سعد الشديدي - مذكرات لقلق مصاب بأنفلونزا الطيور

لا أنوي الشكوى. فالشكوى "للّه مش للبشر" كما تقول ميادة حناوي.
ولكنني مع ذلك لا أجد بُداً من رفع صوتي عالياً، ومن له آذانٌ للسمع فليسمع.
انا طائرٌ من فصيلة اللقالق. في منتصف العمر، أو هكذا يحلو لي أن أصفَ حالي حين أقدم نفسي الى لقلقةٍ بيضاء الريش ناصعته، ذات ساقين حمراوين نحيفتين طويلتين. وانا، واعوذ بالله من كلمة أنا، احب السيقان الحمراء الطويلة. أو هكذا كنت على الأقل قبل أن اتأكد من تشخيص الطبيب لمرضي بأنه انفلونزا الطيور الذي لا شفاء منها. والحق أقول بأن التشخيص لم يصدمني. فقد كنت اتوقع منذ زمن ليس بالقصير بأن شيئاً ما سوف يقتحم عالمنا ويهدم سقوف اعشاشنا على رؤوسنا. شيء غامض لم أكن لأستطيع أن أحزره. فالكوارث كثيرة هذه الأيام والمصائب لا تترى تدحرجُ رؤوسَ أقوامٍ وتتلاعب بمصائر آخرين. وهذا ما أصبحتُ متيقناً منه مع مرور الوقت وانتقالي الدائم عبر القارات بصفتي طائراً مهاجراً. وبصفتي من هذا النوع فأنا اشبه الغجريّ المرتحل ابداً والذي لا يطيب له الاستقرار في محلٍ أو مكان مهما كان آمناً. ولهذا السبب فأن لي أعشاش في مدن لا استطيع أن احصيها.
اعشاشٌ بدأت بالتناقص حتى شعرت بأن قوةٍ ما تحاصرني. ايادٍ خفيةٍ تهدف الى القضاء عليّ وبني جنسي. فقد كنتُ بنيت عشاً صغيراً على سطح مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك. كنت أحلّقُ عالياً في السماء كي اصله. احياناً كان التعب يصيب جناحاي القويين المتمرسين على الطيران لساعاتٍ متواصلة دون كلل. ولا أخفيكم سراً بأن العبد الفقير كان يشعر بلذة غامرة حين يتصبب العرق من ريش جبينه وهو يعلو مخترقاً السماء الى طبقاتها التي لا يصلها في العادة. ففي العش حيث كانت صديقتي، عفواً زوجتي (كي لا أوصف بانني ادعو الى التحلل الأخلاقي من قبل بعض ألوان الطيف السياسي)، تجلسُ مسترخية على بيضة أو بيضتين هما حصيلة تعب الموسم بكامله. منتظرةً عودتي حاملاً معي ما أجد من قوتِ يومي. فأسلم عليها: هاي حبيبتي. وتجيبني بلكنتها الأمريكية: هاي هني او هاي بَيبي. احياناً كانت تدللني اكثر من المعتاد فتقول لي: هاي سويتي. فأُسعدُ ايّما سعادة. وما الذي يصبو اليه الذَكر، اي ذَكرٍ ، أكثر من لحظةٍ حبٍ واندماجٍ كاملٍ بالحبيبة؟ وكنت افعلً ما بوسعي لأصلً الى تلك اللحظة معها ولم تكن هي لتبخل على صاحبكم بأجمل المشاعر والنظرات وساعات الصفاء. ثمّ جاءت الطائرات التي كان يقودها ثلّةٌ من المجانين لتفجّر ناطحة السحاب تلك وتأخذ مني حبيبة العمر وبيوضها التي كنا ننتظرها على أحرّ من الجمر لتفقس عن كائنين رماديين لزجينِ.. رائعين. كنت كعادتي اطير بعيداً باحثاً عن طعامٍ لسيدتي التي كانت ترقد مسترخيةً تنظرُ الى الناس وهم يعبرون الشوارع المكتظة ابداً بالناس وسيارات التاكسي الصفراء. فأفلتّ من موتٍ محقق. حاولتُ البحث عنهم بين الأنقاض دونما جدوى. ولم استطع الطيران لأن السماء امتلأت بالطائرات ليلاً ونهاراً حتى اصبحتً اشعر بالرعب من مجرد التفكير بالتحليق بين ناطحات السحاب في نيويورك. غادرت المدينة تاركاً الجمل بما حمل للمجانين وخوفاً من الإرهابي والطيران الحربي الذي اصبح يجوب الآفاق دونما انقطاع. فلم تعد السماءُ سالكةً ولا الأرضُ آمنة.
اتجهتُ شرقاً عابراً المحيط. ولم ارَ شيئاً في سفرتي تلك لا في البحر ولا في الجزر المنتشرة بين أمواجه. كان كلّ همي أن أغادر سماءً اصبح لها طعم العلقم في منقاري.

حططت رحالي في مدينة النور باريس. بنيتُ عشاً على الطراز الباريسي على قمة برج ايفيل. وجمعتُ من مزابل المدينة كل ما خفّ وزنه وغلى ثمنه حتى أنني حملت لوحةً من لوحات بيكاسو، كادت تقصم ظهري، زينتُ بها العش. شعرتُ ببعض السعادة والأمانِ وبريقٍ من الأمل يسري في حياتي ثانيةً. تعرفت عليها.. وما أجملها. رشيقةٌ كأجمل ما تكون انثى في هذا الوجود. رقيقة مثل نور القمر في ليلةٍ من ليالي تشرين. ويزيدها جمالاً انها كانت تلثغ عندما تنطق حرف الراء. تصوروا لقلقةٌ تلثغُ بالراء. يا عيني. في لقاءاتنا الأولى كنت اكنس العش جيداً.. أرشه بالماء متحسراً لأنني بعيدٌ عن بلاد الشرق وإلا كنت سأرشه لها بماء الورد. اهيأ قنينة النبيذ المعتّق وكأسين على المائدة التي تطلّ مباشرة على الجانب الشرقي لعاصمة النور. تأتي مفردةً جناحيها.. جليلة كمركب الاله رع. حلوةٌ كطبق الحلوى. وانا انتظرها على أحرّ من الجمر. تجلس تنظر لي بثقةٍ واحساس يشبه الحُبّ. نحتسي نبيذنا بهدوء، صامتين. منتظرين ان يبادر أحدنا لتطويق الآخر بأجمل الكلمات. وبعد لحظات صمت تقول: مون آمي هل تعغفُ ما أغيد؟؟ ألم اقل لكم انها تلثغ بحرف الراء وبمنتهى الرقة والجمال. تعغف هي الكلمة الفرنسية لفعل تعرف وأغيد يعني أريد. نعم قولي يا أعز الناس. ماذا تُغيدين؟؟ تجيبني بصوتها الذي يفعل فيّ فعل السحر: طبق من شوغبة الضفادع مون آموغ. اعترفٌ بأنني ضعيفٌ أمام كلمة مون آمور هذه. اذوب فيها حتى قبل أن تصل الى طبلة أذني. وأكثر ضعفاً أمام شوربة الضفادع. أطير بجنون الى مزبلة مطعم مكسيم لآتي لها بأفضل شوغبة ضفادع في اوروبا كلها. ونقضي الليل محترقين مع أضواء باريس. دام الحال فترةً من الزمن ونحن غرقى في الحب وشوربة الضفادع. ولكن دوام الحال من المحال. فقد رفضت وزارة الهجرة منحي حقّ الاقامة بعد أن أصدر الاتحاد الأوربي قوانين صارمة لتحديد الهجرة الى بلدان الاتحاد. واكتشفت بأنهم يتهمونني بالهجرة غير المشروعة الى فرنسا وكذلك بالسكن في احدى بنايات البلدية دونما أذن. أُلقيّ القبض عليَّ وأودعت أحد السجون. حاولت لقلقتي الباريسية، دونما فائدة، ما بوسعها لأحصل على الإقامة. وعرفت بعد ذلك انها استسلمت للأمر الواقع واحتلت العشّ مع لقلقٍ جديد يحمل أقامة العمل في أوروبا الموّحدة ويا دار ما دخلك شرّ.
تمّ ابعادي قبل موسم الهجرة بقليل. فواصلت طيراني نحو الشرق.
كانت بغداد هدفي هذه المرّة.
أذكر أنني اخترت بغداد لأنني سُحرتُ بقصص ألف ليلة وليلة التي حملت بعضاً من أوراقها الى العش حين بنيته بداية وصولي الى باريس. ولا أذكر كم من المرات قرأت تلك الأوراق. أخذتني شوارع وأحياء تلك المدينة الأجمل بين المدن الى عوالم تقطر بالحبّ والرومانسية. نسيت أن اقول لكم أنني لقلقٌ رومانسي للغاية كثير الأحلام في النوم واليقظة. فحملت ما بقيّ لي من متاع وطرتُ متجهاً نحو بغداد.
وصلت المدينة الحلم منهكاً لكن سعادتي كانت أكبر من التعب الذي اضعف جسدي النحيل. متهيأً لمقابلة البشر الذين يسهرون حتى الفجر بين رنين الأوتار وغناء المغنيين والمغنيات. باحثاً عن هرون الرشيد وجعفر البرمكي. عن خانات التجار والحانات والدكاكين المتخمة بما لذ وطاب من المآكل والمشارب والبضائع التي حملها السندباد البحري من سرنديب وجُزر الواق واق الى البصرة ثمّ الى دار السلام. عن الجواري والخدم الذين يسيرون في مواكب السادة من أكابر القوم مرتدين الحرير الموشّى بخيوط الذهب واللؤلؤ. وعن الحدائق الغناء على ضفتيّ دجلة.
كنت مهووساً بالبحث عن كل ذلك. ولكنني سرعان ما اكتشفت بأنني اخطأتُ في العنوان. فهذه المدينة التي عبرتُ من أجلها اوروبا وشمال أفريقيا لا علاقة لها ببغداد التي كنت ابحث عنها.
راجعت كتاب الخرائط وجرّبت البوصلة مراتٍ ومرات فقد أكون عبرتها دون أن اشعر أو لم أصلها حتى هذه اللحظة. ولكن لا. كان كلّ شيء صحيحاً. وهذه هي اذن بغداد!!
مساحات واسعةٌ من البنايات المتهدمة بدلاً عن القصور الفارهة. أشجارٌ محترقة بدلاً عن تلك الحدائق الغنّاء. الظلام الدائم بدلاً عن الأنوار التي تتلألأ في سماء المدينة حتى الصباح. نسوة ملتفعاتً بالسواد ولا ترى منهن غير عيون غائرة بدلاً عن الغواني الفاتنات اللواتي سلبن عقول الشعراء والمغنيين وسادة القوم. طقوس لم أفهمها يضرب البشر فيها على صدورهم ورؤوسهم ويجلدون ظهورهم بالسلاسل بدلاً عن الرقص في كرنفالات واحتفالات كانت تمتد لأيام وايام. أهازيجُ حزينة وبكاء حارّ بدلاً عن اغنيات ابراهيم وأسحق الموصليين وزرياب. كلّ شيء تغير في تلك المدينة التي قرأت عنها بشغف في صفحات ألف ليلة وليلة سوى شيء واحد. مسرور السيّاف.. فما زال واقفاً منذ مئات السنين الى جانب النطع وحفرة الدمّ منتظراً أوامر الخلفاء والسلاطين والملوكِ والرؤساء بقطع رقاب البشر. وحده هو الذي لم يتغير حين اختفى كلّ ما سواه في مدينتي التي قطعت اليها آلاف الكيلومترات حالماً بمعانقتها وتقبيل أبوابها والسهر في شوارعها وسماع غنائها والتمتع بالنظر الى العشّاق المتيمين فيها، رجالها ونساءها. ومسرور السياف هذا له فضائح عبر التاريخ. آخرها قرأتم عنها وسمعتم. فضيحة ملجأ الجادرية. فهو الذي أسسه ويديره باقتدار. أراه كلّ يوم من على سطح المئذنة التي غامرتُ ببناء عشّي على قمتها. يروح ويجئ منفذاً أوامر هرون الرشيد، الجديد، قاطعاُ الطريق على الشعراء والمغنيين والعشاق والعيارين والشطار مجهضاً أحلامهم. تماماً كما كان يفعل دوماً.
بعد زمن قصير تيقنتُ بأنني لن أجدَ بغداد في بغداد.
هزلتُ وفقدت شهيتي لكل شيء واعتزلت كل الكائنات مختفياً فوق مأذنة جامع الشيخ الخلاّني. وعرفتُ مصادفة أنني أصبت بمرض يصيب الطيور والبشر على حدٍّ سواء اسمه انفلونزا الطيور. فلم يصدمني ذلك فقد سأمت الحياة بعد أن لوحقتُ في كلّ سماءٍ حلقت فيها وكلّ أرضٍ قصدتها. ولم تعد مسألة الحياة والموت تهمني كثيراً. بل قد يكون الموت، على العكس، افضل من حياةٍ كهذه. فقد ملأتم قلبي قيحا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى