حنان الدرقاوي - جهة الموت

كانوا يضربون رقابهم ورؤوسهم بسكاكين كبيرة، أرى أطرافا من الرقبة ومن الرأس تتدلى. كانت موسيقى غريبة تقرع وهم يصرخون الله أكبر ويأكلون البرتقال الممزوج بالدم. كنا أطفالا وكانت أمهاتنا تحملننا إلى طقس التطهير ذاك. فيما بعد رأيت آخرين في التلفاز يجلدون أنفسهم بسلاسل حديدية ويصيحون يا حسين يا حسين، لم أكن أعرف من هو الحسين لكنه بدا لي شخصا مؤذيا للغاية. كانوا يسيئون لأنفسهم ويمزقون أوصالهم لكي يروا الله جميلا. كنت صغيرة وكان الأوان موسم سيدي يحيى بتنجداد حيث تحدث الغرائب. يقولون أن سيدي يحيى ولي الله وأن الله يحب أن يشقى عباده ويتألموا. كانوا يقصمون رؤوسهم لكي يتجلى لهم الله، إله غريب موغل في القسوة مثل أبي، الله أب كوني، أب يزعق على الدوام، يضرب وينتقم ويؤلم ويحب أن نتألم، كنت صغيرة جدا وكانت أول مرة أحضر فيها موسم سيدي يحيى وعرض السكاكين.
أرى تلك المشاهد وأود أن أجري، أن أهرب إلى أي مكان فيه إله رحيم وأناس يحتفلون بالحياة. أمي تقول أن ذلك احتفال، أي احتفال يا ربي أن تشرع السكاكين وتنزل على الرؤوس؟ كان من بين الضاربين أنفسهم السو هربوب صديق لأسرتي. تجعلنا أمي نشاهد وصلته وهي تفتخر بالرجل ذي البركة الكبيرة. يجلد نفسه في سيدي يحيى وبعد يومين نلتقيه وقد شفي تماما ويضحك ملء فيه. يحدثنا عن الجذبة التي تتملكه أوان الموسم وعن انتظاره له طيلة السنة.
في انتظار سيدي يحيى كان يأتي طقس آخر لم أكن أفهمه. الكبار يمتنعون عن الأكل والشرب ويصيرون عصبيين، متوترين ويبدأ ضربنا نحن الصغار بسبب وبدونه. كانوا يجوعون ليروا الله قريبا وكنا نحن الصغار ككرات بئيسة ننام جوعى وفي الصباح نلتقط فضلات ما أكلوه في جوف الليل،كان ينقصهم النوم وكان التعب يبدو على أعينهم وهالات زرقاء تحيط بها. يبدون ثقيلين ولا يحتملون الحر فليشربوا إذن. لا لم يشربوا بل عطشوا حتى نهاية اليوم ليروا الله جميلا. النساء في المطبخ طيلة اليوم والرجال نائمون. يتحملن عبء الأشغال المنزلية وأعباء العمل في الحقول والعناية بالدواب ويفجرن غضبهن فينا نحن الأطفال لكي يكون الله أكثر قربا ويكافئهن على سنوات الطاعة لأزواج يستحقون الرجم. لم نفعل شيئا نستحق عليه الزجر لكن ذلك كان حظنا من طقس العطش ذاك، يجوعون ويعطشون ونتبهدل نحن لكي يكون الله جميلا وقريبا.
يمضي طقس الجوع ويأتي موسم السكاكين، الجميع بيده سكين ويذبح يسلخ . أمام البيوت سواقي من ماء أحمر، القرية كلها دم ولا أحد يشرح لنا لماذا كل ذلك، أهرب من البيت، أتجول في الأزقة وأسمع أصوات الأكباش وهي تبعبع. ما الذي فعلته تلك الأكباش؟ يذبحون ويسلخون ليروا الله جميلا، يتصافحون وأيديهم ملطخة بالدماء. يمتلأ البيت باللحم ورائحة الدم وأنا أحلم بكل تلك الأكباش وهي تقفز في البرية. يمضي السلخ والذبح وتأتي الأيام الثقيلة، الزيارات المطولة لمقبرة سيدي بولمان. لا يجب أن ننسى الموتى، أن ننسى أننا نحن أيضا ميتون لا محالة. ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، في المقابر موت، وفي سيدي يحيى موت وفي العطش موت وفي العيد موت، نرقص رقصة الموت لا رقصة الحياة لكي يروا الإله جميلا. لا يهم كيف تعيش، كيف تحتضن طفلا، كيف تقبل امرأة، كيف تتذوق موسيقى، كيف ترسم، كيف تغني.
الأهم هو أن ترقص للموت، للتاناتوس، لنزعة غريبة في الذوبان في الموت ، في التماهي معه فنحن كلنا ميتون ويبقى الإله الجميل، القريب. كل من عليها فان، كلنا فانون هنا، بالعطش سنموت، بالفقر سنموت، بضربة سكين هوجاء سنموت. الجميع خائفون وما يهم هو الماوراء.
الحياة لا وجود لها، لا معنى لها، المهم هو أن لا ننسى أننا يوما سنموت. كنت صغيرة وكنت أصرخ فليأت الموت إذن، ليلتهم هاته الواحة البئيسة بمساكنها ومقبرتها ومقام سيدي يحيى. لنمت جميعا بضربة واحدة، لننسحب من حياة لا تأتي. كنت أريد حياة، عناقا وقبلا وكانوا يقترحون علي هلعا، خوفا مرضيا من شيء لن أعرف عنه شيئا في يوم ما. الموت سياق آخر ولا يمكن التعرف عليه. وانا حي لا ألتقيه وحين أموت لن أحس به. الإنسان لا يلتقي الموت أبدا. أنا حية ، أريد الحياة، حياة فاتنة ووحدهم من يتقنون فنون الغواية يدخلون قلبها.
إنهم يتقنون أصول الألم ولا شيء يقدمونه لي غير القسوة. كانوا يريدون أن يروا الله جميلا ولهذا يجوعون، يروه قريبا ولهذا يسلخون أنفسهم وذويهم. وكنت أنا طفلة أريد حياة جميلة حياة قريبة فماذا بها تبتعد عني كل يوم في هاته الواحة المجنونة؟جهة الموت | حنان الدرقاوي – المغرب

حنان الدرقاوي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى