أمل الكردفاني - الصفير.. قصة قصيرة

الطفولة الغريبة، التي بنت أحاسيسنا لتكون أكثر غرابة، تدهي ما لا يمكن العودة إلى الوراء لوصفها. ذلك الإختبار الذي لم ينجح فيه أحد. حتى كبار ملوك الكتابة كجيمس جويس في أعظم رواياته، ولكن هذا لا يعني شيئاً، إذ أنه من الصعب أن نصف أنفسنا بالمبدعين كنتاج لطفولتنا الغريبة. كنبتة في الفضاء.
يخبرني بذلك، أو أخبر نفسي بذلك، وهو أو انا، يقلب صفحات جريدة قديمة على مقهى شعبي، وأصوات شفط الشيشية المزعجة تغمر المحل الضيق والحار. أشياء صغيرة، أسست الكيان الكبير، ومع ذلك فنحن نتعلم، لا زلنا نتعلم، ونتعلم كيف نغلف اللحظات المقيتة ببعض الفلسفة. كلمة توترك، ولكنك تملك الخبرة الكافية لترميها وراء ظهرك وتضحك عليها كي تستنزف أثرها المقلق مثل رسومات سلفادور دالي الحمقاء والتي أصبحت ذات أهمية لأنها حمقاء. "آه" أتاوه في سري، ولا أعرف كيف يكون ذلك لكنه يكون. ومن داخل القبو أدرك أن هناك بشر في الخارج، لأن أجراس المعابد تدق والغربان تفر من أعلى القباب. وأعتقد بأن القبو الجاف خير من ذلك الذي تعبره أنهار صغيرة. ليس لأن القبو ضيق ولكن لأن وجود الماء يجعله حيوياً بشكل لا يُطاق. يجب أن يكون القبو ضاغطاً ومنفراً، وباعثاً على الكآبة، ومظلماً، لكي يكون قبواً بحق. أو كما تقول حبيبتي القديمة "بحق وحقيقة"، هذه الجملة التي لم أفهمها حتى الآن. في الطفولة كان يجمع مساند الجلوس ويصنع منها غرفة ويختبئ فيها. دفؤها لذيذ وأمانها ألذ، إحساس بالتملك يفوق الوصف. شيء لي. شيء قابل للبناء والهدم بسرعة دون ترتيب خسائر تذكر. هكذا يبدو أنني كنت ليبرالياً منذ الطفولة، وهذا ما جعل النفق مسكناً مناسباً لي. تقول مارون في مؤلفها أن القصة كلها تتمحور حول الأمان، مهما اختلفت حبكتها. وأعتقد أن هذا صحيح. ويجب أن أطلب توقيعها على هذه التحفة الصغيرة التي لم تتجاوز سبعين صفحة كتبت بروحها وعاطفتها وأنفاسها كذلك. إنك ستختار حياة القبو. وهذا ما حدث بالفعل. ومع ذلك فقد اندهَشَت رغم كل شيء. كنت أعتقد أنها لن تندهش، لكنها اندهشت رغم كل شيء. رغم كل ما قالته وهي تغطي فمها بيدها كي تخفي تثاؤبها لأن الأرص باتت مملة. شديدة الملل. "إنك لن تكرر هذه الأشياء". وتمسح دمع تثاؤبها من عينيها وتشعل سجارة فتبدو غائبة عن الوعي وهي تغمض عينيها. ثم وصفتني وصفاً مضحكاً رغم أنه حقيقي، ولا أدري لماذا بدا مضحكا بالنسبة لي: "نحيل وقصير.. وجهك أطول من ظهرك.. كوجه أرنب، أصابعك ضخمة أكبر من حجم عضدك النحيل، رقبتك بدورها نحيلة، تُتَأتئ وتحاول الصمود بسبب فراغ دماغك". إنه وصف أخرق. فتصر: كم طولك؟
أضحك. وأشعل سجارة مثلها. "متأكدة بأنك تحبينني؟" أرتعش من الضحك. وتظل تنظر لي بجفنين مسبلتين. "متأكدة؟.. لا.. إنني أحبك كأخي.. أحياناً أشعر بذلك..". "هل تنامين معي يوماً ما".. تقول بعجرفة: "طبعاً لا". وتطفئ السجارة. كل تلك ذكريات تطفح داخل القبو. ذكريات شديدة البلوغ كمأساة. لكن الطفولة مأساة غريقة. في القبو علَّقتُ رأس مارون بعد أن وقَّعَتْ بدمها على نسخة كتابها السبعيني. رأسها المستدير وشعرها القصير المكور، وعدسات عينيها التي أضحت بيضاء الآن ورائحتها.. كنهاية حب.
ما الذي يجعلها تراني كذلك؟.. بكل تلك البشاعة؟ يوترني ذلك السؤال فأضحك عليه وألقيه وراء ظهري، ثم ما ألبس أن أتذكره كطعنة شوكة ليمون. ولكن في كل الأحوال فإن الليبراليين الأوائل قالوا بأنك إذا وجدت سكرانا ينام داخل بالوعة فلا تحاول نقله، لأن هذه هو مكانه المناسب. والقبو هو مكاني المناسب، فالنظريات البراغماتية صائبة دائماً. والطفولة تؤكد ذلك، وكذلك كلمات مارون. الإحساس الكبير باللغة، بالهدم الذي تمارسه قبل أن تُختزل وتكتب. هدم داخل هدم داخل هدم. لذلك فالقبو هو أفضل مكان في العالم. وأصابعي تخشبت وهي تنخر الجدران الترابية لتستخلص منها الفطر الذي كان يسبب لي إسهالاً طفيفا في البداية، ثم توقفت تلك القسوة التي أنشدها لكي أنال الخلاص. ليس الأمر بذي أهمية كما يظن البعض، ليس الأمر مثيراً للشفقة، ليس لأنه خياري، ولكن لأنه متعتي ولا يمكن للمتعة أن تثير الشفقة. لا أعرف إن كانت مارون تفهم ذلك، ولكنها لم تمتلك أبداً روح الإشفاق على الآخرين، كان ذلك ما ينقصني ولهذا أحببتها وامتلكتها. وها هو بنطالها الجينز معلق أمامي، إنه بنطال رجالي، لكنني لا أستطيع تخيل أفخاذ غير أفخاذها داخله. أشمه باستمرار، أشمه في منطقة الفرج باستمرار فأغطس في بحر القسوة. ثم أتمشى جيئة وذهاباً داخل الظلام. ثم أتبول. ثم أرتمي على الأرض، ثم أنهض، ثم أجلس. ثم أكتب على التراب ملاحم أسطورية. ثم أنام ثم أنهض ثم أنخر الجدران واستخلص الفطر. ولكن ليس كل ذلك بالشيء المهم. بل المهم هو أنني استخرج من حقيبتها أشياء كثيرة، خاصة تلك التي لها حواف حادة، فأمزق جسدي بها وأضحك بأعين باكية.. يا للمتعة.. يا للمتعة.. يا للمتعة.
إن القسوة لا تكتمل أبداً، فهناك مبالغة، مبالغة حين تمد رأسها من بين السديم، وتتحداني كي أقطع ذكري وخصيتي. إنها كلبة، حقيرة وأنا أعلم ذلك، أعلم بأنها تعرف حدود قدراتي جيداً، وتستغل ذلك لتجعلني أفقد ثقتي بالقسوة.. أفقد ثقتي بنفسي في الواقع.
هذه قُلَّة، بلا ماء، قُلَّة بلا ماء، ولكنها قُلَّة. على الأقل هي كذلك. وبما أنها كذلك فإنها تعصف بكل شعوري بالمتعة، فأحطمها. وأسحقها ببعضها البعض. فالقبو يجب أن يظل قبواً لا غرفة فندقية. يجب أن يظل قاسياً كما يجب. الشيء المفزع الوحيد هو أنني لا أعرف الليل من النهار في الخارج. وهذا الجهل قسوة ممتعة. كانت مارون تمتحنني بمثل تلك الأشياء. بالقداحة حين تقدحها فيشتعل اللهب الصغير، ثم تتأمله ببرود. تمتحن أعصابي باستمرار. ونادراً ما تضحك، وكثيراً ما تتثاءب. كنا ندخن أكثر مما نتحدث. وأحببتها لأنها كانت تدخن أكثر مما تتحدث، رغم أن صمتها كان يثير الشكوك في نفسي، إذ يبدو موشًّى بالسخرية. ولكن هل يهم ذلك؟ يهم ولا يهم. نعم الأشياء يمكن أن تجتمع مع نقيضها. الأعماق يمكن أن تجتمع فيها كل التناقضات. يمكنها أن تذبح حبيبها، وتنام مع جثته، وتعلق رأسه على جدار قبو. الأعماق يمكنها أن تحسم المعارك العالمية الكبرى، ويمكنها أن تغزو الفضاء.. وأن تصنع الدول العظمى، وأن تمارس الجنس مع اسكارليت جوهانسون وكل شقراوات كييف وفاتنات البنجاب ولحم العربيات الطري وحرارة فرج الأفريقيات السوداوات. كل شيء ممكن في الأعماق.
ينحر القبو المستحيل. وتبدو اللغة لينة. ويتشبث الصَّغار بالكبرياء فيجتمع الحضور بالغياب والوجود بالعدم، العدم "بحق وحقيقة" لا كفكرة ولا كمجاز. "آه"، إنه حب قديم حقاً ولكنه كشامة في القلب. كان بإمكان أشياء صغيرة أن تقلب كل شيء على عقب. لكن الأشياء الجيدة لا تحدث في الغالب، تلك الأشياء التي تقلب كل شيء رأساً على عقب، فتمنحك مسار حياة.
الطفولة الغريبة، التي بنت أحاسيسنا لتكون أكثر غرابة، الاحاسيس المستعدة للفزع باستمرار. واليوم كان القبو أكثر اتساعاً، إذ بدأ يفقد قسوته كلما اعتدت عليه. فالأيام تمنحه الرفاهية اللازمة لحياة الدعة والهناء. تلغى الرتابة بالرتابة، الروتين اليومي، الذي لا يحمل الكثير من المضامين، وهكذا يكون الأكثر ثراء. الفراغ الذي يتحدث إليك عن نفسه والكون، والذكريات الصامتة غير الملونة، ضبابية الصور والملامح. ذلك المصباح الأصفر المعلق على جدارٍ خارجي عالٍ لغرفة منزل تطل على باحة مظلمة من تراب الصحراء. والأم.. دائماً تبدو بعيدة.. تجلس هناك وسط العتمة وتحت الضوء.. كتمثال حزين. الأشياء الأخرى -وكلمة شيء تعني (بلا ملامح، بلا هيئة، بلا ماهية)- الأشياء الأخرى، أكثر ضبابية من كل ما سبق. الغناء الذي كنا نسمعه ونردده، وتقريباً كل من عرفناهم ماتوا قبل سنوات، وارتموا في خزانة منزوية في الدماغ. وأصبح كل من نلتقيهم كائنات جديدة بدءً من صرصار الليل، وحتى من نتلقى أصواتهم على الهاتف كاتصالات خاطئة. وديان تنجرف بسيل من التمرحلات المتتابعة، التي تعصف بكل الماضي، وتجعلني دائماً في الآن والهنا. غير أن أحاسيسنا تنبني هناك خلفنا فتكون مارون ضحية ماضي الآخرين، وانا كذلك، وحتى هذا القبو الترابي الجاف، والفطر سيئ الحظ. والعقود الجزافية التي تُبرم كمراهنات على الحظ السيئ.
....

ينقبض القلب منذ الاستيقاظ، ويتفاقم في طابور المدرسة والأناشيد الوطنية غير المفهومة، والصبية الذين يمسحون أجسادهم بشحم البقر. والأساتذة الذين ينظرون إلى الأطفال كنساء فاتنات، والحوش الترابي الذي وُتِّدَت سارية عليها علم في منتصفه، علم بالوان قبيحة. وكل ذلك يبتلع العمر البشري بلا غرض (هكذا يقول الطبيعانيون). إنه مجرد ميراث سيخدعنا طويلاً. وتقف مارون على ناصية الشارع وتلعق الآيسكريم بلسان طري وعيناها تمسحان محيطها بحثاً عن فريسة. بذات بنطلون الجينز الذي أمامي الآن. وتأتي الفريسة، شاب غني يوقف سيارته ويبتسم إليها فتبتسم بدورها وتلعق الآيسكريم بتؤدة.
تغوص الأقدام في الوحل، والكواكب -رغم كل شيء- تلتزم بمساراتها ولا تنحرف عنها. وتوضع الأوراق على مكتب المدير، فيحملها ويقرؤها كما لو كان يفهم شيئاً.
ويبقى الصباح هو الصباح في أفريقيا. كصباحات أفريقيا المعهودة، المشبعة بالمخاوف وبالحرارة والجفاف والفقر. ولا تنسل القرى البائسة من المشهد -كمارون تماماً- هذه التي تتوزع مساكنها الطينية -كآخر تطور لها- على أكناف العالم.
فما الفرق؟
ها هو نفقي يمتلك مزاياه الخاصة، ومعي جسد مارون المتعفن ورأسها المعلق وبنطلون الجينز والذكريات. أليس هذا كل شيء.. وأعرف الساعة حين اتبول صديد الفطر الأخضر، حين يجف. يختلف حينها مزاجي، فاردد أغنية قديمة بطيئة، قبل أن اسأم منها. إن موهبة الصفير تُختبر في كتمة القبو العطن. هناك فقط ستتعلم كيف تتقن الصفير، إذ ليس هناك كما هو الحال في الخارج. فلا صدى في القبو، لا ريح، ولا فراغ واسع. وهكذا أحكي قصصاً بالصفير للضفدع الذي خرج من تحت الأرض فجأة والديدان التي خرجت من جثة مارون، وصرصار فوق الجدار من الغزاة الجدد.
ما هو الصفير؟
هو أول ما انتجته محاكاة الإنسان للطبيعة، لصفير العصافير، ولصفير الريح حين تمرق بين حقول القصب، ولصفير الأفكار داخل الدماغ. وهكذا بدأت تعليم الصفير لزواري الجدد، وكان الضفدع أولهم نجاحا وآخرهم هم الديدان، أما الصرصار فقد تمكن من تجاوز نغمته المتقطعة الرتيبة بسرعة. وتشكلت جوقة النفق بسرعة. الجوقة الحزينة.
....
ها هي السنة الثالثة على ما اعتقد. السنة التي قررت فيها أن أخرج مرة أخرى للعالم، أن أخرج بجوقتي الموسيقية، لأمنح أجوبة لأسئلة قديمة طرحتها البشرية.
"نحيل وقصير.. وجهك أطول من ظهرك.. كوجه أرنب، أصابعك ضخمة أكبر من حجم عضدك النحيل، رقبتك بدورها نحيلة، تُتَأتئ وتحاول الصمود بسبب فراغ دماغك". والآن سأخرج بجوقتي، كي أتمكن من طرد ذاكرة الطفولة.
...
كانت أصابعي المتخشبة تتكلب على حافة الحفرة، وأخرجت جوقتي أولاً ثم مرق رأسي من فوهتها الضيقة، وغمرني ظلام الليل. وامتدت فوق النجوم، وحولي ترسب الشفق الأحمر بين خطي السماء والأرض. وغمرتني رائحة كرائحة جثة مارون. ولم يكن على الأرض أو فوقها غير ذلك. خرجت الديدان والضفدع والصرصار من البقجة الصغيرة المصنوعة من بقايا بنطلون مارون وتأملوا ما حولي. قالت الديدان بأن العالم أضحى خالياً من البشر واقترح الصرصار أن نصفر كل الألحان التي صنعناها في الخندق.
وهكذا بدأنا نفعل ذلك، وحمل الهواء صوت صفيرنا إلى بقية الخرائب والموت من حولنا.
...
لأول مرة أراها ترتدي فستاناً كالأنثيات. فستاناً بنياً قصيراً أظهر سيقانا طرية ولامعة. وعلى وجهها نظارة شمسية أنثوية، وفوق رأسها قبعة أنثوية بدورها. أما على قدميها فحذاء نصف رياضي خفيف النعل. كانت تسير بسرعة لتقتلع نفسها من الريح وزوابع باردة تحيط بها، ومجموعات الحمامات تجري مبتعدة من حول قدميها.
أدخلت ذراعها تحت ذراعي بسرعة وقادتني نحو مقهى على ناصية الشارع.
"سأهاجر لإسبانيا"
لم تتثاءب أبداً...
"أصبحتِ أنثى"
فرفعت عينيها إليَّ بدهشة لم أرها من قبل. فأضفت:
- وهذا يعني أنكِ وجدتِّ رجل.
هكذا قلت كلمة رجل مُسكَّنَة الحرف الأخير. ليس لأن هذا هو المعتاد بل لأمنعها من الدفاع عن نفسها.
غير أنها قالت بسخط مفتعل:
- لست مضطرة للدفاع عن نفسي.
- لا لستِ مضطرة.. تبدأ السماء بحسب طول وقصر قامتك..
غادرت..
...
"الحياة تتحرك كأغنية لا يمكن أكلها. رغم لذتها".
تغني جوقتنا بلا خوف والشفق مترسب حولنا في الخط الذي يفصل بين السماء والأرض.
هناك نجوم متناثرة، نجوم ذات ألوان مشعة. وحجارة مسجاة على ظهرها كامراة حُبلى. وطبقة متوترة من الغازات الباردة تعبر رقابنا.. كان كل شيء يصفر.. يصفر صفيراً مزعجاً.. مزعجاً جداً..

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى