رسالة من ادرار نفوسه إلى إبراهيم الكوني

السيد الفاضل، الأديب إبراهيم الكوني..

بالأكيد أنك أطلعت كما أطلع الكثير واهتممت كما اهتمت قلة بأن جائزة نوبل للآداب لهذه السنة كانت من نصيب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو، لإسهاماته الأدبية الإبداعية، ومن أهمها رواية "الصحراء"، التي وصفتها أكاديمية جائزة نوبل السويدية "صوراً رائعة لثقافة ضائعة في صحراء شمال افريقيا". الرواية تناولت حياة وثقافة وعادات الطوارق ومعاشهم ومعاناتهم وصمودهم ضد الغزاة وتقلبات الزمن، عبر سرد تعقيدات قصة فتاة طارقية تدعى "لالا"_ وهو لفظة السيدة بالامازيغية. وكما هو معروف فأن لوكليزيو متزوج من صحراوية مغربية.

لا جدال أو شك بأنك قامة أدبية عالمية شامخة، إلا انك في الأصل والمنشأ طارقي وأمازيغي وليبي، وفي الأساس إنسان، وفي المحصلة إنسان أديب ومتفوق، ولهذا كنت ولا زلت محل فخر واعتزاز أهلك وبني وطنك، وعلى الخصوص الامازيغ والطوارق. أتذكر لسنوات خلت تلهف شباب جبل نفوسه على اقتناء وتهادي روايتك، وبعض هؤلاء الشباب محدودي التعليم ولم يقرؤوا يوما كتيبا ما بالك برواية، إلا أن دافعهم كان أنك تحرك وترضي فيهم شعورا بالنضال وإحساسا بالظمأ اتجاه كل ما هو امازيغي، وخصوصا أن رواياتك وقصصك كانت مشبعة وتعبق بريح الامازيغية، بوحا وتلويحا، لمسا و صفعا، نسمة وعاصفة، مطرا وغبارا.

بكتابتك الأدبية، المترجمة إلى لغات عالمية، نقلت عالم الصحراء المعزول بكثبان الرمال المتحركة والمقفل بسر كلمة التاريخ العتيق والمطوق بأسوار الصمت المدوي إلى عوالم أوسع من الخيال والأساطير والتنبؤات، ولكنك نراك تصمت صمتا ميتا عن نقل ما يعانيه ذويك الطوارق وأهلك الامازيغ ووطنك ليبيا من ويلات وممارسات تنتهك حقوقهم الإنسانية الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، الفردية والجمعوية، بفعل شراسة الطواغيت ودوران طاحونة التاريخ و احتكاك تروس السياسة، وتعادي قابيل وهابيل.

أكيد أنك تتابع مقاساة الطوارق في كل الصحراء الكبرى من الجوع والعطش والتشرد، وتعرضهم للإبادة الجماعية، حين تطاردهم جيوش الشمال وتلاحقهم مليشيات الجنوب ويقامر بهم قادة الأوهام ويغامر بهم أمراء الحروب، فتضيق عليهم وبهم الصحراء الكبرى الرحيبة. فيكون جفاف الصحراء مشربهم وجفاء الصحراء مأكلهم وعراء الصحراء غطاؤهم ورمال الصحراء توابيتهم، وتكون الصحراء التي خرجوا منها وعاشوا لأجلها مقابرهم الأبدية. صحراؤهم الأبدية تكون لهم فقط، عند موت أطفالهم حرماناً ونهاية عجائزهم تشرداً وقتل شبابهم حرباً، بعدما تكالب الظلم وتجاسر التكبر عليهم، وبعدما تنكر من تنكر لهم. فبدون الطوارق تتصحر الصحراء، فعن ماذا ستكتب حينئذ يا ترى؟

فأين المفر وما هو المصير، وبمن الاستغاثة وأين الملبي، وشخصياتهم وأعيانهم وأنت منهم، يرحلون شمالا فينسون، أو يهربون سابحين إلى الحروف ليغوصوا في الكلمات ويلتفوا بالأوراق مسطرين طلاسم وأحاجي لا يفكها إلا دراويش، ولا يقرأها إلا مقتدرين، ولا يتمتع بها إلا م***ري الأرائك، وان تسلح بها بعض الملتزمين؟

أنا لا ادعوك أن تهجر مدافيء "أوروبا الباردة" المتقدة بالفواتير الباهظة والمنهوبة من أموال وأقوات الشعب الليبي المحروم، وأنا لا ادعوك أن تعود لقيض الصحراء اللافح شمساً والحارق باروداً، ولا اطلب منك أن تكسر قلمك ولا أن تمزق مذكراتك، ولا أن تطير ثم تترجل جنوبا زاحفا، ولا أن تحمل بندقية ولا منظار، ولا أن تنسج كفنك وتحمله بدلاً عن حبك رواية ونشرها، بل ولكني ادعوك بصدق وحرارة أن تنزل عمامة الطارقي النبيلة عن عينيك وأن تزيحها عن أذنيك لترى وتسمع هول المأساة الطارقية والمعاناة الامازيغية والمقاساة الليبية.

الكثير ينتظر وأنا من ضمنهم، أن تبوح بكلمة حق، أن تكتب كلمة عدل عن ما يجري لذويك وما يحدثك لأهلك وما يعيشه وطنك. فهل أنت ملبي ومغيث؟ فمرتبتك ووضعك كأديب عالمي كبير تستوجب وتضعك أمام التزام أدبي ومسئولية أخلاقية اتجاه مجابهة انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداء على البيئة على المستوى الأعم أولا، وعلى مستوى انتمائك بالخصوص.

موهبتك وقدراتك الإبداعية المتقدمة وأدبك حول الصحراء الكبرى وسكانها جعلت منك أدبياً عالمياً مهماً، حائزاً على جوائز أدبية دولية مرموقة، ترشحك لنيل جائزة نوبل للآداب.

والسؤال هنا، بماذا ستجيب إذا سألك أحد زملائك الأدباء أو النقاد، أو بعض دعاة حقوق الإنسان وحماة صون البيئة، أو سئلت من أحد معارفك الليبيين، أو حتى من أحد بسطاء الناس التقاءك صدفة، أو عجوز طارقية استولى طيفها على قلمك فجأة، إذا سألوك عن نشاطاك وأعمالك ومساهماتك في الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية البيئة، واستفهموا منك عن أحوال الطوارق وظروف الامازيغ وأوضاع الليبيين، واستعلموا منك عن موقفك وتفاعلك، فبماذا ستجيب؟!

قد تجيب نفسك، ودون ضرورة أن يسمعك الآخرين، أنك أخرجت قصة الطوارق وثقافتهم للعالمية، وأنك هكذا تخدم قضيتهم. ولكن لست وحدك فمعك "لوكليزيو" وغيره، فحتى شركات السياحة العالمية توظف رقصات طارقية للترويج السياحي، ومثلها شركات هوليود السينمائية أخرجت العديد من الأفلام عن الطوارق، بل أن شركة السيارات العالمية "فولكس واجن" أنتجت سيارة دفع رباعي فخمة، أسمتها "طوارق". ومؤخراً، دخلت الولايات المتحدة على الخط وبتحريض من الحكومات المعادية للطوارق بربطها لبعض حركات التحرر الطارقية بإرهاب تنظيم القاعدة. فالعالم لا يجهل الطوارق ولا الامازيغ، فالمشكلة هي تجاهل العالم، وليس علينا انتظار العالم حتى تأتي دارفور أو رواندا إلى الصحراء الكبرى.

وهكذا، وتخصيصا، فقصة وقضية الطوارق لا تحتاج إلى إظهار بل إلى نظرة إنسانية وفهم إنساني وتعامل إنساني وفعل إنساني. وليس هناك أجدى وأجدر من شخصيات العالم الفكرية والأدبية والفنية والرياضية بأن تتقدم لهذا الواجب الإنساني، لما لهم من أثر أدبي ووزن معنوي وصوت مسموع لتنبيه العالم عن المشكلة.

الأخ إبراهيم الكوني

أحير وأعجز في غالب الأحيان عند إيجاد تفسير لصمتك وتجاهلك لمواضيع حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة، وأنت من أنت من علم ومعرفة وإطلاع وتجربة. ويزيد عجزي عندما أتذكر أنك ما زلت موظفاً عند نظام القذافي، والقذافي ما هو القذافي من إرهاب ودموية وظلم وجبروت، وأنت من أنت من سعة وقدرة على الاستقلال عنه وعن مفاسده وحرامه، والحياة كريماً والعيش عزيزا بعيداً عن عفنه وقبحه، لتؤثر ايجابيا في مجتمعك وعالمك. قد أجد العذر لمن هو عند القذافي مقيد، ولمن تكبله ظروف الحياة، ولمن تقصر قدراته، أن يرهن نفسه عند الديكتاتور الفاسد، رغم وجود أمثلة سامقة وحية دوما لأدباء وكتاب وساسة واجهوا ظلم القذافي باللسان والقلم. اذكر منهم بالمناسبة، صديقك ورفيقك السابق الأديب المرحوم سعيد سيفاو المحروق، وما عاناه وقاساه بسبب آرائه الفكرية ودفاعه عن الحق الامازيغي. والقائمة تطول إلا أنه تذكير طيب والذكرى تنفع.

وبقاءً في باب الذكرى والتذكير، فنسبة كبيرة من قامات الأدب العالمي والحائزة على جائزة نوبل للآداب، قمة جوائز الآداب العالمية، هم من المنخرطين في العمل الحقوقي الإنساني. وعلى سبيل الاستشهاد، واستقاءً من موسوعة ويكيبيديا، كان منهم في السنوات المنصرمة:

- الفرنسي من أصل صيني جاو كسينغجيان، وكان قد فر من الصين إلى فرنسا بعد أحداث ساحة تيانانمن سنة 1988، حيث تحصل على اللجوء السياسي وال***ية الفرنسية، ليحوز على جائزة نوبل للآداب سنة 2000، رغم انه يكتب باللغة الصينية.

- الأديب المكسيكي أكتافيو، الفائز بجائزة نوبل في الأدب لسنة 1990. وكان مناوئا شديدا للفاشية، رغم وظيفته كدبلوماسي.

- الروائي التركي أورهان باموق، والفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2006، وله مواقف مساندة للحقوق الأرمينية والكردية في تركيا، ومخالفة للأيديولوجية الاتاتوركية، مما عرضه للملاحقة القضائية وهجر بلاده.

- الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر، والفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2005، وهو صاحب نشاط سياسي مميز في الدفاع عن الحقوق والحريات، وإن كان معاكس موقف بلاده، ومنه معارضته للحرب في أفغانستان والعراق والتعذيب في السجون التركية، ووصفه للرئيس جورج بوش بالمجرم الجماعي.

- الروائي الألماني غونتر غراس، والحائز على نوبل 1999، وهو معروف بمناوئته للفاشية والعنصرية ومساندته للعدالة الاجتماعية.

- البرتغالي خوزيه دي سوزا ساراماغو، المتحصل على نوبل للآداب لسنة 1998، وهو ناشط في محاربة العولمة، ومشكك في أحداث 11 سبتمبر 2001

- المسرحي النيجيري وولي سوينكا، الفائز بنوبل للآداب سنة 1986، سجن لتزعمه مظاهرة ضد فشل الحكومة النيجيرية في محاربة الفساد والجريمة ومطالبته بدستور جديد.

- الاستشهاد الأخير، هو الكاتبة الجنوب الافريقية البيضاء نادين غورديمير، والمتحصلة على جائزة نوبل لسنة 1991، والتي اشتهرت بمناهضتها لنظام التمييز العنصري رغم نشوئها في بيئة ومحيط عنصري.

وطبعا، لا أنسى لوكليزيو الفائز بنوبل لهذا السنة، ومواقفه وجهوده في مساندة والدفاع عن حقوق الأطفال والمرأة والأقليات والشعوب الأصلية. وكما أسلفت فالمجال الإنساني ليس حكراً ووقفاً على فئة دون غيرها، إلا أن الشهرة والتميز والتفوق يولدون التزام ويخلقون مسئولية ويعطون دفعة ويمنحون ثقل للعمل الإنساني، ومن ذلك ما يقوم به أدباء وفنانين ومفكرين ورجال أعمال دوليين يتبرعون بأوقاتهم وأموالهم لخدمة الإنسانية بتبني قضايا ورعاية جمعيات وتأسيس صناديق. ولا داعي هنا لسوق أمثلة لكثرتها.

فهل يخطو إبراهيم الكوني الخطوة المنتظرة في الاتجاه الإنساني، كما تخط يده السطور المنتظرة في الأدب الإنساني؟ والانتظار لهفة وحرقة عند المحبين والمريدين، وخصوصا في ليبيا والصحراء!

والتاريخ ليس فقط تاريخ الآداب، وفي البدء كانت الكلمة، والكلمة السلام، وفي الختام سلام وتانميرت .

ادرار نفوسه
18 أكتوبر 2008

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى