إنِّي لأجِدُ رِيْحَ يُوسُف


لَم يَستَطِع الزمنُ أن يَنخرَ فِي مَمرّاتِ ذاكرتِيَ الَّتِي رأت (يُوسُف) وهو يَغيبُ في الجُبّ...!
‏.
‏.
(يُوُسُف)...؟
‏مُدرِّسٌ أتعبَتْه حروفُ الحياةِ...؛ زاملتُه فِي مدرسةٍ شَرقَ الرياضِ، عَام ١٤٢٦/ ٢٠٠٥م. كانَ كأبي حَيَّانٍ التَوحِيديِّ، "غريبَ الحالِ، غريبَ اللَّفظِ، غَريبَ النِحلَة، غَريبَ الخلق، مُستَأنِسًا بالوَحشَةِ، قَانِعًا بالوَحدةِ، مُعتادًا للصَّمتِ، مُلازمًا للحيرة".

‏واعتياده الصَمتَ؛ مَنهجًا يُدرِّبُ عليه الطلابَ!، وهذه مِن عَجائِبه؛ فإنَّه إن تَحَدَّث، حَكَى عن قيمةِ الصمتِ، وقِلِّ الكَلام؛ إذ كانَ مِن مَنهجِه أن يُعيدَ صِيَاغَةَ النصِ فِي المنهجِ الدراسي، ويجعله -كما يظنُ- جوامعَ كَلم.

‏يَحصلُ كثيرًا أن يَغيبَ يُوسُفُ عَن المدرسةِ، ويَتعلَّل بِمَرضِه المُزمِن...؛ وربما هو الصرعُ؛ إذ قد شَهِدتُ-مرةً واحدة- وقوعَه مَصروعًا بجوارِ بَرّادةِ المدرسة، فهرعتُ إليه، فإذا بِه يَنتَفِضُ؛ كأنَّه كبشٌ يَرقصُ مِن ألمِ سِكّينِ الجَزَّار ...فأدخلتُ أطرافَ أصابِعي فِي فَمِه؛ كَيلا يُؤذِي لسانَه!. وما زال أثر أسنانِه باقيًا.

‏وفي صباحٍ رَمضَانِيّ -أثناءَ انتِظاري لِحصّتي- دَخَلَ يُوسُفُ عَليَّ بِوَجهٍ لا أَعرِفه، كَأنَّه استَعارَ لِسَانَ هَارونَ فِي انطِلاقِه، ولِسَانَ مُوسَى فِي حُبْسَتِه. جَمعَ اللّسَانَين من شِدة ما رأى. كأنَّ مَا حَدثَ أَنساهُ صِيَاميْه: (صومَ الكلامِ، وصومَ الطعام)؛ فَقَد أَخَذَ كُوبَ ماءٍ وشَرِبه...! ‏وكانَ كُلّمَا حَكَى، زادَ منطِقُه التِبَاسًا...، وكأنَّه -بهذا الارتباك- حَنَّ للصمتِ الأبدي!، لكِنّي انتَزعتُ مِنه خَوفَه بهدوءِ... ولمَّا اطمأنَّ قليلًا، حَكَى قائلًا:

‏ حينَ كُنتُ مُعتَزِلًا فِي بَريّة مِن بَرارِي النفودِ الكبير، وجَدتُ لفائِفَ وَرَقٍ عَتيْقٍ، مَصنُوعًا مِن جِلدِ ذئبٍ، ومَدسُوسًا فِي تَحافير جُبيْلٍ يُجاور جبلَ أمِ سنمان ..!

‏ كُتِبَ فِي أَعلَى الوريقات:
‏ (رقيَة... )
‏ثُمَّ؛ هَذين السَطرَين:
‏١/ "شِفَاء المَرقِيّ بِخيالِ الراقي".
‏٢/ "لِكُلِّ داءٍ دَواء؛ فإذا وَقَعَ لفظُكَ عَلَى الدَواء، خَرَجَ الداء".
‏.
‏حتى جَاءَ نَصُّ الرقيَةِ، وَهوَ كَلامٌ واضِحُ المَبنَى، غامِضُ المَعنى، يتكوّن من سبعةٍ وثلاثين سَطرًا.
‏وقد سُبِقَ النصُّ بمفتَتَح:
‏"بِسْمِ اللهِ أَرقِيْك، من رؤيَةٍ تُؤذيك".

‏ولما أنهى الرقيةَ كتبَ:
‏"مَن مَرِضَ خيالُه، فتَلفَّظَ بهذه الرقيةِ، مُتَسبِّبًا بالجِنِّ، فسيُشفَى. فَمَا سُدَّت ذريعتُه، أُبيحَ لِمَصلَحةٍ راجِحة".
.
تَردَّدتُّ فِي أَخذِ الورقات؛ فَربَّمَا كَانَت لَعنةً، لكِنِّي جاورتُ (الجبل) مدةَ يومٍ وليلة؛ لعَلِّي أفكُّ طلاسِمَ الرقيةِ، أو تأتينِي رؤيَا مَناميّةٌ تَحلّها. ومَرَّ اليومُ والليلة، ولم أجِد ريحَ التفاسير، فأخذتُها معي...، ونسيتُ أمرها بين كُتبِي، وفَوضَى دفاتري، وأنين أقلامي؛ حتى جَاءَنِي هاتِفٌ مِن جِهَةٍ مَجهولةٍ، يَطلُبُ مقابلتي!!.
‏فِي البَدءِ أَخفَى سَببَ المُقَابلةِ، قال لي: "أقابلكَ من أجلِ أوراقٍ أعطانِيهَا الدكتورُ فُلان...،[وذَكَرَ الاسم...، وهو أستاذُ دكتورٍ معروف في تَحقيقِ المخطوطات] قَالَ: إنَّها تَخُصّك". ومِمَّا جَعلَنِي أُصَدِّقُه أنَّ لِي عَمَلًا تَحقيقيًّا سَلّمتُه للدكتور، ليُقيّمَه...، فظننتُه سَيُعيده.
‏ جَاءَنِي عِندَ بابِ بَيتِي، وكَانَ مُتَلثّمًا بِطَرفِ غُترتِه، قَالَ بِلَهجةٍ حَادَّةٍ مُبَاشِرة: "أُرِيْدُ أَورَاقَ الْرقيَة". ولَمّا عَلَت الدَّهشَةُ مَلامِحي، قال: "هَذه رقيَةٌ تَفُكُّ أمراضَ الخَيَال. سَتَضُرّكَ إن حَبستَها عِندك، دُونَ إيمَانٍ بها". لا أدري حينها: هل ضَحكتُ مِن خُرافَةِ مَا قَال، أم زَادَ اضطِرابِي خَوفًا مِمَّا سَيكُون وكَان؟ أم فَرحتُ؛ لأنَّ مَن كُنتُ أنتظِره عِند الجبلِ؛ ليفكَّ طَلاسِمَ الرقية، قد بَعثَه الله؟. لكِن حينها أُلهِمتُ السؤالَ الأهمّ وهو: "كَيفَ عَرفَ هَذا الرجلُ حِكَايةَ الوريقات؟" لمَّا سألتُه، قَالَ: "أتَذْكُرُ ذئبًا عَوى، وأنتَ عِندَ الجبل تَنْتَظِر وحيَ الله...،!" وقبل أن أُجيبَ، قال:
‏ذَاكَ أنا. ألا تَتَشدّق -دَائمًا- بقَولِ الأحيْمِر السعدي:

‏عَوَى الذئبُ فاسْتَأنَستُ بالذئبِ إذ عَوى
‏ وصَوَّتَ إنسانٌ فَكِدُّتُ أطيرُ
‏يَرى اللهُ أنَّي للأنيسِ لكارِه
‏وتُبغِضُهم لِي مُقلةٌ وضميرُ

فَهَا أنتَ انعَقَدَ لِسَانُكَ وطِرتَ حِينَ رأيْتَ الذِئبَ -الَّذي عَوَى- بهيئةِ إنسَان!!، ولا تَستَطيعَ تَكذيبي، فلديَّ قدرةٌ عَلى أَن أُقَابِلكَ هُنَاك بهيئةِ الذئبِ..!، وَهيَ فُرصةٌ ثمينةٌ لكَ لتنظُرَ فِي قُدرتِكَ عَلَى أن تَكونَ كالأُحَيمِر...!،

‏والآنَ؛ قَرِّر: أتُريدُ إعطَائِي الأوراقَ هُنَا، أَم نَتَقابَل هُنَاك؟"

‏بُهِتُّ، ورَجَعتُ القَهقَرَى، ثُمَّ الْتفَفْتُ باتِجاهِ الشَّمسِ -الّتِي في أعلى الأفق، تلّوح بيدها..،- فسَمِعتُ مِن وَرائِي رَجعَ صَوت ذِئبٍ يَئِنُ مِن جُرحٍ...، التَفَتُّ فإذا قِطٌ رَمَادِيٌّ مُنَقّطٌ بثلاثِ نُقطٍ بيضاء مُضطَجِعٌ فِي مَكَانِ الرجل.

ركَضتُ بِغيرِ هُدى، حَتَّى وَصَلتُ مَسجِدَ الحارةِ، وكَانَ الناسُ يَفِدون لِصَلاةِ المَغيْب [هَكذا كَانَ يُوسُف يُسَمِّي صلاةَ المَغرب]، وفِي زاويةِ المَمَرِّ قَبلَ البَابِ، امرأةٌ مُتربِّعة، تلبسُ ملابسَ سوداءَ مُنقّطَة ببياضٍ، وتُمشِّط شَعرها... لا أعلم مِن أينَ جَاءت!.

دَخَلتُ المَسجِدَ، وصَلّيتُ صَلاةَ الخَوفِ فِي وَسطِ صفوفٍ تُصَلِّي المَغيب...، وقَرَّرتُ -وأنا ساجدٌ- أَن أُعطِيَ (الرجلَ الذئبَ)، أوراقَ الرقيةِ؛ لَعلِّي أعودُ لاستقراري...!

‏ إلا أنَّ الصلاةَ ذَكّرتنِي بِمَا قَالَه الذِئبُ، بأنَّ الرقيةَ تَفُكُّ أَمراضَ الخيالِ، فَسَيطَرَ عَليَّ إيمانٌ بأنَّ الرقيةَ تَفكّ مَا أنا عليه، وتَطرد الرجلَ؛... أَلم يَقُل: إنَّها تَضرني إذا حبستُها دون إيمانٍ بها؟!...، هاهو اللهُ أَوقَعَ فِي قَلبِي إيمانًا بِها، فِي صَلاةِ المَغيب.

‏ ذهبتُ إلى بيتِي، بنيّةِ قِراءةِ الرقية...، بحثتُ عَنها طَويلًا، فوجدتُها فِي وسطِ كتابِ (الكبريت الأحمر) للشيخِ الصوفيِّ ابنِ عربي. [تقول العربُ في أمثالِها: أندر من الكبريت الأحمر]. وقد جَلبتُ هذا الكتابَ مِن سورِ أوزبكيّة القاهرة، عام ١٤٢٠، وأذكر أنّي لمَّا قرأتُه ما فهمتُ منه شيئًا، كأنَّه رقيةٌ لِمَا لا يُعرفُ وجعه!..، ثُم خَطرَ لِي خاطرٌ أن يكونَ هذا الكتاب رقيةً للذئبِ..!! أليس ثمةَ -فِي الإسلام- رقية للنملة، ورقية للحيّة والعقرب؟ [رقية النملة: هي تعويذاتٌ لِمَا يَشعر بِه المريضُ؛ كأنَّ نَملًا يَمشِي على موضعِ الألم]...، وإلا فَما معنى أن أجِدَ الورقات فِي وسطِ كتابِ ابنِ عربي، وأنا لا أذكر أنِّي وضعتُها فيه؟...
زادَ خَوفي واضطرابي، فقد يكونُ الذئبُ هُوَ مَن وضعَه فِي الكِتاب!!، ثم تنبَّهتُ: إن وَصَل إليها، لِمَ يَدسّها في الكتاب؟ لِمَ لَمْ يأخذها؟...، ثُمَّ حَدستُ بأنَّ الذئبَ لا يستطيع أن يَسرِقَ الوريقات...! لابدَّ من تَسليمٍ وتَسَلُّم.
‏ثم حِرتُ: هَل أقرأ كِتابَ ابنِ عربي، أم أقرأ الوريقات؟!...،

‏ثم وأنا أُفكّر؛ عادَ الذئبُ للاتصالِ...؛ جَاءَ صوتُه مَبحوحًا: "علامَ وقعَ رأيُك: أتعيدها أم نلتقي عند الجبل؟"
‏قلتُ: لنلتقِ غَدًا أمامَ بيتِي، قبلَ المَغيبِ، لأقولَ لكَ رأيِي...،
‏لَم أنَم تِلكَ الليلة، ولَم أجرؤ عَلَى قِراءةِ الوريقاتِ، ولا الكبريتِ الأحمر!
.
‏ وها أنا -عندكَ- لا أدري مَا أنا فَاعِل؟!.

‏قُلتُ ليُوسُف: لنُنهِ دروسَنا، ثُمَّ نلتَقي بعدَ الظهرِ؛ لعلَّ فَتحًا مبينًا يأتي ليخبرك ماذا تفعل!
‏ثم ونحن نخرج من البابِ؛ سَمِعتُ يُوسُف يقول بصوتٍ مبحوحٍ:
‏"ليقضِيَ اللهُ أمرًا كَانَ مَفعولًا".

‏بعدَ الظهرِ حَاولتُ الاتصالَ بيوسُفَ، إلا أنَّ جِهازَه مُغلقٌ...!
‏.
‏.
‏.
‏مَرّت ثلاثةُ أيامٍ، بلا خَبرٍ يُنهِي القَلق...،
‏.
‏وانتهى الفصلُ الدِراسِيُّ دُونَ أن تَكتَمِل حِكايةُ يوسف...!،
‏...
‏..
‏.
‏وحَتَّى هَذا اليوم مَا زالت حِكَايَةُ يُوسُف:
‏ غيابًا يُشبِه الموت
‏بُكاءً يَترقرَقُ فِي العَيون
جنونًا يُعرّي العقلَ ويفضحه.
‏جُبًّا بِلا قَاع...
.
‏ومازلتُ أنتظر يُوسُفَ...؛
‏ وإنِّي لأجدُ ريحَه لولا أن تُفندون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى