أمل الكردفاني - عصر الدفاع الفردي

درسنا في تاريخ القانون، أن القوة كانت تنشيء الحق وتحميه، وأنه نتيجة لتطورنا كبشر، تحولنا من ذلك العصر إلى عصر القانون الذي (يكشف) عن الحق، ويحميه. يكشف عن الحق لأن الحق سابق في وجوده على القانون. فالقانون (بحسب إحدى مدارسه)، إنما وُجد نتيجة التنظيم الإجتماعي، ولكنه ليس سبباً لتقرير الحق. فالحق أصيل في وجوده مع وجود الإنسان بمجرد ميلاده.
وتمتد اللغة القانون (المثالية) لتعرفنا بأهمية تطورنا القانوني، الذي أوقف عصور الظلام، حيث كان الهدف من العقاب هو الإنتقام، ولكننا اليوم بتنا ننظر إلى المجرم كضحية لمجتمعه، وأن العقاب لا يهدف فقط للإنتقام ولا لتحقيق الردع الخاص والعام بل أيضاً يجب أن يتضمن تأهيلاً للمجرم لكي يعود فيندمج في مجتمعه كمواطن صالح.
وهذه اللغة المثالية، عادت وقررت إستثناءات ترد على تلك المبادئ، فاجازت -على سبيل المثال- الدفاع الشرعي، حيث لا تكون هناك سلطة إلى جانب المُعتَدَى عليه ليلجأ إليها، فيجوز له حينئذٍ الدفاع عن نفسه بدون انتظار القانون، واشترطت تناسب رد العدوان مع العدوان، فمن ضربك بعصا لا تطعنه بسكين، ومن لكمك بيده لا تطلق عليه رصاصة،..الخ. ويبدو أن اللغة المثالية، قد تمددت أكثر وأكثر، لتنزع عن الفرد عفويته وشجاعته ونوازعه الهمجية الفطرية القديمة، إذ يفرض القانون عليك وانت مجني عليك ألا تلجأ للقوة، بل تلجأ للسلطة التي بيدها تطبيق وتنفيذ القانون باعتبارها ممثلة عن المجتمع. فلو ضربك شخص وغادر المكان فلا يجوز لك أن تتعقبه لتضربه، فلقد انتهت فرصة استخدامك لحق الدفاع الشرعي بمجرد أن أنهى المعتدي عدوانه، ولو استفزك شخص فسبك وسب عرضك، فطريقك هو اللجوء إلى السلطة وليس العدوان على ذلك الشخص. وهكذا عمد القانون إلى تعزيز الخوف من المجرم، لأن طريق القانون طويل، وطريق الانتقام قصير وسريع، فبدلاً عن أن يحمي القانون الفرد المطيع له حماية شاملة، بدلاً عن ذلك، أحاط المجرم بحماية شاملة، لا تبدأ فقط من اعتبارك معتدياً بمجرد انتهاء عدوان المجرم عليك وتمكنك من اللجوء للسلطة، بل حتى في الضمانات العديدة التي قررها القانون للمتهم، والتي تبدأ من ضرورة إثبات عدوان المجرم عليك، والتي تكتنفها صعوبات جمة، مثل ان يُعتدى عليك في مكان مغلق أو ليس فيه شهود، وتستمر حماية المجرم، عبر ضمانات أخرى عديدة، مثل الضمانات أثناء التحقيق الابتدائي (التحريات)، والتحقيق النهائي (المحاكمة)، عبر مبادئ أهمها مبدأ البراءة وهو أن (المتهم بريئ حتى تثبت إدانته)، وفوق هذا هناك ضوابط إجراءات التحقيق، كالتفتيش والاستجواب، فهي ضوابط شديدة التعقيد والصعوبة، كأخذ أذونات من النيابة او القضاء، وضرورة وجود محامٍ وسرية التحقيقات، ومنع الإكراه المادي والمعنوي، وكضمانات المحاكمة العادلة..الخ. فمسار القانون طويل جداً، ومسار الدفاع الفردي قصير. وهذا القصور في القانون، ناتج عن محاولات مرهقة جداً لإحداث توازن بين أطراف الخصومة، هنا يتحول القانون لمعرقل بذاته عند محاولته تحقيق العدالة. فالقانون يحمي المواطن من الدعاوى الكيدية والتي قد تقوم بها السلطة نفسها، أو الاشخاص، وذلك باشتراط وجود بينات (أدلة على العدوان)، أو تطلب إجراءات معينة للحصول على تلك الأدلة. هذا دون أن يصادر ذلك على الهدف الأساسي من وجود القانون، وهو حماية المعتدى عليه. وهذه الموازنة جيدة للبعض وظالمة للبعض الآخر. إذ أن صاحب الحق غالباً ما يتجنب اللجوء إلى القانون لأن طريق استرداده لحقه طويل. والفقير أيضاً، لأن الفقير لا يملك توكيل محامٍ له خبرة واسعة، في حين يمتلك الغني القدرة على الاستعانة بعشرات المحامين من ذوي الوجاهة والكفاءة، وفوق هذا يستطيع أن يستخدم نفوذه في وسائل الإعلام بحيث يؤثر على القضاء، وقد يستخدم سلطته للضغط على الشرطة أو النيابة، بحيث يتم إما إحالة قضية مليئة بما يسمى بالثغرات القانونية إلى المحكمة فتحكم ببراءة الجاني، أو بعرقلة المسير الطبيعي للعدالة. فكما أن التعليم المجاني يستفيد منه الأغنياء اكثر من الفقراء (لأن الغني) يستطيع توفير مناخ جيد للدراسة)، فإن العلاج المجاني، والمواصلات المجانية ..وكذلك القضاء كله يستفيد منه الغني أكثر من الفقير. وهنا لا يستطيع الفقير أن يقاوم قوة خصمه الغني، فيكون القانون هو سبب ظلمه لا سبباً لتحقيق العدالة بتلك اللغة المثالية التي تطرح في مدارس القانون أو الحقوق.
لكن.. أليس لكل شيء إيجابيات وسلبيات؟ وأنه لا شيء كامل، ولا شيء مثالي؟ وأليس وجود القانون خير من الفوضى؟
نعم..هكذا نقول دائماً، ونحن نأمل كما تأمل باقي الشعوب بأن يكون العالم مسالماً كالفردوس الأعلى، حيث يجلس القط إلى جانب الكلب والفأر بكل حب وطمأنينة. غير أن العالم لا يسير هكذا. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، قام شاب باغتصاب امرأة عجوز، من قبلها ودبرها، ثم ضربها ضرباً مبرحاً، ثم سحق جمجمتها بصخرتين فماتت. أخطأت سلطات التحقيق عندما حصلت على أدلتها بطريق غير مشروع، وقدمت القضية إلى المحكمة، التي قضت ببراءة المتهم لحصول سلطة التحقيق على ذلك الدليل بطريق غير مشروع. تم الطعن في الحكم حتى المحكمة الفدرالية العليا، والتي وقعت في حيرة كبرى: فهي من جانب متأكدة من أن المتهم قد اقترف الجريمة بالفعل، ولكنها -من الجانب الآخر- لا تملك سوى أدلة متحصل عليها بطريق غير مشروع. وكان هذا اختباراً حقيقيا لصعوبة الموازنات القانونية لتحقيق العدالة. وفي النهاية ضحت المحكمة الفدرالية العليا بتلك الضوابط وحكمت بإدانة المتهم وتوقيع الجزاء العادل عليه. بعد أشهر قليلة، وفي واقعة أخرى، عادت المحكمة للمبادئ السابقة وفضلت الاعتداد بالضمانات القانونية التي تحمي المتهم. في قضية أخرى قامت سلطات التحقيق بتفتيش منزل دون إذن قضائي، واثناء التفتيش وجدوا مخدرات، فقام المحقق بالتحفظ عليها في مكانها، ووضع على الباب شرطياً إلى حين الحصول على الإذن. وهكذا كان التفتيش الأول بدون إذن وبالتالي باطلاً، فهل يكون التفتيش الثاني والذي تم بناء على إذن تفتيشا يرتب آثاره القانونية كدليل إتهام.
في الواقع كانت هناك مشكلة تقنية، إذ أن التفتيش الثاني المشروع ما كان ليحدث لولا التفتيش الأول، وهكذا وبالمنطق فمن المفروض أن ما (بُني على باطل فهو باطل). غير أن المحكمة كان لها رأي آخر، لأنها كانت متأكدة من صحة حيازة المتهم للمخدرات والإتجار بها. هنا قررت المحكمة أن الدليل إذا كان مستقلاً ومقبولاً جاز الأخذ به وعدم إبطاله. كان هذا في أمريكا، ويبدو أن المشرع السوداني قد أخذ به فضمَّن المبدأ في قانون الإثبات. في الواقع لم تستمر المحاكم الامريكية في الأخذ بذلك المبدأ، لأنه كان -لمواجهة حالة استثنائية- كما هو الحال في قضية الشاب الذي اغتصب وقتل العجوز.
إذاً فالقانون ليس مثالياً، بل دعوني أقول، بأنه حتى في الحالات التي قرر فيها القضاء الأمريكي تلك الاستثناءات ليجعل القانون فاعلاً، حتى في تلك الحالات، كان بالإمكان الطعن في تلك الأحكام دستورياً، ليس لأن القضاء خالف القانون بتلك المبادئ، ولكن لأنه اعتدى على سلطة المشرع. إذ لا يجوز للسابقة القضائية أن تخالف التشريع عبر التفسير الواسع، وإلا كانت معتدية على سلطات البرلمان، إذ أنها منحت النص معنى لم يكن يخطر ببال المشرع حين استن ذلك القانون. أليست تلك عملية مربكة؟ أنظروا كيف أن طريق القانون شائك ومعقد. ويمكن لمحامي ذكي أن يطيل أمد الدعوى القضائية، ويستفيد من تلك التي يسمونها (ثغرات) قانونية. وهي في الواقع ليست ثغرات بل مشكلات تنتج عن ضرورات الموازنة بين الحقوق. لأن القانون لا ينظر للشخص بل للحق؛ أي للمراكز القانونية والواقعية التي يتمتع بها الأفراد كما لو كانوا مجرد أرقام إحصائية.
رغم كل ما سبق لكننا لا نستطيع أن نطالب بإلغاء القانون، والعودة إلى نظام الدفاع الفردي. لأنه ورغم قصور القانون، لكنه أفضل من الاعتماد على درجة قوتنا كافراد. إن الطفل والمرأة والمعاق والفقير..الخ قد لا يستطيع ان يحمي نفسه في ظل الدفاع الفردي، ولكنه في الغالب (قد) يستطيع الحصول على حماية في ظل النظام القانوني. فقصور القانون أقل من غيره، إنما مجمل القول هو أننا يجب أن نسعى لتطوير أنظمتنا القانونية، بحيث تعالج تلك المشكلات التقنية فيه عبر الفحص والمراجعة والإصلاح المستمر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى