رسالتان بين زكريا الزبيدي والاديب اللبناني الياس خوري

-1-
الخميس 26 تموز (يوليو) 2007

أخي الحبيب المناضل الياس.. عندما تتعطش أرضنا للدم سنكون أول من يسقيها.. انه طريق طويل وشاق، لكنه الطريق - هكذا ختمت مقالتك أخي المناضل الصلب ذو الموقف والرأي والبصيرة الياس الخوري التي حملت عنوان الطريق الطويل إلى المجهول من فتح إلى حماس

ونحن نقول لك في كتائب شهداء الأقصى لأننا حملنا الشهداء في قلوبنا وعقولنا وحياتنا عقيدة ومنهج لا زلنا نخوض غمار الطريق الطويل نتحدى كل المشاق لأننا نصر كما قلت في نفس المقال أن نحقق خطوة هامة أشرت إليها - العودة إلى المربع الأول بالنسبة إلى "فتح" واليسار الفلسطيني، تعني تنظيف الذات، وبناء اللغة الوطنية من جديد، وتقديم بديل نضالي وعقلاني، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، والعودة إلى قيادة المقاومة ضد الاحتلال , ونحن نخطو خطوات رغم العراقيل الداخلية والعربية والإقليمية والعالمية لننتصر ونصر على أن نبقى نسير في طريق طويل وشاق، لكنه الطريق ولن ننحرف عن الطريق الذي أضاءه لنا الشهداء بدمائهم وتضحياتهم لأننا نصر وكما قلت أنت شخصيا في مقال آخر حمل عنوان –عن حركة فتح – بان تبقى فتح ففتح والكلام كلامك " ليست حزب السلطة أو غطاء للسلطة. أنها حركة سياسية نضالية، تمتلك مخزوناً يسمح لكوادرها بالانتقال إلى الهجوم من اجل فرض تغيير جذري صار هو الأفق الوحيد في معركة طويلة، لم نشهد حتى الآن سوى بداياتها ونقسم لك أننا على وعي تام بأننا لا زلنا في بداية الطريق مع فتح وعلى عهد شهداء المعارك البطولية من جرش وتل الزعتر والكرامة والفاكهاني وبيروت وشقيف حتى غزة وبيت حانون ومخيم جنين لا يمكن أن نتراجع الأهداف ثابتة والأمنيات راسخة والأحلام باقية وان اختلفت المسميات والطرق والتكتيك فلن ننحرف عن فلسطين ولن نسمح لأحد بان يقودنا للحضيض العربي لأننا اخترنا الحرية ولن نتنازل عنها.

مناضلنا الوفي الياس خوري .. رسالة المحبة وصلت ..ويا ليت كل من حولنا يقرأون ويوعون مثلك ويخاطبوننا بمحبتهم المنتمية لعروبتهم والحريصة على فلسطين المنكوبة والتي تعيش بعد انقلاب غزة الدموي النكبة التي تفوق عنفوانا ومعنى ومضمونا عن النكبة التي ورثنا إياها العرب ..فلك من مخيم جنين .. حزام النار ..وعاصمة الاستشهاديين .. القلعة الشامخة الصامدة العصية على الكسر ولقلمك الحر تحية العهد والقسم والإصرار .. وباسم كتائب شهداء الأقصى أطمئنك بأننا لا زلنا مرابطون صابرون صامدون متمسكون بحقنا وعهدنا وثوابتنا ونصر على أن معركة الأسطورة في مخيم جنين لم ننتهي رغم مجزرة الاحتلال ...وان كتائب الأقصى .. لم تنتظر إسرائيل وأمريكا لتعي الدرس وانه كما قلت في مقالك الذي حمل عنوان الحضيض العربي انه حصاد أليم ويدعو إلى ما يشبه اليأس. وأضفت لكننا لم نكن في انتظار الإسرائيليين أو الأميركيين، كي نكتشف هذا الألم العظيم الذي ذهب إليه العرب بسلاسل القهر والثروة الوهمية. آن لنا أن نفتح عيوننا وان نكتشف أن علينا أن ندافع عن وجودنا وكرامتنا وحياتنا، مجردين من كل الأسلحة. ولا أمل لنا سوى في أن نبدأ من قعر الهزيمة والخزي، كي نترك الحضيض لأصحاب القمة وحدهم. – ونقول لك لا أمريكا ولا إسرائيل ولا كل المنبطحين العرب والتابعين لأنظمة الجوار يشكلون بالنسبة لنا شيء فقد تركنا الكراسي للانقلابيين الذين أنستهم المناصب القضية والشهداء والأسرى...وتركنا للعرب انبطاحهم ...وقررنا أن نكون جميعا في صف واحد نفتح عيوننا جيدا لندافع عن وجودنا وكرامتنا ومعنا الأمل لنبدأ رغم قساوة انقلاب غزة الدموي لنواصل معركتنا في كل الاتجاهات.

أخي العربي الحر المناضل ..كل الحق لك في أن تخاطبنا وتنورنا وتنتقدنا وتعلمنا من مداد تجربتك النضالية فانتم لا تقلون بل انتم أكثر بطولة وعظمة ووفاء وتضحية ونضال ورسالة القلم والفكر اخطر من رسالة الرصاصة وإلا لماذا اغتالوا كنفاني والكمالين وناجي العلي ونحن معك نقول كما قلت – السلاح ليس مقدسا ولا الكلمة أيضا يجب أن نتعلم كيف نخرج من لغة المقدسات كي نواجه واقعنا بالعقل والحكمة والإصرار على الدفاع عن الحق والحقيقة وهذا يا أخي جوهر حكاية كتائب شهداء الأقصى وانطلاقها التي استفادت من كل التجارب السابقة لنمنع فلسطين من الوصول لحافة الكارثة . لن تتغير وجوهنا ونكره ارتداء الأقنعة أو التستر بأوراق التوت والشعارات لأننا لا زلنا نخوض غمار المعركة ففي مخيمات جنين كما مخيمات لبنان وسوريا والشتات وفي كل ساحات فلسطين في المزرعة والشارع والمدرسة والجامعة والمعتقل والمقاطعة وكل مكان ما زلنا نحمل راية الحرية فدائيين حتى الشهادة لا نبحث عن كراسي أو أموال أو جاه أو نباشين وسيارات فخمة لان رائحة المخيم وحلم العودة يمتزجان ونبض الحياة في قلوبنا حكاية عشق صاغها الفدائي الأول الذي لا زال يحارب رغم كل المجازر ولن يموت كما الوطن حي خالد ونحن اقسمنا أن نبقى أمناء على الأحلام والأمنيات والبوصلة ..

أخي بالنسبة لأوسلو بما يتعلق بأوسلو نحن في كتائب شهداء الأقصى تحديدا وأنا شخصيا كنت آنذاك في سجن جنين وخرجنا على واقع اسمه أوسلو وليس ذنب به أو علاقة..ولكن نضالنا وطريقنا كان ولا زال وسيبقى يرتكز لتحقيق أهدافنا وحقوقنا وإقامة دولتنا كاملة السيادة وأريد أن أذكرك أن الرئيس الشهيد أبو عمار قال لا في واشنطن وتمسك بالحقوق والثوابت لأنه ولأننا لم ولن ننسى واجب الفدائيين الأول في تحقيق أهداف شعبنا بكل الوسائل والمفاوضات كما المقاومة تشكل إحدى أشكال النضال وإخضاع العدو للتفاوض وتحرك المجتمع الدولي لإيجاد مخرج لقضية شعبنا هو إحدى ثمار المقاومة التي نعدك بأنها لن تخذلك ولن تخذل شعبنا وخاصة نحن في كتائب شهداء الأقصى ..

بما يتعلق بالقرار الإسرائيلي بإطلاق عدد محدود من الأسرى وإيقاف ملاحقة مناضلي الكتائب نحن في كتائب الأقصى نؤكد لك أننا لا نطمئن للعدو ووعوده ولن نراهن ولن نستجدي ولكن أن وجودنا في المقاطعة وتعريض حياتنا للخطر جزء من عمليتنا النضالية في مرحلة رافقها الكثير من التغيرات التي ندرك أصول اللعب فيها فنحن نعلم أن الإسرائيليين غير جادين وأننا نعلم انه لا يمكن أن نأمن غدرهم ولكن اعتبرنا وجودنا جزء من النضال خارج المقاطعة من اجل الإفراج ولو عن أسير واحد أنت تعلم أي ثمن دفعه قطاع غزة من اجل الأسير شليط و أي ثمن دفعه لبنان من مجازر إسرائيلية بعد عملية حزب الله لأننا ندرك واقع أسرانا ومعاناتهم لذلك قررنا أن نخاطر ونحاول أن نكسر الجدار لنضيء شمعه أمل لأننا نمتلك القرار والأدوات ونحن جاهزين لنعرض أنفسنا لوحدنا بمعزل عن شعبنا من اجل الإفراج عن أسرى ونحن لا نفرق بالتسميات والانتماءات ونرفض التفرقة الإسرائيلية وندرك ماهية اللعب لذلك لنعطي المفاوض الفلسطيني فرصة لانجاز شيء لن نلمس أبعاده إلا بتراكم الخطوات وهذا ما نتأمله وندعمه ولكن لن نحيد وسنصر على كسر المعايير الإسرائيلية والتأكيد على أننا أبناء فلسطين في الأسر والمنفى والوطن فتحاويين وجهاد إسلامي وشعبية وديمقراطية وكل فلسطيني حر شريف

أما حول استراحة المقاتل فنقول لك أخانا المناضل نحن أبناء كتائب شهداء الأقصى لا غطاء سياسي ولا غطاء مالي لنا ولكن من خلال إيماننا المطلق بعدالة قضيتنا لم نستغل نضالنا من اجل المصلحة الحزبية والحركية وحافظنا على التوازن بعد كل الضربات المؤلمة التي تلقيناها وحافظنا على وجودنا وثباتنا ومع العلم أن هناك حركات عملاقة في الشارع الفلسطيني خرجت من خندق المقاومة بحجة الوضع الأمني والضربات الأمنية إلا أن قرارهم كان حزبيا ولدينا كامل المعلومات حول ذلك فلن ننساق خلف الأوهام لأننا من يتجرع مرارة الواقع ونمتلك القوة والإرادة لنفرض قرارنا الوطني المستقل في كل زمان ومكان وأعود لما قلته في مقالتك - انه طريق طويل وشاق، لكنه الطريق -

فيما يتعلق بما جرى في غزة نعلمك أخي بمرارة وألم ما جرى من أحداث وانقلاب دموي كانت الضربة القاضية للمقاومة والطعنة القاتلة من الخلف للمقاومة وبأننا في الكتائب نستمد قوتنا من الشارع ونستمد عوننا وقوتنا من المواطن الفلسطيني في الداخل وما جرى أحبط كل قطاعات شعبنا وخاصة الأسرى هذا الإحباط في الشارع ولدى المواطن أصبحنا نشعر نحن في لمقاومة أننا نحن المقصودون منه وبعدما جرى في الضفة لغربية من فلتان امني وفوضى سلاح ولم يعد المواطن يستطيع التمييز بين سلاح المقاومة والغدر والعائلات كان قرارنا بسحب سلاح المقاومة وليس تسليمه كما أشيع ولكن هناك بعض المواقف الإعلامية كنا نصدرها حفاظا على امن مواطنينا أن ما جرى في قطاع غزة في الوقت الذي كنا نناضل فيه وأنا بشكل شخصي لمنع نقل الفتنة والتوتر للضفة ونحرص على العلاقات الوطيدة مع قيادة حركة حماس وتدخلت شخصيا لمنع أي اعتقالات أو مساس بحركة حماس التي غدرتنا وقابلتنا بوسمنا بالجواسيس عبر إعلامها ثم انقلبت علينا وعلى حركة فتح وأنت تعلم أننا أبناء حركة فتح وان فتحاويتنا الفلسطينية الغير قابلة للبيع أو المساومة أو التلاعب حتى النخاع أن فتحاويتنا الفلسطينية تجعلنا حماة للقرار والمشروع الوطني الذي يتعرض لمخاطر المعسكرات التي أشرت إليها في مقالتك كما وان برنامجنا السياسي في حركة فتح بعد أوسلو لا يشير للعمل المسلح إلا أننا في انتفاضة الأقصى قررنا أن لا نكون في معسكرات التنظيمات المتبنية للعمل العسكري لأننا فتح حتى النخاع فشكلنا كتائب الأقصى وفرضناها فرض على حركة فتح.

ولقد اثبت كتائب الأقصى بما أنها تنظيم بسيط وغير مدعوم سياسيا ولا ماليا جدارتها في العمل المسلح وثباتها لان أبنائها أقدموا على هذا العمل من خلال قناعتهم بعدالة قضيتهم ولمنع تبديدها وطمسها ودفنها وإجهاضها نحن أول من عارض التهدئة الأول وأفشلناها لإفشال المخطط التصفوي بينما دافع عنها أكثر من العدو من يحتفلون اليوم بتحرير غزة المخزي لذلك نقول لك لن ننساق خلف تيار الانتحار أو اللهاث خلف سراب الحل الأمريكي ولن ننسى للحظة كما قلت أن النضال الفلسطيني طويل ومرير ونحن في هذا الطريق سائرون فلا تسمع لما يبثه أنصار الفتنة والانقلاب وأصحاب معسكر الالحاقيين.

وأخيرا وليس بآخر حول موضوع حل الكتائب أقول لك مرة أخرى من مخيم جنين حزام النار ومثلث الرعب الفلسطيني نحن لسنا من ربط الكتائب كي نحلها.. الوحيد القادر على حل كتائب شهداء الأقصى هم شخصان شخص يرقد في جنان النعيم مع النبيين والصديقين والصالحين وعلى العالم الاتصال به كي يعطيهم هذا الموقف وعلى القوى التي تعتبر نفسها أقوى حتى من الإرادة الإلهية أن تجد وسيلة للتفاوض معهم والشخص الثاني هو يقبع في غياهب السجون يمسك بالجمر ومشعل الأمل وعليهم أن يحصلوا منهم على تفويض أما نحن فقد عاهدناهم أن نستمر لكن بالطريقة التي نراها مناسبة وما يخدم مصلحة وحقوق شعبنا ..

لسنا تجار سلاح ولسنا تجار دم ولسنا إرهابيين ولسنا تابعين نحن أبناء كنعان الفلسطيني وأبناء الرصاص الأولى التي لم تنحرف عن بوصلتها فكن على قناعة أخي الياس أن هذه الفئة من الشعب الفلسطيني التي ننتمي لها نحن كتائب شهداء الأقصى وأنا زكريا الزبيدي تحديدا سنبقى جاهزون لدفع فاتورة الدم في الوقت الذي تطلب فيه أرضنا الفلسطينية هذا الدم لا زالت في الأفق تشتعل المشاعل من مخيم جنين حتى بيروت يطل علينا سناء محيدلي وغسان كنفاني وناجي العلي والكمالين وأبو جهاد وسعد صايل وكمال جنبلاط وهادي نصر الله وزياد العامر وجورج حاوي وعلي شعيب وفتحي الشقاقي وفرج الله الحلو واحمد ياسين وطلعت يعقوب وسمير قصير وماجد أبو شرار وتضحيات المناضلين سمير قنطار وسهى بشارة وجوليا بطرس واميمة خليل ومرسيل خليفة ومروان البرغوثي واحمد سعدات وركاد سالم وعبد الكريم عويس ومحمد الصباغ وبسام السعدي وهزاع السعدي وكل المناضلين الشرفاء .. لن تنظفي الشموع وكلما اشتدت ريح الغرب والشرق سنزودها بدمنا ليبقى نشيد القائد الخالد أبا عمار عالقدس زاحفين شهداء بالملايين يتردد يخترق الصمت العربي والحصار الدولي والتآمر العالمي والانقلاب الدموي نقسم أن بوصلة لا تشير للقدس مشبوهة وان إراقة أي قطرة دم خيانة ونقسم أخي الياس عندما تتعطش أرضنا للدم سنكون أول من يسقيها..

زكريا الزبيدي
قائد كتائب شهداء الاقصى في الضفة الغربية

-2-
رسالة الي زكريا الزبيدي ورفاقه للكاتب اللبناني الياس خوري حيث جاء فيها ما يلي:

عندما رأيتك للمرة الأولى، كنت صورة في جريدة، وحكاية عن فدائي فلسطيني يعيش في ظلال الموت كي يشتري الحياة والحرية لنفسه وشعبه. يومها اذهلني التشابه بين مخيم جنين ومخيمات لبنان، ورأيت فيك صورة لأصدقائي الفدائيين، الذين صنعوا من الحلم ملجأ من اللجوء، ومن الحرية بابا الى موتهم.

التقيت بك مرة ثانية، من خلال فيلم جوليانو عن اطفال ارنا، كنت اصغر الفدائيين، لكنك قدرك ارتسم على جبينك، وصرت قائدا من دون ان تسعي، فالبطولة يا صديقي، تشبه الحلم، لأن البطل الحقيقي هو من لا يصدق البطولة، بل يبقي امينا للحلم الذي صنعها.

ثم توالت لقاءاتنا من خلال اصدقائنا المشتركين، وكنت فيها، كما انت، اي لست انت فقط، لأن القدر اختار اسمك كي يكون ملتقي مئات الأسماء من فدائيي كتائب شهداء الأقصي، الذين صنعوا لحركة فتح افقها الثاني عبر مقاومة الاحتلال.

التقينا ولم نلتق، لكن ما معني اللقاء ان لم يكن تواصلا روحيا ونضاليا واخلاقيا. بهذا المعني فنحن اصدقاء، ويحق لنا ان نتخاطب كالأصدقاء والرفاق. غير ان طبيعة اللقاء، على مائدة فلسطين، تجيز للشخصي بأن يتحول عاما، لذا اسمح لنفسي بأن اخاطبك في شكل علني، وان تكون رسالتي اليك رسالة الى رفاقك واخوتك من فدائيي كتائب شهداء الأقصي.

لن اقول انني لا املك الحق في الكلام، لأن علينا نحن حملة الاقلام ان نتعلم منكم انتم حملة السلاح. هذا الكلام الذي شاع في مناخات المقاومة الفلسطينية في زمن مضي اسقطه غسان كنفاني وكمال ناصر باستشهادهما. السلاح ليس مقدسا، ولا الكلمة ايضا، يجب ان نتعلم كيف نخرج من لغة المقدسات كي نواجه واقعنا بالعقل والحكمة والاصرار على الدفاع عن الحق والحقيقة.

قبل ان اصل الى جوهر الموضوع، اود ان الفت نظرك ونظر رفاقك الى تجربة سابقة اوصلت فلسطين الى حافة الكارثة. انها تجربة مناضلين من الوطن والمنافي، بعضهم قضي اعواما طويلة في السجون الاسرائيلية التي حطمت عظامهم، لكنهم ما ان تسلموا مسؤوليات امنية، حتي صدقوا انهم في السلطة، وغرقوا في الفساد، الذي اوصلهم الى الحضيض.

لا اريد الدخول في اخطاء اوسلو، فهذا صار من الماضي، ولن يقود الى مكان، لكني اريد التأكيد على ان لعبة السلطة الوطنية يجب ان توضع في حجمها، لأن السلطة الفعلية في فلسطين هي سلطة الاحتلال، وواجب الفدائيين الأول هو مقاومة هذا الاحتلال بمختلف الوسائل.

القرار الاسرائيلي باطلاق عدد محدود من الأسرى، وايقاف ملاحقة مناضلي شهداء الأقصى، ليس دليلا على شيء، لأن شرط الدخول الجدي في مفاوضات مع الاحتلال لم يتحقق، انه اطلاق سراح جميع الاسرى من فتح وحماس والشعبية والديموقراطية والجهاد، وعلى رأسهم المناضل مروان البرغوثي.

اعرف اننا بشر وان اجسادنا المهشمة تطلب استراحة قصيرة، لكن علينا ان لا نصدق الوهم ونتذكر دائما ان الوطن الفلسطيني لا يزال تحت الاحتلال.

ان قراءة الاحداث المأسوية في غزة، بجب ان تخرج من سيل الاتهامات والتشنجات. الدم لم يبرد بعد، لكننا نقرأ في انقلاب حماس الدموي، ما يتعدى الحمق السياسي، ونزعة الاستئثار بالسلطة. انه تعبير عن انسداد الأفق الفلسطيني، واعلان دموي بفشل الانتفاضة الثانية. يجب ان نقول الأشياء كما هي، كفى اختباء خلف لغو بلا معنى. وهذا الفشل يرتب على الحركة الوطنية الفلسطينية مهمة اعادة لملمة الصفوف، وصوغ استراتيجية مقاومة مديدة، وعدم السقوط في فخين انتحاريين متشابهين: الفخ الأول هو تصديق الأمريكيين والاسرائيليين والارتماء في شرق اوسط جديد لا هدف له سوى حماية اسرائيل، والتذاكي والقبول بما لا يقبل. والفخ الثاني هو الفخ القصووي الذي يتوهم ان ادراج فلسطين في المشروع الايراني السوري، سوف يكون اقترابا من التحرير، رغم انه يقوم باذابة الشخصية الوطنية في مشروع اسلامي غامض الملامح. الخياران انتحار، وميزة الحركة الوطنية الفلسطينية انها رفضت الانتحار مرتين، الأولى خلال ايلول الاردني عام 1970، والثانية خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. لا مبرر للانتحار او نحر الذات، لأن القضية التي يناضل الشعب الفلسطيني دفاعا عنها، هي قضية الحرية الأولى في العالم.

يجب ان نتذكر جميعا ثلاث مسائل:

الأولى، ان النضال الفلسطيني طويل ومرير، ولا يحق لأحد ان يصدق عدوا شرسا اقتلع الفلسطينيين من ارضهم عام 1948، ويواصل سياسته الاستيطانية وبناء الجدار العازل والاستيلاء على الأرض وتقطيعها كي لا يكون للفلسطينيين وطن.

الثانية، ان الولايات المتحدة وتابعها توني بلير، يتماهيان في شكل كامل مع اسرائيل، ويريان في الهمجية الصهيونية رديفا لمشروعهما الأحمق في المنطقة العربية.

الثالثة، ان فلسطين وحدها. النظام العربي ينقسم الى معسكرين، معسكر الخائفين من امريكا، وهو معسكر لا يمكن التعويل عليه، ومعسكر الالحاقيين الذي يريد تحويل فلسطين ورقة للتفاوض حول ديمومة الديكتاتورية، او حول مستقبله كقوة اقليمية.

واذا كانت حماس قد قررت الالتحاق بالمعسكر الثاني، ضاربة عرض الحائط بالنضال من اجل القرار الفلسطيني المستقل، فإن الجواب لا يكون بالالتحاق بالمعسكر الآخر، بل باعادة بناء اسس المشروع الوطني الفلسطيني المستقل، وتأسيس افق مقاوم جديد.

اعرف انكم اليوم امام قرارات صعبة وشجاعة، لكن يجب ان تعرفوا انكم تشكلون مع الأسرى، الأمل الاخير في ان لا يضيع نضال اجيال من الفلسطينيين والعرب عبثا. والبداية تكون بالتأكيد على ثقافة المقاومة في وصفها ثقافة حب للأرض والحياة، والتأسيس لأفق مقاوم جديد يستخدم كافة الأساليب كي يفرض على اسرائيل انسحابا كاملا من الأرض المحتلة.

لذا اسمحوا لي ان لا اصدق انكم وافقتم على حل كتائب شهداء الأقصي. وان اعتقد انكم ستستخدمون هذه الهدنة من اجل اعادة تنظيم الصفوف، والعمل على اخراج منظمة التحرير من ازمتها.

* الرسالة من الكاتب والأديب اللبناني اليساري الياس خوري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى