعد عاطفي إن كنت جريئاً وغبياً في آن، ومن الوهلة الأولى، اكتفي فقط بالنظرة الأولى الخاطفة غير المتعمدة، لا أكثر ولا أقل، لأن تلك الحسناء الفريدة من بين الجميع هي مكتفية بالنظر إلى الأحجار التي أمامها من النظر إليك انت خصوصاً، وخصوصاً هي بخصوصية غربتك، ليست روحك من الداخل، انت نقي الروح مثل سماء صافية، ألم تسمع عبارة المدح من بعض الكفلاء في دول الخليج «والله السودانيون شعب طيب وكريم وأمين» ؛ لا تنخدع وتنام في معسول هذا المدح؛ إذا سمعتهُ في هذه المدينة بلهجة أهلها، انت تدري بأن السودانيون كثر قد يلتقون بك يومياً بين كل الأمكنة العامة، ويمكن أن تميزهم بوضوح من خلال لون بشرتهم وشعرهم الأخشن، إذن لا تثق في جميعهم أو لا تعير لهم الاهتمام المبالغ فيه، فالإنسان حينا يخرج من السجن قد يتحول لوحش آخر، يتصور له بأن الحصول على ما فقده طيلة كل تلك السنين يجب أن يحصل عليه بأي شكلاً كان، لا تضمن إذن، لأن ليس كل السجون تؤدب أصحابها، كم هو في العادة!.

اليوم مساء الأول من مارس، البرد قارص، المدينة مزدحمة كالعادة، وحاتم آب شيبة رجل ستيني يفترش الخضروات بين سوق الخضروات، يناظر النساء الجميلات غير النائمات بحب وحسرة تكاد أن تفقده روحه على ضياع عمر الشباب، محاوراً نفسه «يا ليت الزمن يعود للوراء ثلاثون عاماً ليكسب حب حسناوات الشارع الجميلات المثيرات بملابسهم الحاذقة، الشفافة» ، حدثته أنك أتيت مخصوصاً لتتبادل معه أطراف الحديث حول أمر الثقافة، لأنك رأيت فيه كم من المعرفة والثقافة التي يمتكلها بملكة نعوم تشومسكي أو انت الرجل الوحيد المثقف النادر الوجود الذي إلتقيت به منذ أن قدمت إلى هذه المدينة حديثاً بحثاً عن حياة...
قاطعك الحديث قبل أن تكمل «حياة ثقافية» مع ابتسامة ليس من خلفها يخفى سمه القاتل مثلما فسرتها بذلك:
أتتذكر أنني قلت لك من قبل «الناس هنا حتى إن وجدو لهم حياة ثقافية تحيط بهم لا يعترفون بوجودها»
ثم أردف قائلاً : أنظر إلى هناك حيث ذلك الحائط المواز لنا مباشرة «رقية الشرموطة» هذه حياة تذهب على قدمين .. أنظر إلى هناك أيضاً... «محلات رهف التجاربة» هذه حياة أيضاً... أنظر... «جزارة أبو خالد»... هل تعتقد بأن «أبو خالد» بعد الآن سوف يبحث عن كتب طه حسين ونجيب محفوظ وماريو بارغاس يوسا ومجلات العربي اليوم الشهرية؟! فكر بعقلك العارف...؟
قاطعته الحديث:
- لماذا انت الآن ترتدي عباية الشخصية المتمردة على طبيعة المجتمع المنشغل بأمر الحياة غير الرديفة إذن؟ «واسيني الأعرج يقول: الكتابة رديف الحياة» وانت تقول «القراءة والمسرح هما الحياة الأخرى»!
- قضيت خمسة عشر سنة في بريطانيا، درست الأدب الأسباني في جامعة لندن، عملت محاضر جامعي في جامعة برلين، عملت في منظمات دولية طوعية عديدة، ومن بين كل تلك التجارب الدراسية والعملية كانت المعرفة محور رئيسي في حقل تجاربي. فالعالم المتقدم يا صديقي يشيع بين مدنه الكبيرة المعرفة: في الحدائق، في مترو الأنفاق، في الباصات السفرية، في الشوارع العامة... سوف تجد المكتبات الصغيرة منها والكبيرة، المتنوعة والمتعددة... فنهضة الدول العظمة يا صديقي لم تنهض بالجهل، الجهل هو سلم المعاناة كم انا أعاني الآن بعد العودة الطوعية إلى هنا..

كنت مندهشاً من فكر هذا الرجل المثقف المدهش الذي وثقت فيه من بين الجميع وأنت تتذكر احدى المقولات التي كتبت على هامش مكتبة أدبية في لندن لا بايع أو مراقب يحيط بها «السارق لا يقراء والقارئ لا يسرق»! حتى قلت مودعاً بسعادة وبلهجة أهل المدينة:
- مع السلام يا عم حاتم.

وهو الآخر ما رد لك بإبتسامة وعضمة لسان غير مخفيان بينهما سموم الإنسان ها هنا خصوصاً:
- خلي بالك من نفسك، الناس وحشة هنا يا عم!

تذكرت درس المدينة، تذكرت رحلة المغادرة، الساعة العاشرة ليلاً الرحلة رقم ٧٦ «من مطار القاهرة إلى مطار الخرطوم» طيران تاركو.

...ثم غادرت.

إبراهيم أحمد الإعيسر
١ مارس ٢٠٢١م
القاهرة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى