محمد مباركي - المغاربي.. قصة قصيرة

غرقتُ في غيبوبة طويلة جدًّا. دخلتُ بطولها كتاب "غينس" للأرقام القياسيّة. أبقى عليّ أفراد أسرتي حيًّا عدّة سنين لمحبّتهم لي ولكوني ثريًّا أيضًا. استفقتُ من غيبوبتي بقدرة قادر في يوم مشهود لم تغب فيه الشّمس عن منزلي الفاخر. استرأيتُ بالمرآة، شهقتُ شهقة زلزلت دواخلي وغُمِيَ عليّ حين وجدتُ نفسي كمثل مومياء فرعونية. أكل الهزال وجهي وصار كمثل عجين فطير لم يختمر. ابيضّ شعر رأسي ولحيتي وحاجبي ورموشي. تحوّلتُ إلى ما يشبه الإنسان الأبلق. وجدتُ صعوبة في الكلام بسبب التصاقِ لساني بلهاتي وتيبّسِ فكّاي. لم أتمكّن من الكلام والحركة إلّا بعد حصص مكثّفة من التّرويض.
حمدتُ الله وأثنيتُ عليه لمّا عدتُ إلى الحياة حيث ولدتُ ولادة ثانية أجذلتني وأبلجتني وأبهجتني حتّى إنّي رقصتُ طربًا.
كانت زوجتي تزورني صباح مساء بالمستشفى طول مدّة غيبوبتي، كما علمتُ ذلك منها ومن الممرّضين والممرّضات. تمسح وجهي بمنديل مبلّل بالعطر وتمسد كلّ أطرافي المتخشّبة كأطراف طوطم منحوت في جذع شجرة وتكلّمني كأنّي أسمع وأعي. سألتها فيما بعد لماذا كانت تفعل ذلك. اعتقدت المسكينة بأنّي كنتُ أسمع كلامها ولا أتمكّن من الرّدّ. كانت تحاول إنعاش دواخلي النّائمة على حافة الانتقال إلى العالم الآخر.
فرحت أسرتي بعودتي إلى الحياة الحقيقيّة وفرح كلّ من كان يعرفني. كثر الفرحون. تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الحدث بكلّ أمانة، بل وتحدّث خطباء المساجد عن حالتي في جُمع متتالية. قال أحدهم إنّي رجل مبارك صالح. بارك الله فيه على ما قال. وقال آخر قد وقع لي كشف كمثل الكشوفات التي يراها أولياء الله دون غيرهم من النّاس العاديين...
تساءل النّاس إليّ وانثالوا عليّ وأقبلوا إِلَى منزلي جماعات وفردانا. منهم من كان يقبّل يدي ويسألني الدّعاء. ومنهم من قال لي: "سيتحوّل منزلك إلى مزار" وأشاع في النّاس قوله ذاك. تعجّبتُ من أمرهم. بدّد أحد أقربائي البسطاء تعجّبي حين قال لي بصدق: "حين تكون ثريًّا سيكثر أهلك ومعارفك والذين يتحدّثون عنك بالحديث الحسن".
عشتُ في حيرة وشكّ مريبين من أمر عودتي إلى الحياة. وجدتُ أنّ العالم قد تغيّر كثيرًا في غيابي، وجدتُ صغاري قد كبروا. لم أعرفهم في الأوّل. لم أعرف زوجتي المسكينة التي هرمت بسبب حزنها عليّ. سألتُ عن معارفي. منهم من قضى نحبه ومنهم من كان ينتظر.
داوم أفراد أسرتي على الخروج بي في فسحات كلّ يوم. طلبتُ منهم ذلك كي أسترجع ما فاتني في مدّة غيبوبتي. أصبتُ بالدّهشة الكبيرة من التّغيّرات التي طالت كلّ شيء بمدينتي الجميلة "وجدة" الواقعة على الحدود الشّرقيّة للمملكة...
حيثما مررتُ كنت أسمع النّاس يقولون إنّه الرّجل الذي عاد من العالم الآخر. أنا في الحقيقة لم أعد من العالم الآخر. أنا كنت في هذا العالم لكنّني كنت غائبًا عنه فقط.
الفسحة التي أدهشتني أكثر هو حين أركبني ابني الأكبر سيّارته الفارهة وخرج بي من مدينتي في اتّجاه النّقطة الحدودية المسمّاة "زوج بغال". لم يقلّل من سرعة سيّارته وهو يجتازها في اتّجاه قرية "العقيد لُطفي" الجزائريّة. تعمّد أن يتركني أتخبّط في حيرتي. أوقف سيّارته بمحطّة التّزوّد بالوقود بمدخل مدينة "للّا مغنيّة". طلب من عامل الخدمة ملء خزّان السيّارة ونقده ورقة نقديّة ما رأيتُ مثلها في حياتي قطّ. طلبتُ منه ورقة مماثلة. ناولني واحدة وهو يغالب ابتسامة خبيثة. كانت الورقة النّقدية من فئة خمسين "مغاربي" تشبه ورقة خمسين "أورو". مزيّنة بخمس صور لمبدعين مغاربيين أعرفهم. سألتُ ابني بنظرة من عيني. ردّ عليّ بعد أن أطلق ضحكة مجلجلة استثقلتها: "لم يعد هناك لا "درهم" ولا "دينار" ولا "أوقية" يا أبي". سألته متجاوزًا الدّهشة التي كادت تخرسني: "ماذا تقول يا بُني؟!". ردّ عليّ مقهقهًا: "حلّت محلّها عملة "المغاربي" الموحّدة يا أبي". سألته: "منذ متى كان ذلك يا بني؟". ردّ عليّ "منذ أن دخلتَ غيبوبتك الطّويلة بقليل يا أبي".
دعوتُ الله بإخلاص في الأوقات التي يُستجاب فيها الدّعاء أن يمدّ في عمري حتّى أرى عملة موحّدة تسمّى "العربي".

محمّد مباركي




* اختيرت ضمن أضمومة "شموس" الصادرة عن دار "مها" بأرض الكنانة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى