أمل الكردفاني - الأدب الروسي علمني..

منذ نعومة أظافري والمكتبة الضخمة تحيط بي، والفراغ يلفني في إجازة المدرسة وخاصة في النهار، فألجأ إلى مكتبة والدي، والتي تعج بشتى انواع الكتب، من مجلدات صحيح البخاري والجلالين وخلافه من أمهات الكتب الدينية إلى مؤلفات هنري كسينجر، دواوين سميح القاسم، أحمد
عبد المعطي حجازي، محمود درويش، أمل دنقل، علي محمود طه، ومؤلفات عن الثورة الإيرانية، إلى مؤلفات ثريا منقوش والتي ادعت النبوة بعد ذلك، واقاصيص محمد عبد الولي، وروايات مكسيم غوركي، وتولستوي، والطيب صالح والمستظرف والعقد الفريد...الخ.
لم اكن أفهم كل ما أقرأ، مع ذلك جذبتني القصص القصيرة الروسية، وإن كان سقف وعيي وانا في السنة السادسة ابتدائي لم يعني كثيراً على معرفة حكمتها السياسية وثرائها السوسيولوجي، غير أن وصف المدن الروسية، بثلوجها وكآبتها، بحوذييها، ببؤس الموظفين والعمال، بعنجهية الطبقات الارستقراطية، ظلت عالقة في ذهني ولا زلت أتذكر مقاطع من رواية وراء الرغيف لغوركي رغم أنني لم أُعِد قراءتها مرة أخرى، مثل الرهان على نوم ذلك الفتى في المقابر والفتاة المعاقة.
تطور وعيي قليلاً وأنا في المرحلة الوسطى، ولقد شاء القدر أن يقطن إلى جوارنا شاب سوداني الأب مصري الأم، تخرج من فلسفة جامعة القاهرة، وعاد إلى السودان ليبحث عن جذوره، كان يحمل تلك الملامح النوبية المختلطة بالمصرية، نحيل ذو رموش كثة، بالإضافة إلى الطبع المصري عندما يتحدث، فهو يتحدث بشغف، وهذا ما لا حضور له في السودان، إذ يعتبر الحديث بشغف قرين التهافت في ثقافتنا العجفاء العجماء. رفدني ذلك الشاب بروايات صنع الله إبراهيم مثل اللجنة، بيروت بيروت، وغيرها، ورفدني ايضاً بروايات نجيب محفوظ، وبعض المؤلفات عن الأساطير اليونانية القديمة، وكنت لأول مرة أسمع قصة مقتل أخيل من لسانه. لقد كان يعيرني تلك المؤلفات ثم يعود ويسألني عن فهمي لها، فلا يجد مني الشيء الكثير، حينها كان ينبري (بذلك الشغف المصري) فيحلل لي تلك الروايات تحليلاً عميقا، وهنا عرفت لأول مرة، أن للكلمات معاني باطنية أكثر مما هو ظاهر منها. وأن التأويل هو عصب إبداع القارئ وليس فقط انفتاح النص.
في ذلك الوقت لم يكن هناك انترنت، ولا مكتبات عامة كثيرة، كان الحصول على كتاب يعد معجزة، وبعد انتهائي من المرحلة الثانوية وهجرتي إلى مصر، انفتحت أمامي ثورة الكتب. الكتب في كل مكان، في الشوارع الكبيرة وعلى الأرصفة وفي الأزقة وأكشاك بيع السجائر، المكتبات في كل مكان. وكانت سوزان مبارك قد انشأت برنامج القراءة للجميع، فالكتب التي كانت تباع بعشرين وخمسين، تباع بفضل ذلك البرنامج بنصف جنيه أو جنيه، فاصبحت مدمنا على تتبع إصدارات ذلك البرنامج، اقتصاد وآداب وفلسفة وفنون، فيزياء وكيمياء، سياسة وقانون..الخ. ربما كنت اكثر من المصريين استفادة من ذلك البرنامج. لكن هذا البرنامج الذي قامت به سوزان مبارك أفضى إلى زيادة وعي شباب الطبقة الوسطى، وكان زوجها مبارك هو أول ضحايا تلك الإستنارة.
في الألفية الثانية دخل الانترنت، وأصبح الحصول على الكتب أسهل وأرخص (مجاني)، رغم ان الخواجات كانوا متشددين في مسألة الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، مما أفضى إلى انتشار الكتب العربية على اوسع نطاق، وقد تفرغ بعض الأفاضل من العرب لشراء الكتب الورقية ونشرها رقمياً، مثل الرجل المعجزة "علي مولا" والذي تعرفت عليه بعد ذلك بسنوات في الفيس بوك، فوجدته شخصاً عصبي المزاج، حاد الطباع. ومع ذلك فما أنجزه من نشر المعرفة لا يقدر بثمن، تعتبر مكتبة علي مولا اليوم من أضخم المكتبات المجانية على الانترنت، رغم أن ذلك قد يعرضه لمساءلة قانونية وهو يعيش في أوروبا. عدت إلى السودان بعد ذلك، ووجدت الحال كما تركته، إذ لا اهتمام يذكر بالكتب، الأجيال القديمة فقط هي التي لا زالت تقرأ، أما الجيل الجديد فغير مهتم بتاتاً بالقراءة، فهو جيل الحياة والوجبات السريعة، لذلك سنجد أن الحضور السوداني المعرفي حتى على مستوى اليوتيوب ضعيف جداً بالمقارنة بدول شمال أفريقيا (من مصر وحتى المغرب).
حدثت لي بعدها نقلات كبرى في مستوى القراءة، واتركها كأسرار مهنة، لأن القراءة تحولت عندي لمهنة، وانفتحت أمامي بوابة العالم السرية على مصراعيها. دخلت إلى عالم ما بعد الحداثة، او فلنقل عالم اللا معايير، عالم التقلبات، والمفارقات، وانهزام السرديات الكبرى هزيمة نكراء، وانهيار المعابد القديمة، وانكشاف العوالم الفكرية الموازية.
رغم ذلك كله، ظل الأدب الروسي عملاقاً، وأخص القصة القصيرة، إنني لا أغالي حينما أقول أفضل ما كتبه تولستوي ليس الحرب والسلام ولا آناكارنينا، بل قصصه القصيرة، ومثله تشيخوف، غوركي، نيقولاي غوغول،...الخ. لقد جمعت تلك القصص فوق تشويقها وسلاستها روحاً روسيا العتيقة، وفلسفتها التنويرية، تعتبر قصة "موت موظف" لتشيخوف من اكثر القصص التي تأثرت بها في ذلك الوقت حيث تلخص واقع روسيا المأساوي في تلك العهود المظلمة. ربما لم يستطع مجاراة العظمة الروسية لا المسرح الفرنسي، ولا الروايات اللاتينية. لكننا نتساءل اليوم، أين اختفت العظمة الأدبية الروسية؟
لقد طرحت هذا السؤال على صديقة روسية، ولم تمنحني سوى إجابة غامضة. فروسيا لا زالت تنتج، لكن انتاجها لم يعد يصل إلينا كما كان في عصر الحرب الباردة. هل كانت أمريكا تساعد في نشر ذلك الأدب لتنقل لنا ظلام وثلوج سان بطرس برغ؟ في الوقت الذي تنشر فيه هي مؤلفاتها عن ناطحات السحاب في نيويورك لتعزز من قوة الحلم الامريكي الكذوب؟
عالم الأدب اليوم تحت سيطرة اللغة الإسبانية والفرنسية والإنجليزية، وأقصد بذلك الأدب الجاد. أمريكا اللاتينية بدورها بدأت منذ وقت طويل في تصدير ثقافتها إلى العالم. الفرنسيون يتقهقرون، الألمان انهار صرحهم منذ هيرمان هيسه. وظهر اليابانيون بحداثة ممجوجة. إنها تبدلات وتغيرات في المواقع يكشف عن عالم ما بعد الحداثة، ووحدة الشقاء الإنساني وعزلته. فقد أضحى بإمكاننا اليوم أن نمحو أسماء المدن والشوارع في الروايات والأقصوصات والمسرحيات، وأن نمحو أي علامة قد تكشف جنسية النص، ومع ذلك ستكون صالحة لنا جميعاً، ويمكننا أن نشير بأصبعنا ونقول: "هذه لنا".
فبعد أن انهزم السوفيت، واستفردت أمريكا بقيادة العالم، وأكدت تلك السيادة والقيادة بحربها على العراق بدون إجازة من الأمم المتحدة، وبعد ان انتصرت الرأسمالية، فعمت ثقافتها الشرق قبل الغرب، تماثل قهر الشعوب، نوعاً وإن تباين كماً. وبدأ عصر جديد أكثر تعقيداً مما يمكن لقصة قصيرة أو مسرحية أو رواية أن تفككه، حتى لو كتبها تولستوي أو أي أديب روسي عظيم آخر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى