محمد عطية محمود - بهجة المطر..

هل تدركين معي حد اليقين أن كل ما بيننا يستنبته المطر، ذات شتاء طويل متجدد.. يفرض سطوته على كل الفصول لتتحول إلى شلال هادر يطوف كل الفصول، وينبت لنا فيها الزرع والثمر، ولا يتوقف، وأنا أحملك على كتفي ليل نهار.. أتجول بك.. أتنفس بك.. أقتات بك وأجري بك تحت المطر، الذي يغسل كل شيء، تحبل الأشجار بالأمل.. تولد الروح من رحمه، فالمطر هو الروح.. هو الضياء الذي يغتال الظلمة، وهو البرد الذي يغتال قسوة صهد الشمس وهجير الحياة في صحراء قاحلة بدونك، هو النبع الذي يرتوي منه قلبي، حد الامتلاء، والشبع حد الانتشاء، والانتشاء حد الجوع المفرط لكل تفصيلة من تفصيلاتك، ذرة من ذراتك..

سرمدية أنت، وعابرة بروحي مدارات الفصول.. حينما التقينا، كان الجو خريفا يتماس مع خريف العمر الذي باغتنا، وبادرتني ملامحك بالسؤال الصامت الشجي، فقلت لك: “ليس في خريفنا الحاني، سيدة عمري، ما يخيف”؛ فالخريف معك تحول ربيعا غير ما نعرفه عن الربيع، تحول ربيعا حقيقيا لكل شيء، لكل لمسة من لمسات الروح، وهمسة من همسات الفؤاد، لكل ندة من ندات الصوت، لكل فواح لعبير ما ارتقى بيننا، ليعانق تخوم السماء دون مواعيد، دون ترتيب.. نتنسم فيه أنسام الشتاء الحاني المشتبك بأيام الخريف والمتعانق معها، وحفيف أوراق الشجر، التي تعدنا بالتجدد برغم السقوط، فمن رحم الغياب يأتينا الحضور!!

“زمان”.. كنت أرتب مواعيد فوضاي، لأنعم بشعور يتسق مع حالي، وأختار القليل من الكلام الواقف على حدود ما يمله علىّ القلب المتعقل، وأسير خلفه، وأغتال المسافات بالتفكير العميق المتردد.. بالأحرى لم يكن هناك مسافات، كانت المسافات وهمية، وكنت أنا الذي يخلفها!!. أما معك فلا مسافات، برغم حضورها الطاغي!!.. ترى ما الذي جعل من البعد معك قربا لا ينتهي، وجعل القرب مع دونك، في هذا العالم، بعدا وحكما أبديا بالنفي والانفصال، وجعلني أهفو إليك روحا وجسدا!!؟

وحين هدر بنا الشتاء، ولجناه بعنف اشتباك ذاتينا اللتين صارتا ذاتا واحدة، كتب لها أن تتنفس نفسا واحدا، وتزدرد طعما واحدا للبهجة التي يهبها لنا المطر حين يهطل على قلبينا..

يأتي الشتاء دوما، ويأتي المطر.. ينتشر في الأجواء عبق وجودك الآسر والمقيم في عالمي، ويسكنني صوتك متناغما تحت المطر.. يتلون بلونه، ويتعطر بعطر تعانق الموج والمطر، وألوذ بك وبروحك في ركن يحتويني/ يحتوينا دائما نرتشف فيه القهوة من فنجان واحد سويا، وتلتمع في أعيننا آيات الوجد.. أنسلخ عن العالم بك، ومعك، وزخات المطر تنقر كل شيء بالخارج.. تعزف سيمفونية المطر..

تمطرك كلماتي.. تصحب روحك روحي تحت المطر، فعشقك مطر لا يعرف ماهية الفصول، فحين تمسين آلامي برفيف روحك يتحول عظيم الأمل نثارا، ويصير إلى عدم؛ فصوتك شلال حنان يخترق الحواجز والمسافات والأزمنة، ويأتيني مع روحك دائما أبدا، لا يفارقني، أينما كنت وحللت، ينبع من قلبك العطوف ونهر عشقك الساري بأوردته، فحتم على كل الأنات أن تحول إلى نغم يثلج صدرينا.. يشفيهما من كثل الأسقام، ويعيد ترتيب أبجدية الكلام من بعد الغياب.. يضع الحاء قبل الباء موضعا صحيحا، يصحح خطايا العالم وخطايانا، بعدما قادت الباء الحاء من قبل، فبحت الأصوات، وذهبت أدراج الرياح.. يغسل الذنوب وآثام البعاد، وغدر اللحظات المنفلتة دون لقائنا، في مقام لا قسوة فيه للمطر، ف”كل الأشياء من داخلي ومن حولي تردني إليك ردا جميلا”، كالطفل التائه، كابن الروح الضال عن أمه، الفرح بلقياها والمتحرق شوقا لحنانها ودفئها، المتألم لدموعها وأناتها، متناسيا كل أسباب البعاد والعناد.. هل تعلمين كم تؤلمني أناتك.. أيقونة وجودي؟!!

لقاؤنا الذي كان بالصيف، ممهورا بهياج أمواج البحر، بطعم انهمار المطر. أتعجب كيف كان الصيف القائظ، شتاء حين التقينا، ولامست أقدامنا الهائمة أديم كورنيش البحر الممتد، تتناثر علينا هبات أمواجه رذاذا ينعش الروح، يغسلها بملحه الصافي مما اعترى الروح، ويطهرها تطهيرا!!

لماذا يدفعني البحر إليك؟!! فأهرع إليه لأسامره، فأجدني أسامرك أنت لا غيرك، ويزداد توحدي بك، دون العالم.. لماذا يتحول كل زمان بيننا إلى شتاء، وتتحول كل نقطة ماء فيه إلى مطر؟!!.. هل المطر يعيد صياغة الحكاية؟!!. أم أن المطر يرتب فصولها، ويواصل الإنبات والارتقاء والوصول، وتسليم الفصول فيما بيننا لبعضها، ليهب لنا بهجته..!!




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى