علي حسن - اغتراب..

مالت المدينة نحو الكثبان الرملية، تغوص قدماي في سراب يتجدد! ربما أيضًا غابت المدينة العتيقة تحت جبال جليدية، أزلية، فأموت عطشًا!
لم تعد المدينة العجوز تُغري بالتسكع، بحمل قنينة خمر، أردد أشعار الصعاليك على دروبها، ثم أستريح لحظات على رصيف ضيق، لا يسع قدم هِرة!
الممشى خالٍ من الحور العين ! ربما نداهة النيل لا تملك ثمن التذكرة؟ قاع النهر أحب إليها من تأبط ذراعي، نهمس عشقًا أمام بائع متجول عجوز! لعلها وجدت طمي النيل ألذ، ثقل الماء أخف وطأة من هامتي، حين ألقيها بين نهديها!
خروج من عزلة عقيمة إلى زحام كهل؛ أجساد البشر تنزف ملحًا! أرفع رأسي إلى السماء، فلا أجد الله! حجبته كتلٌ خرسانية، تسلب الروح، تمنع نسائم الليل. أنزع الأمل، أترك الأحلام كي أتخفف، فلا أجد غير اختناق، عبء الذكريات!
سحابة، تبدو بين العمائر الشاهقة هدبة رمادية؛ فقدت بهجتها، نعومتها، سحر الأشعار التي قيلت، طراوتها، كل ما تحمله من غيث استجديه!
لا سبيل بيني وبين وجوه البشر؛ أغراب انتهكوا عذرية قاهرتي! وجوه أذربيجانية، إندونيسية، أفريقية، تترية، ما تزال تحتفظ بسحنة الجد الأعظم جانكيز خان، هولاكو، تهرول في سراويل باكستانية!
تضرب أذنيَّ موسيقى إفريقية صاخبة؛ يرقص على إيقاعاتها تاجر ملابس مستعملة، يرقص حتى يفقد اتزانه ثم يسقط! نحن، أنا والجميع لا ننتشي بهذه الطقوس، لكنه هوس التغيير، شعور الانفلات، فقدان الجاذبية الملعونة، ألا يربطنا شيئ بالأرض، الأمومة، الانصياع إلى التاريخ، الخضوع للمنطق، علم الكلام، شهوة الأبدان، كل خرائط العالم الكاذبة!
نعيق السيارات الطائشة؛ يرتد صداه نحو صدري، يدمره، جسدي المنهك يتبعثر، أشلاء تتناثر بين خيوط دخان يصَّعد إلى السماء مع الأتربة، مع سعال العجائز، دوائر رمادية تنفر من مهموم ينفث في حنق دخان سيجارته!
شظايا جسدي تمسي في لحظة أسراب سمان؛ بحر عميق، شاطئ ملعون، غيوم، قوافل من الصيادين، المرابين، رؤوس السمان تهاوت؛ الشباك تردد أناشيد النصر!


علي حسن



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى