حمدي عابدين - عيسى عبيد عاصر محمد تيمور، ووصفه يحيى حقي بأنه «لغز فجر القصة القصيرة»

ضمن سلسلة «ذاكرة الكتابة» التي تصدرها هيئة قصور الثقافة المصرية، صدرت حديثاً المجموعة القصصية الكاملة لواحد من أبرز رواد القصة القصيرة المصرية والعربية، وهو عيسى عبيد الذي توفي في ريعان شبابه، وترك مجموعتين قصصيتين، تظهران لأول مرة في كتاب واحد بمقدمة ضافية كتبها الناقد الدكتور صبري حافظ عن آثاره القصصية، ورؤاه عن الكتابة الإبداعية، ومشروعاته القصصية والنقدية التي لم تر النور أبداً بسبب وفاته المبكرة متأثراً بمرض التيفود عام 1923، وكان معاصراً للكاتب محمد تيمور، ومات في العشرينيات من عمره مثله، لكن أعماله لم تجد من يهتم بها على عكس ما حدث مع كتابات محمد تيمور التي وجدت اهتماماً كبيراً من أخيه محمود الذي ساعد في لفت الأنظار إليها، والحفاظ على ما ترك أخوه من إبداعات قصصية.
للأديب الراحل يحيى حقي، يعود الفضل في اكتشاف ورد الاعتبار لكتابات عبيد، فقد أفرد في كتابه «فجر القصة القصيرة»، فصلاً كاملاً تحدث فيه عن إبداعات الأديب الشاب، وقدم أعماله للدوائر الأدبية، ونادى بإعادة تقييمها، ووصفه هو وأخاه شحاتة بـ«لغز فجر القصة القصيرة»، لكن أحداً لم يلتفت لتنويه يحيى حقي، ولم يتم البحث عن باقي أعماله، ما أدى لضياع وفقد إبداعات كان عيسى نفسه أشار إليها في مقدمته لمجموعتيه اللتين صدرتا عامي 1921 و1922، على التوالي، وكانت الأولى بعنوان «إحسان هانم»، والثانية «ثريا»، مقدماً كل واحدة منهما بمقدمة كان همه فيها وضعهما في سياقهما الثقافي والحضاري الذي صدرتا عنه، وسعى عيسى لأن يكشف خلال مقدمته لقصصه عن الكثير من آرائه الأدبية وثقافته ومنطلقاته الفنية.
ويضم الكتاب المجموعة القصصية الأولى «إحسان هانم» بمقدمة بعنوان «كلمة عن الفن والأدب الحديث في مصر» وضعها عيسى في بداية القصص الخمس، التي شكلت متنها، وجاءت بأسماء «إحسان هانم»، و«أنا لك» و«مأساة قروية» و«النزعة الإنسانية» و«مذكرات حكمت هانم»، أما المجموعة الثانية «ثريا» فقد تكونت من أربع قصص، هي «ثريا» وتتألف من 12 مقطعاً، و«الكازينو» و«حديقة الأسماك»، و«الغيرة»، وهناك إلى جانب القصص دراسة حقي التي أفردها عن عيسى عبيد، في كتابه «فجر القصة القصيرة»، فضلاً عن المقدمة التي كتبها الناقد عباس خضر للطبعة الثانية التي صدرت في أوائل الستينات لقصص «إحسان هانم». ويستعيد صبري حافظ ما كتبه حقي في التعريف بعيسى عبيد، ويشير إلى أنه كان من أبناء كنيسة شرقية ليست الأرثوذكسية، وأنه كتب قصصاً تكشف عن مصريته، وقد فقدت الكثير من إبداعاته التي كان قد أعلن عنه بنفسه، ومنها رواية كتبها بالفرنسية بعنوان: «على ضفاف النيل»، وصفها بأنها رواية نفسانية عن الحياة المصرية المعاصرة، وأخرى كتبها بالعربية بعنوان «بين الحب والفن» حلل فيها مشاعر كاتب طامح إلى المجد، وصور خلال أحداثها الوسط الفني المصري، فضلاً عن مجموعة قصصية ثالثة بعنوان «الأسرة».
نشأ عيسى عبيد في بيئة متحررة، يجري فيها نوع من الاختلاط بين الجنسين، وهي بيئة الأسر المنحدرة من أصول شامية، المقيمة في عطفة الأكراد بحي الظاهر بالقاهرة، وقد تربى الأخوان في كنف أم مكافحة حازمة كانت تحوطهما بالرعاية بعد وفاة والدهما المبكرة، كما كانت تمنعهما من الخروج ما دفعهما للعكوف على القراءة، التي كان أكثرها باللغة الفرنسية.
وبسبب العوز، لم يستطع أخوه شحاتة الذي كان يكتب القصة أيضاً أن يقدم شيئاً لذكرى أخيه مماثلاً لما قام به محمود تيمور في صالح شقيقه محمد. كما أن الدوريات التي كانت شائعة خلال العشرينات لم تهتم بنشر أعمال عيسى، حسب صبري حافظ. وقد كان من المألوف وقتها نشر الأعمال القصصية قبل صدورها في كتب ومجموعات. وقد تمحورت موضوعات قصصه حول الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة، وواقع البيئة المصرية، فضلاً عن العديد من الموضوعات الاجتماعية والوطنية. وربما لم تنشرها الصحف الأدبية بسبب تصويرها للنزعات الحسية والرغبات النفسية وإغراقها في تصوير ووصف شخوصها النسائية، وهي ملاحظات أشار لها عبيد في مقدمة لمجموعته الثانية، بقوله «إنهم يفضلون نشر القصص البوليسية إرضاء للجمهور».




عيسى عبيد.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى