د. أحمد الحطاب - فاتح أكتوبر 1967 : أستاذ أم تلميذ

فاتح أكتوبر 1967 هو أول يوم أصبحتُ فيه أستاذا للعلوم الطبيعية سلك ثاني بعد حصولي على الإجازة في نقس الاختصاص من كلية العلوم بالرباط و على الكفاءة التعليمية من المدرسة العليا للأساتذة بنفس المدينة (المدرسة العليا القديمة التي أصبحت فيما بعد كلية علوم التَّربية).

على إثر هذا النجاح، تم تعييني بثانوية الحسن الثاني بالرباط التي كانت تسمى سنة قبل هذا التعيين Lycée Gouraud. التحقتُ بالثانوية و قابلتُ مديرها آنذاك كان هو الأستاذ قنديل المنحدر من مدينة آسفي. فكانت المفاجأة الكبرى. أخبرني السيد المدير بأنه لا يتوفر على منصب شاغر و كل ما عليَّ أن أفعل هو أن أنتظر و أقوم بتذكيره من حين لآخر. بالطبع، لم يعجبني هذا الوضع الذي لم أستطع أن أجد له تفسيرا.

ذهبتُ إلى الوزارة لأقابل المسؤول عن التعيينات و أستفسر عن ما حدث. آنذاك، كان المسؤول فرنسيا يدعى Monsieur Marty. حكيتُ له ما جرى و أبدى أسفَه لما حدث و قال لي : لقد أحسنتَ لما طلبتَ مقابلتي لأني أحتاج احتياجا عاجلا لأستاذ للعلوم الطبيعية ليعمل بإعدادية النجد بسلا. قلتُ له : اقتراحك لا يهمني لأني طلبتُ الرباط و عُيِّنتُ بالرباط و أريد أن ابقى بالرباط. أتدرون ماذا فعل؟ لقد توسل إلي و استعطفني و ناشدني و ترجاني أن أقبلَ اقتراحَه واعدا إياي بشرفه أن يستجيب لطلب انتقالي إلى الرباط بعد سنة أو سنتين. قبلتُ الصفقة.

كنت أتوفر على دراجة نارية من نوع Solex. بعد فترة وجيزة، امتطيتُها و حللتُ بإعدادية النجد بسلا. توجهتُ إلى الإدارة لأقابلَ السيد المدير. و أنا في طريقي إلى مكتبه، أوقفني الشاوش و قال لي : "فين غادي أولدي دير الصف مع الدراري". فنظرتُ إليه بابتسامة و قلتُ له : "الا، راه أنا اللي غادي نقريهم". اعتذر و رافقني إلى مكتب المدير الذي استقبلني استقبال احترام و قدمني للحارس العام الذي كان فرنسيا.

في الغد، التحقتُ بأول قسم سأدرِّس فيه و هو السنة الأولى إعدادي. لما دخلتُ و ألقيتُ نظرةً عامة على التلميذات و التلاميذ، أدركتُ بسرعة لماذا أوقفني الشاوش و طلب مني"ندير الصف". كان جزء لا يُستهان به من التلاميذ الذكور مسنين 18 عاما وما فوق. و قد أُخْبِرْتُ فيما بعد أن أحدهم كان متزوجا. عمري آنذاك، لم يتجاوز 23 سنة لأني من مواليد 8 أكتوبر 1944.

بعد مرور سنتين على عملي بالإعدادية، تقدمتُ في أواسط سنة 1969 بطلب انتقال إلى ثانوية عمر الخيام بنات بالرباط علما أن Monsieur Marty وعدني بشرفه أن يستجيب لطلبي و هو ما حصل. ثانوية عمر الخيام كانت آنذاك أحسن ثانوية بالرباط بعد مولاي يوسف.

أضيف فقط أن أساتذة العلوم الطبيعية الذين اشتغلوا معي بالإعدادية كانوا كلهم فرنسيين. كما كان كل المفتشين العاملين بالرباط و سلا هم الآخرين فرنسيين.

و لا شك أنكم أدركتم لماذا أعطيت لهذا المقال عنوان : "فاتح أكتوبر 1967 : أستاذ أم تلميذ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى