محمد بشكار - كلِماتٌ لا تعْني أحداً!

ثمَّة كلماتٌ تُقاس بميزان الذهب وتُغْني من يعرف كيف يسْتعملها في جيبه، أما من يضعها في قلبه بعد أن انهارت عُملتها في بورصة القيم، فلنْ ينالهُ من رفع لواء مثل هذه المبادئ إلا الفقر والشَّقاء !
رغم أنَّ الفرد لا ينْسلِخ بجلده عن جسم الشعب، لم يعُد يَحْفل بالكلمة الغفيرة التي تجمعه بهذا الشَّعْب، وإذا كانت هذه الكلمة بكثافتها السكانية تُمثِّل كل مَنْ في البلاد، فإنَّه يَشْعُر كلما تردَّدت على مسامعه من حنجرة أحد الأبواق في التلفزيون أو تَجمُّع سياسي، أنَّها لا تعْنيه في شيءٍ بلْ تعني من يقْضُون خلف أكمتها مصالحهم الضَّيِّقة ويكسبون كراهية الجميع، وقد يكبُر التَّمزُّق الاجتماعي بينه وبين كلمة الشعب حتى تصير هي في واد ويصبح هو ولو نفسياً لاجئاً في وطنه بدون بلاد !
كلمةُ الوطن أيْضاً لم تَعُد بِنفْس المفْعُول الذي كان يسْري بخَدَره اللذيذ في العروق، أيَّام الوطنية الصَّادِقة حين كانت تُبْذَل الأرواح مُوثِرةً شبْراً في القبر على أن يَضيع شبرٌ من الوطن، أصبح سُكان الأرض في وطن واحد اسمه العالم، وغدَا منطق السُّوق جنسية عالمية تُعْطَى لِمنْ يَستحقُّها بسلطة المال، لِنَقُل إنَّ الأعراق انقلبتْ لمجرد أسواق لا تخلو من عبيد ونخَّاسين، وصار المُواطن أيْنما سَاح على أرض المعمور مُجرَّد سُيولة مُتعدِّدة الجنسيات ولكنَّها مُحدَّدة الثمن، والغافل من لا ينتبه اليوم للتَّماهي الذي أَحْدَثهُ التَّطوُّر المعلوماتي بين بلدان العالم، فما عاد الوطن أيّ وطن حَكْراً على أحد، وقد أجدني أتجوَّل واتسابياً أو فيسبوكياً دون أن أغادر بلدي كتفاً إلى كتف صديقي الضائع في أضيق زُقاق بالهارلم، ولا أعرف من يحتاج اليوم لوطن بعد أن صار آلاف الشباب يتخذون البحر إمَّا للعبور إلى أرض أوسع لا تحكمها حدود أو الاستقرار للأبد في وطن لا يوجد إلا في بطن الحوت !
أصبح الوطن مُجرَّد مَرجعية ثقافية في كُتب التَّاريخ رغم أنَّه لا يمكن المُزايدة في قطعة أرض جغرافيا، لا أعرف هل لأنها مُسْتقرٌّ وسكنٌ مُتوارثٌ عن الأجداد أمْ لِما تحتويه من ثروات، ولنْ أبالغ إذا قُلتُ إنَّ مَنْ يستعمل كلمة الوطن اليوم دون ترخيص من الدولة، أصبح مشكوكاً في نواياه فإمَّا يُعتبر مُهرِّب آثار أو إرهابياً، يحتاج فقط لموافقة الأجهزة الرسمية كي يستعمل الوطن في مآرب سياسية تشتري قلوب الناس بأبْخس كلمات لا يُصدِّقها أحد، يحْتاج فقط لِتسديد ما عليه من ولاء كي يطبع الدلاح بآلاف النُّسخ، هل أحتاج اليوم الوقوف في ساحة الشهداء كتمثال يكْسوه اليمامُ البري بالبصاق، وأكرِّر بحسرة إنَّ الوطن الذي بَذَل لتحريره الأجداد الأرواح، حوَّله سماسرةٌ يبيعون الأحلام إلى شركات تُدِرُّ عليهم الأرباح !
ما أكثر الكلمات التي فقدتْ براءتها على يد من اتخذوها وسيلة للكذب، اتخذوها أدراجاً للركوب على ظهور المواطنين بُغْية تذوُّق شهْوة الحكم، والأدْهى أنْ تَقفز مثل هذه الكلمات للسَّطح إلى جانب بَشرٍ من فِلِّين، في مواسم الانتخابات تحديداً ويا له من كرْنفال لا يتكرَّر إلا كل خمس سنوات، أشْبه بمواسم الصيد التي كان يُطلق نفيرها النبلاء في غابات العصور الوسطى بالمزامير والأبواق وأسراب الكلاب السلوقية، يبقى السؤال أي هذه الأرانب التي بيننا حافظتْ على رشاقتها السِّياسية لتكْسِب الرِّهان، ونحن نعلم أنَّ أغلبها يعاني من سُمنة مُفرطة أعمت القلب بعد سنوات الخمول التي قضتها في الكراسي، كأنِّي أسمع أيضاً كلمة نضال التي تبحث لأرجلها هذه الأيام عن خشبة مسرحية مُلائمة تُزكِّي مِصْداقيتها، لذلك لابُد أن تطفو معها لسطح البلد كل العاهات، الفضائح، معالم البؤس على الوجوه، لابُدَّ لكلمة نضال أن تجد على الخشبة حيث تجري لاهثةً أطوار هذ المسرحية، أثاثاً يتناغم مع شُحْنتها الدراماتيكية، ولن يتحقَّق هذا المشهد إلا بتأْزيم الأوضاع الاجتماعية للطبقة المسحوقة التي تُعتبر سوقاً رائجة لأغلبيتها السكانية، فالبؤس في موسم الانتخابات تجارةٌ مُرْبِحة لِمنْ يعرف كيف يُدبِّر مداخيلها لتصب في جيبه، لابدَّ أن تشْتَدَّ الأزمة ويضيق الخِناق على المواطن ليس بوضع مصالحه الاجتماعية في عُنق الزجاجة، بل ليُصبح هو عنق الزُّجاجة في قبْضة من يتعطشون لمُقارعة الأنخاب !
كدت أنسى .. ثمَّة أيضاً في هذا المعجم الكبير الذي لا يحتاج لتفسير الألم، كلمة الحرية، لم أكنْ لأسأل عن هواءٍ عصيٍّ على القبض لو لم يتحول على أيْدي مُصمِّمي الأشلاء لمجرد قماش على المقاس، سواءً تعلَّق الأمر بالحرية العامة أو الشخصية أو تعلق اللسان ومعه القلم على يد الجلاد بحرية التعبير، يا لَجَمال هذه الحرية وإغراءاتها حين يحْملها عاريةً أحد الشعارات في لافتة بين عارضتين، أما عني فلا أسقط في شباك عُهْرها، لأنِّي مُوقِنٌ أن الحرية الحقيقية التي تسْتحق التَّضحية تقبع مع من نادوا بأجنحتها في السجون!


............................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 29 أبريل 2021.



1619830191053.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى