عادل المعموري - خواء رجـل خمسيني.. قصة قصيرة

تجلسُ قبالته تماماً ،عيناها لم تفارق وجهه ،دبّت في جسده قشعريرة ،شملتهُ من رأسهِ حتى أخمص قدميه،تسلّلَ الى مفاصلهِ ارباك واضح ،حركة يديه فوق الطاولةتثير الانتباه تشاغلَ بتحريك زجاجة الماء ،أغمض عينيه ،فتحهما ،مازالت تنظر إليه،المقهى يعجُّ بالجالسين ،نساء ورجال وأطفال أيضاً،

حرارةُ شمس الظهيرة

ألجات الجميع إلى أماكن أكثر برودة ،ظهيرة قائظة وشمس ترسل بحممها في كل الأماكن ،استظّل البعض منهم بظلال الأشجار الضخمة والبعض خلف الجدران العالية ،المراوح والمبردات والمكيفات تحبو كسلحفاة متعبة خلف ثور هائج ينفث زفيراً عالياً لا يهتدي إلى سبيل، كانت تجلسُ بقربها امرأة كبيرة في السّن ،ضخمة الجثة ،رغم كبر سنها مازالت تمتلكُ عينين كعينيّ الصقر،الفتاةُ الجميلة لم تكن تعبأ بالمراة التي تجالسها أصعقهُ حركة شفتيها وهيّ تكوّرهما بعلامة _قُبلة _تُرسلها عبر الهواء ،أسندَ ظهرهُ إلى الكرسي وزفرَ متأففاً ،مسح بيدين مرتعشتين وجهه الذي شابهُ الشحوب ،بين الفينة والأخرى ..يرتشفُ من زجاجة السائل التي أمامه كلما نشفَ ريقه،الجميع منشغلون بالحديث مع بعضهم ،اطمأنَ أن لا أحد ينظر إليه أو إليها ،أخرجَ علبة سجائرة ،أشعل سيجارته ،لمحها تشيرُ اليه بحركة تقاطع بأصابعها البضة ،ابتسم َبخجل ورمى السيجارة ،داسها بعقب حذائه، بدأ هذه المرّة يدققُ في ملامحها ،طويلة القامة ،ممشوقة ،شعرها أسود فاحم ،تتطاير خصلاته مع انبعاث هـــــواء المبردة الكبيرة ،لها يدان ناعمتان بيضاوتان ،أسورتين تزيّنانِ معصميها،قميصها الأصفر وصدرها النافر ،تنّورتها الضيّقة ،

ابتسامتها العذبة

،يإإلهي مالذي أعجبها بي ،فاتني قطار الزواج بعد عبوري سن الخمسين ،أخذ يتحدثُ لنفسه وهو يجلس وحيدا ًعلى طاولة وحيدة تحيطُ بها أربعة كراسي والطاولات الأخرى معظمها مشغولة بالروّاد، __شابة عشرينية معجبة برجل خمسيني ؟ولم لا ،آه لقد أرجعتني تلك الجميلة إلى أيام العشق والوله ،ماتت زوجتي وبقيتُ وحيداً ،لم أفكر أن أحب بعدها ..آه الفرصة سانحة الآن، قالها وهو يستعدُ للنهوض نحوها ،بعد إن شاهدَ المرأة البدينةتغادرُ كرسيها ،نهضتْ قبل أن يرفعَ هو جسمه الثقيل من خلف الطاولة ،اتجهت إليهِ وذات الابتسامة الرقيقة مرتسمة فوق شفتيها القرمزيتين حاولَ أن يقوم إليها ،أشارتْ له بالجلوس ،وصلتْ وهي قاب قوسين منه،تجاوزتهُ ومن خلف كرسيه ،مدّت يدها لتصافح شاباً كان يجلسُ خلفهُ مباشرة ،تبادلا كلمات الاعجاب ،كانت الفتاة تتكلم وعيناها صوب ممر االمقهى الداخلي ،خشية أن تراها المرأة التي كانت معها ،سمعها تقول للشاب :__التدخين يضرُ بصحتك ،أكرهُ السجائر لذا أشرتُ عليك أن ترميها ؟!لمْ يلتفت إلى الوراء ..هجمتْ عليه غلالة حزن كبير ،امتعض وجلاً ،أطلقَ آهة حبيسة في صدرهِ ..أخرجَ علبة سجائرة،أخذَ يرتشفُ السيجارة بنهم كبير وهو يمسحُ من على وجههِ مرارة الخيبة .



عادل المعموري


المصدر:
الزمان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى