علي حسن - امرأة..

(١)
الساعة الثانية فجرًا؛ المذياع يبث عليَّ وعلى امرأة تُرضِع طفلًا صغيرًا، مسلسلًا بعنوان "ريا وسكينة".
كان الصوت مدويًا، ربما صداه لا يستشعر أحد غيري تأثيره المخيف! والدي كعادته، لا يأتي إلا بعد آذان الفجر بقليل، فهو من هؤلاء الذين يتعاطون الحشيش، وسهرات الأُنس والدخان الأزرق يبدآن دائمًا بعد منتصف الليل.
المرأة تجلس معي ومع الرضيع؛ طفلين أحدهما في السادسة من عمره والصغير تنوي فطامه! لم تجد المرأة شيئًا يُلهِيَّها إلا الجلوس مع هذين الطفلين، تداعبهما بعنفٍ تارة، وتارةً أخرى تقص عليهما "حدوته أمنا الغولة"!
لكن الراديو في هذه اللحظة، حمل عنها عبء تقمص دور "العفريت" الذي يُخيفنا ويخْمِدنا! كي تتفرغ لرحلة ليلية، تنتظر خلالها زوجًا فارقها ساعات طويلة. ربما لا يريد العودة، لكنه المأوى الذي يجنح إليه أغلب الرجال، إذ أن الليل لا يمر إلا إذا وضعت جنبك على سريرك ولو للحظات، قبل أن تبدأ يومًا جديدًا!
يصدر من المذياع أصواتًا عميقةً ومُجسمةً، تَبُث الرعب في قلوب المستمعين:
"متخفيش يا شابه.. إحنا حنريحوكي"!
في لحظة؛ فرت المرأة بالرضيع! دخلت الغرفة الوحيدة في المنزل، وتركتني دون سَندٍ ألوذ إليه، أو راعٍ أختبئ وراءه من هاتين السفاحتين!
ارتفع الصوت دون أن يلمس أحدٌ زره! صار صوت "ريا" أشد عُمقًا! وضحكات "سكينة" كضحكات عفريت، خرج من قمقمه، يتلوى أمام عيني بوجهه البشع المقزز، وأدخنة رمادية كثيفة تنبعث من تحته كفوهة بركان! أتلفت حولي وسط هذا الجو الخانق، فلا أجد غير العتمة والخيالات القاتلة!
هرولت نحو باب الغرفة، الذي أوصدته، تشبثتُ بمقبضه فتحطم، طرقت الباب بعنف يفوق حجم يديّ الصغيرتين، ملأت الدنيا صراخًا! سمعه كل البشر إلا هذه المرأة التي دخلت غرفتها وتركتني!
توالت الطرقات، وامتدت الصرخات دهورًا، هَوَيتُ بعدها على الأرض مغشيًا عليَّ!
أفقتُ على أنياب بارزة تضحك، ويد تحمل إناء فُخاريًا، ينهمر منه ماء بارد، يضرب رأسي وصدري!
عاشت هذه اللحظة الكئيبة في ذاكرتي، ونبتت داخلي تلك الهمسات التي رددتها بصوت مذبوح:
"أنتِ وِحشة!".
(٢)
سئمت الوحدة! هذا الطفل الذي جاء بعد ولادتي بخمسة أعوام، لا يقدر على شيء! ربما هو طفل غير طبيعيّ! لا أعرف مكنونه ولا سلوكه، فأنا ما زلت طفلًا، لا أفكر إلا في اللعب، ولا أجيد سوى القفز من علٍ!
جاءت جدتي لأبي -على غير عادتها- إلى بيتنا! كانت جميلة، تسرُ الناظرين، لها عينان واسعتان ساحرتان، بياضهما ناصع، رغم صغر سني، كنت أحب النظر إليهما! جسدها بضٌ وبشرتها شديدة البياض، فستانها الأسود يزيدها جمالًا وبهاءً!
جلست جدتي على الأرض، دون أن تضع وسادةً تحتها، فبلاط الصالة لا يغطيه كِليم أو حصير! بينما المذياع يجلس متربعًا على عرشه فوق رفٍ مُعلق على أحد جدران هذه الصالة اللعينة، والتلفاز يعتلي بزهو منضدة أُعدَّت له خصيصًا!
رفعت جدتي رأسها لتشاهد مسلسل "الضحية" التي لا أذكر منها سوى صوت الممثلتين "ملك الجمل" ومرة أخرى صوت "نجمة إبراهيم". لم أكن أعرف اسميهما ولا أريد، لكن بعد سنوات، شاهدت المسلسل مرة أخرى، وعرفت أن كثيرًا من المصريين يتابعونه.
ما إن لمحت وجه "نجمة إبراهيم" وفجر صوتها الفزع داخلي، حتى حاولت التلهي بشيء آخر؛ خرجت إلى "البلكون" وكانت مساحتها أكبر من الغرفة الوحيدة، التي ينام فيها والدي!
كنت ألعب بعصى من الجريد، تستخدمها "المرأة" في تنظيف السقف؛ تسميها "زعافه" تفتك بها العناكب التي تمرح على الجدران والأسقف العالية!
لم أرد فعل شيء غير الذي اعتادت هي فعله! أمسكت بـ "الزَّعَافه" أطارد بها عناكب البلكون! لم أقصد أبدًا كشاف الإضاءة! انفجر الفانوس، تحول إلى فتات، شظايا من البلور، أكبر جزء فيها، يصعب عليك رؤيته أو تتبع أشلاءه التي تناثرت كحبات من الرمل!
وقفت متسمرًا؛ لا أرى أي شيء على الأرض يعكس حجم الانفجار الذي سمعته! لكن بعد لحظة واحدة من هذا الانفجار تبعه انفجارٌ أشد تدميرًا ودويًا!
هبت المرأة من جلستها؛ تركت حماتها الطيبة وانقَضَّت عليَّ كطائر العنقاء! رفعتني كما يرتفع النسر إلى السماء بفريسته ثم يلقها من علٍ! قذفت بي المرأة بعيدًا، بعيدًا إلى السماء، حيث كان المصباح مُضيئًا منذ برهة!
هَويتُ في غمضة عين؛ ارتطمت رأسي بالبلاط! مرة أخرى؛ أفق بعد إغماءه طويلة، لكن هذه المرة على دم يتدفق من فميّ! كل شيء ملطخٌ بالدماء، أضع يدي على مصدر الألم والنزيف، لا أستطيع لمس شفتَّي الممزقتين! أسناني مهشمة، يملأ حطامها فمي! وصوت جدتي -الطيبة- يطغى على كل الأصوات حولي، تصرخ في المرأة:
"منك لله! ليه كده! إنتِ مش أم!"
(٣)
جاء المولد النبوي؛ علم "جدي" بما حدث! طلب من ابنه أن يحضرني ليطمئن على حفيده! فهو لم يعد قادرًا على رؤية سحنة هذه المرأة أبدًا!
وقفت أمام جدي؛ ربت على كتفي، قَبَّل يدي، رغم أنه لا يصافحه أحدٌ إلا قَبَّل الوشم الذي على ظهر يده اليمنى، أسد يرفع سيفًا، الجميع ينحني مُقبلًا الأسد الذي يحمل سيفًا!
جدي يحبني كثيرًا؛ يردد في كل مرة، أني أحمل اسمه، وأني سأكون وريثه، أنا الحفيد الذي سيخلد اسمه بعد رحيله! تعلمت كيف أخرج من البيت، متوجهًا إلى دكان جدي، حيث يعمل قصابًا!
رغم صعوبة هذا العمل، وقسوة مَن يمتهن هذه المهنة، إلا أن جدي كان رؤوفًا، شديد الرأفة بي، يمنحني الكثير من عطفه وحنانه!
كعادتي في كل أسبوع؛ أذهب إلى جدي لآخذ كيسًا من اللحم، مع قليل من العظم، تصنع منه المرأة "مرقًا" يحبه والدي، يرتشفه باستمتاعٍ ونشوة!
رغم صعوبة السير في الأسواق؛ لم يصطحبنِ والدي إلى دكان جدي إلا مرة واحدة، بعدها؛ صار الوصول إلى دكان جدي أمرًا يسيرًا! أقبل يده، يمنحني اللحم والعظم، أحملهما عائدًا إلى المرأة!
ذات مرة؛ شعرت أن جدي ينتظرني بلهفة! كان دائمًا عندما أقف بين يديه يأمرني: "بوس الكريمة"!
إلا هذه المرة، لم يمنحنِ فرصة لتقبيل كريمته! بل قبضَ على يدي بيمينه، سار نحو جاره الذي يبيع عرائس المولد والأحصنة! اختار لي حصانًا من السكر؛ حمل الحصان بيد وقبض على يميني بيده الأخرى عائدًا إلى دكانه. أمر عمي -الصغير- أن يوَّصلني إلى البيت حاملًا عني "حصاني الحلاوة"
عند باب البيت وضع عمي "حصاني" بين يديَّ، طرق الباب ثم فر هاربًا قبل أن تخرج إلينا المرأة!
ما إن رأتني "المرأة" أحتضن "حصاني" داخل صدري، حتى لمَحتُ بريقًا ينقض من عينيها! لمعان أخافني، وكاد أن يحيل الطفل الذي يسكنني إلى ذئب شرس!
أحكمتُ قبضتي على "حصاني" بينما تحاول انتزاعه من بين ذراعيَّ! لم أدعها تستوليَّ على فارسي الجميل! وما يحيط به من هالة ملونة، تبعث على السعادة، وتغمر مَن يراه بالبهجة والرضا!
لم أشعر بالأمان أبدًا؛ على مدار عامٍ كاملٍ تمادت المرأة في اختلاق حجج واهية ومحاولات سطو على الحصان، دون أن تفلح في اقتناصه أو السيطرة عليه! إلا أنه رغم كل هذا الصمود؛ جاءت القيامة!
كشفت عن رغبتها الخبيثة صبيحة يوم غائم:
" الحصان إسوَّدْ! وأنا عايزه أعملك بيه مهلبية!"
شعرت بالمكر في عينيها! خشيت على حصاني من قلبها الفظ! لذلك انتظرت لحظة انشغالها، ترفقت بحصاني، حملته بين ذراعيَّ، سرت به إلى الحوض.
بللت قطعة قماش صغيرة بالماء، مسحت ظهر الحصان بها! وضعت قليلًا من الماء على القماشة مرة أخرى، ثم مسحت وجه الحصان الأبيض الجميل بها!
رأس الحصان ذابت في لحظة؛ اختفت عيناه! لم يعد له أذنان! صار مشوهًا، ذاب الظهر دون قصد مني، كل شيء ذاب رغم أنفي! وأشهد الله أني لم أرد ذلك أبدًا!
على الحوض أحمل "الحصان الحلاوة" بين يديَّ؛ بينما تحوم المرأة حولي كذئب مُراوغ، يريد الانقضاض على فريسته التي أحبها واحتضنها في صدري! شعرت بلؤمها، بالمكيدة التي تحيك خيوطها حولي وحول حصاني!
زدت من احتضانه؛ بَرِقَت عيناي أمام مكر عينيها، لكنها انتصرت بخبثها! أحكمت المرأة قبضتها على حصاني! لمحت اصطكاك أسنانها الصفراء بين شفتيها المائلة إلى الزرقة، وأنيابها التي برزت كالضباع!
قالت: "الحصان الحلاوة اتوسخ، والزينة اللي في ضهره لونها بَهَتْ!".
لم أعد قادرًا على التصدي لمكائدها، أصبحت مع الفارس وحصانه، رهائن لها ولقرارها!
في لمح البصر؛ وضعت المرأة حَلَّة كبيرة من النحاس على الوابور، سكبَت قليلًا من الماء داخلها، ثم أخذت تحطم "الفارس الذي إمتطى حصانه بشموخ"!
في لمح البصر؛ ذاب الفارس وحصانه داخل بركان يتطاير حممه من الحَلَّة النُحاسية الملعونة! حينئذٍ لمحت نشوة الانتصار في عينيها!
لم أرها سعيدة مثلما رأيتها في تلك اللحظة! سعادة غامرة يشوبها انتصار، زهو، عنفوان، قوة!
لقد استطاعت المرأة في غمضة عين تدمير أجمل ما أملك!
(٤)
عاد والدي من العمل في موعده تمامًا؛ لم يغب كعادته، إذ ألِفَت "المرأة" تأخره عن موعده ساعةً كاملةً، إذ يعود في الرابعة عصرًا أو بعد ذلك بقليل!
"المرأة" لم تكن انتهت من إعداد طعامه؛ لذا ما إن رأت ظله ينحرف من الشارع الرئيسيِّ، منعطفًا إلى الحارة التي نقطن فيها، حتى أصابها فزعٌ شديد!
كنت حينئذٍ ألعب في الصالة، ورغم مساحتها الصغيرة التي تربط بين باب الشقة وغرفة النوم والبلكون، كانت تشهد كل أنشطة أهل البيت، من تناول طعام، استماع راديو، مشاهدة التلفزيون، استقبال ضيوف، وكذلك حين تستسلم "المرأة" إلى نوم عميق ساعة القيلولة!
أذكر أني في هذه الساعة، كنت استخدم أحد كراسي السفرة كمخبأ صغير، أختبئ داخله من الأعداء، وأضع على ظهره أكوابًا زجاجية، أطباقًا، بعض الألعاب البلاستيكية.
كنت مشغولًا بهذه الدنيا الرحبة عن المرأة التي استيقظت فجأة؛ هرولتْ ناحية البلكون، ثم عادت تنتفض! انتبهت لحظتها على صراخها:
"أبوك جه! مفيش أكل! لِم اللعب!"
لم أدر ماذا أفعل؟ ارتبكتُ، سقط على الأرض كل ما على الكرسيّ، تحطمت الأكواب والأطباق، دون انتباهٍ مني، بَرَكتُ بركبتيَّ على شظايا الزجاج المبعثر فوق البلاط! انفجر الدم من ركبتي، أصابني وجوم، إلى حد لم أستطع معه صراخًا أو تألمًا!
لم تنتبه المرأة! لم تلحظ الدم الذي انفجر من ركبتيَّ بغزارة ولطخ أرضية الصالة بلون أحمر مُفزع!
لحظات كان والدي عند باب الشقة؛ حملني بين ذراعيه في ثوانٍ، انطلق يقفز فوق درجات السلم، يقطع الطريق عدوًا حتى وصل إلى المستشفى العام!
كل ما أذكره؛ هو لهفته واضطرابه وخوفه عليَّ، ابتسامته التي حاول رسمها على شفتيه لكي يذهب عني الفزع والألم!
رجع والدي إلى البيت يحملني على ذراعيه؛ كنت بين النوم والصحيان! لذا لم أدر ما أفعله حين أودعني سريره! دثرني بغطاءٍ ثقيلٍ بعث الدفء في أوصالي المرتجفة!
إن الذي أذكره جيدًا بعد خروج "أبي" من الغرفة، هو أنني تحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الباب، أوصدته من الداخل، دون أن يشعرا بي!
أنصت إليهما من وراء الباب؛ كل ما فعلته هذه "المرأة" مع "الفارس والحصان" فعله والدي معها!
لكنه لم يُذِبْ جسدها داخل القدر.
ربما سمعت صراخًا، ربما لم أستطع تفسير ما كانت تردده "المرأة" من أكاذيب! متى بدلت أكاذيبها إلى سباب وشتائم؟ كيف حاولت الهرب من قبضة يده؟
لكني شاهدت مقبض الباب يتحرك! كانت تريد الاختباء منه داخل الغرفة! أعادت محاولة فتح الباب عشرات المرات، انكسر المقبض في يدها، أرهبتني طرقات يديِّها على الباب، لم أفتح!
عندئذٍ فقدتْ الأمل؛ استسلمت كفريسة هزيلة بين فكيِّ أسد! سمعتها تصرخ، كان صراخها عاليًا، سمِعهُ الجيران، لكن أحدًا لم يُعِرها اهتمامًا قط!

علي حسن


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى