شيرين ماهر - العائدون من الفقد!!.. قصة قصيرة

سحر يتبختر على أطراف الحروف، كما السحر الأسود الذى يقود إلى الكُفر..ألاعيب تنكرية تشى بها اللهفة الشرهة نحو المجهول.. موعد أصم وصَيد لا يمكن التكهن بقيمته، لكنه يُشبِع غروراًمطعوناً بسيف الخيانة، ويروض غريزة متمردة ترفض الرضوخ لقوانين الطبيعة، لكنها تستمدأبديتها من دماء أضاحى المساء !!

هكذا بدت علامات التجربة وأثار الخديعة على ملامحه الغامضة،التىجمعتبين براءة الشاه وتربص الذئب.. لم يكن مُذنِباً، رغم الدماء التى تقطرت من أنيابه .. ولم يكُن ضحية، رغم تناثر أشلاءه فى معركة الحب، التىاغتالت عُذرية أحاسيسه الأولى، فصاربعدهازنديقاًمارقاً، يٌعلن كفره فى زهو جنونى، وكأنه الناجى الأخير من ديانة زائفة تُدعى "الحب".

يُخرِج من رئتيه تنهيدة عميقة تشى بشريط طويل من الأحداث التى داهمته، لكنهينهَض مُسرِعاً، مُلَملِماً أشياءه المتساقطة على مسرح رجولته المطعونة..ينفض غبار الذكرى عن رأسه الممتلىء بدهاليز ومغارات الخطيئة، ثميترجل بين جثث ضحايا الهوى وصولاً إلى تابوته المقدس الذى يرقد به جثمان قلبه، كى يُرتِل عليه آيات العشق المُرتَحِل، فإذا بصوتها المٌتلكِىء يقطع ركضه المضطرب نحو الماضى المُسجَى !!

هكذا أتت أصداؤها الغائبةمن داخل كواليس اللحظات الأخيرة التى جمعتهما،حين تنازلت سريعاً عن قلبه، كى تمتطى صهوة جنوحها وولعها الأهوج بالحياة.. لم تكتفِبحبه الصادق "زاداً" فى رحلتيهما، بل ارتضت أن تتقاطع عربات قطاراتهما، وغادرته بفتور الغرباء، لتصنع منه "أسطورة" للكراهية و"مزاراً" للخذلان .

تنتابه رعشةخفيفة جراء ذلك الاسترجاع المؤلم.. يبدو أن طعنات كلماتها الحادةلاتزال تُدميه رغم ما مر من وقت، توهَم خلاله أنه تعافى وصار يزهد صوت ذكراها، لكن الوقت لم يبرهن له سوى أنجولاته ومغامراته الساخنة لا تتجاوز كونها ضمادات لجروحه النازفة فى محاولة فاشلة للاستشفاء ، وإذا بالسنوات تُقطِر أمامه تفاصيلاً لا يُدرك حقاُ إذا ما كان هو صاحبها ...!

هنا .. فى بهو المطعم الصاخب، ذى الأنوار المتراقصة، وعلى إيقاع ضحكات غير عابِئة بأنين الماضى، يستفيق من إعصار الذكرى، الذى عصف به جراء ارتطام عينيه بها .. كانت تتلألأ كنجمة هجرت أسرابها، فصارت لا تقوى بمفردها على إضاءة ما يحيطها من ظلام .. أخذت تتمايل فى بَهرجة خادعة، لا تكفى لمواراة قُبح سريرتها .. يبدو أن سنوات القطيعة لم تختطف ملامحها فحسب، بل نالت من ظلال روحها أيضاً ، فالشحوب يكسو أضوائها الخادعة.

لم يندهش كثيراً حينما رأها بجوار أحد المصابين بتخمة الثراء الفاحش، لتبدو كقطعة ديكور لا أكثر، تُزين مجلسه الشهوانى..هكذا عقدت صفقتها مع الحياة وافترشت متاع الدنيا الزائف، مُكتفيةً بتلبية رغباتها الدنيوية الشرهة.. كان الدخان الأزرق يتصاعد من حولها ويلف طاولتها، بينما تناثرحولها الشاحبون كـ "ذباب" مُتسكِعفوق صندوق زاخر بالقمامة.

تصطَف الكؤوس المخمورة وتتبارز أصواتها الرقيعة، بينما يراقب هو بشدة تلك الطاولة اللعينة، غير ملتفتلحديث تلك الحسناء، التى جالسته.. ليست عادته أن يتجاهل امرأة مثلها، مُطرَزة بحرائر الأنوثة وكريستالات الاشتهاء، فالجميلات لا تعنى فى قاموسه الانتقامى سوى أحد أشكال المقامرة ، التى يثأر من خلالها لكرامته المسكوبة ..!!

تقطع الفتاة اللعوبركضه اللاهث، كىيتلصص على أطلال أقصوصته الباهتة،وتُبادِر بالمغادرة، فإذا به يُخرِج علبة سجائره المنكهة بمذاق التوت البرى،الذى يليق كثيراُ بالحسنوات.. يشعل واحدة ويمنحها إياها فى إغواء يجيده منذ سنوات طويلة، فكانت لنظراته الواشية قدرتها الساحرة على إخماد الدلال الأنثوى الأرعن، الذى اعتادمراوغته،تمهيداًلاستدراجه وطعنه ،حتى يسدد فواتيره المتراكمة من الخذلان .

وبصوته الخفيض الجذاب يغويها بالجلوس، فترضخ، وإذا به يُطلِق ضحكاته المَاكِرة المُختالة التى عادةً ما تقترن بشخصية الصياد المُحترِف، الذى يُفتت حذر الضحية، وقبيل أن يواصل إهتمامه بضحيته الجديدة، تلتفت إليه صاحبة جُرحه الغائر، حيث اشتبكت نظراتها بأصداء ضحكاته المُتعالية، التى تعمد إطلاقها فى زهو وكبرياء.

يبدو أن صوته لا يزال مميزاً بالنسبة لها، ولميهجُر ذاكرتها المكتظة بعد..تُلقى فى شغف نظرة كاشفة على صاحب الصوت المألوف، فإذا به هو .."الحب" الذى غادرته بالأمس، وتلمست طرف خيطه فى الغد.. تُحادِث نفسها ولا تتوقع أن تراه فى ذاك المكان بعد ما يقرب من عشرة أعوام من القطيعة.. تراه وقد صارت "أخرى"لا تعرفها .. تتذكر جيداً وحشيتها الطاعنة، حينما تركته دون أدنى إلتفاتة، فلم تعبأ سوى بصوت عقلها المُتطَلِع، حين انهالت عليه بأسواط أنانيتها، لتُلهِب أحاسيسه بضربات الحقيقة الحارقة.

كانت لا ترى خيراً فى حياة لا يتوافر بها سوى الحب، وتتضاءلبها سبل الحياة الرغدة ..لم تكن حساباتها مُنصِفة، وكذلك لم تُنصِفها الدنيا ومنحتها ظلماً يليق بتضخم رغباتها ووهَن مبادئها، لكنها لا تزال رهينة سيناريو المُكابرة الواهية..تتدلى بأطراف الثقة الحمقاء.

هكذا تحسس حجم فضولها وتعمد آلا يلقى لها بالاً، مُنشغِلاًبضحيته الجديدة، التى راح يُغازلها ويروى شغفها وتطلعها لملاطفته، بينما تراقصت حوله خيالات الماضى وحاصرتمجلسه، وكأنها سِهام ورقية،تلتهمها دائرة النار التى يصنعها حوله أينما ذهب، فهو يجيد مواراة أسفه على سنواتهالناصعة، التى كرس خلالها كل جوارحه كترياق من نور،يمنح الأبدية لمعشوقته، وتساءل فى صمت واستياء:"ماذا عساها تريد بعد أن صِرت(قنينة) من السم الزُعاف،الذى تكفى نفحاته، كى تُردِى جنس الإناث قتيلات ؟!"

يآبى الاستغراق فى تحليل دوافعها، وأخذ ينهض فى شموخ وثقة، ثم استأذن لدقائق من رفيقته لإجراء مهاتفة هامة تخص العمل .. يعلم جيداً أنها ستتبعه بمجرد أن يستدير ويخطو خطواته المُتعالية وصولاً إلى الردهة الساكنة، فإذا بأطيافها الجحيمية تلحق به .. كم كان يتلهف إلى تعذيبها وإحراقها بشهقات عمره المسكوب فى أرضها الرملية العاقر، فكيف لقلبه أن يُنبِت ظلالاً زيزفونية فى جوف البستان الخرب ..!!

صدقت نبؤته بالفعل، فإذا بها تناديه بنبرة وَهِنة يصعب تفسير ما إذا كانتصادقةأم يشوبها التصنُع الذى تعتاده ؟!.. تشى نظراتها الزجاجية بتعمداختبارصلاحية تأثيرها عليه بعد أن تدخلت الأيامفى انتزاع مكانتها من عرش عينيه .. تقترب بإقدام (حية رقطاء) وتعلم جيداً كيف لها أن تغزوه، إلا أن نظرات الصد والجفوة عرقلتها ومنعتها من مواصلة السير..يبدو عجزها عن لعب دور "الحبيبة"، فلم يعد هو ذلك العاشق المتيم بها..!!

بالطبع أمكنها استشعار حالة النفور التى استفزت غرورها، حينما تعمد أن يلقى عليها نظرة نصفية، لم ينلها منها سوى الجانب المعتم، فالجانب الأخر من عينيه لا يأوى سوى حرائق نشوته ورماد عواطفه ..!!

فها هى تحين اللحظة المُنتظَرة، كى يواجه شراعات قلبه المهترءة، ويخوض اختباراً أعد نفسه كثيراً لاجتيازه، فعلى الرغم من استذكاره الجيد لمناهج الفوز بجولات (اللحظات الضائعة)، إلا أنه يخشى تلك الرجفة التى تقيسها هى بمقياس ريختر..فكانت تُسجل بدقة هزات وزلازل رأسه العنيد ..!!

تُرى كيف ستدور المواجهة بين قلبين،تقاطعت أحلامهما فى منتصف الطريق ؟؟ وما قيمة ذلك العوز العاطفى، الذى استيقظ من ضريح الانتظار القهرى ؟؟ هل ستُجدى الصدمات الكهربائية مع قلوب فقدت عذريتها واغتربت عن فطرتها ؟؟ أيمكن للحب أن يظل رهينة دافئة ، تنتظر نشوة المعايشة حتى ولو بأثر رجعى ؟؟ وما الذى قد يُحيكه هؤلاء العائدون من فقد الهوى والهوية على مسرح المصادفات غير المتوقعة ؟؟

أسراب من الأسئلة الحرجة تتوافد وتصطف كـ "حائل" منيع يفصل بين قلبين تراقصا على خط النار ولم يُعد كليهما إلى ثكناته بعد..ربما تبارزت سيناريوهات الصفح والانتقام فى بهو الاغتراب الطاعن.. ربما فقدت الغايات محتواها المثير أمام شغف يعتريه الوهن.. ولكن من المؤكد أن الاعتياد على الفقد، يُعطِل العديد من المستقبلات الحسية، لتبقى رحلة العودة "فرصة" لا يحظى بها إلا الناجون من محنة الضعف والاحتياج .. فعلى الرغم من الخطوات الضيقة التى باتت تفصلهما إلا أن كليهما هجر للأبد مجرة الأخر، ليبتلعهما "فقد" لا يتبعه عودة ..... !!



  • عن / إبداعات بتانة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى