شهادات خاصة مصطفى نصر - شهادة...

لم أتمن في حياتي سوى أن أكون كاتباً، كل ما أحصل عليه من مال اشتري به مجلات وكتب.عندما أقرأ كتاباً، آخذه معي في كل مكان أذهب إليه فاقرأ في الوقت المتاح إلى أن انتهي منه، وأظل أفكر فيه وأحكي عنه لمعارفي، (بسبب هذه الطريقة حولت بعض الأصدقاء إلى قراء ومثقفين)، وعندما أتسلم الكتب الدراسية،لا أخرج من البيت إلا بعد أن أقرأ كتب القراءة والنصوص وكل ما له صلة بالكتابة.
إنني من أول جيل يتعلم تعليماً نظامياً في أسرتي، وقد وفد أهلي كبارا من الصعيد، لم أجد من يرشدني إلى الطريق السليم، كنت كمن يمارس رياضة دون مدرب حاذق ماهر، وقد كنتُ وأنا طفل، ذو جسد قوي فنصحني البعض بممارسة رياضة حمل الأثقال أو المصارعة .وذهبت في إجازة أولي إعدادي إلى نادي في حينا، دور أرضي من البيت، وقطع الحديد ملقاة فوق الأرض الترابية، وصاحب النادي يميل للامتلاء، ويرتدي بيجامة مخططة، ويتحرك بصعوبة بسبب إعاقة في قدمه، دفعت له عشرة قروش ( اشتراك الشهر )، كنتُ أذهب إلى النادي مرتين، مرة في الصباح ومرة بعد الظهر . حملت حديدا أكبر من سني، ثم رقدت على ظهري، وحملت الحديد بساقيّ، توقف كل من في النادي وجاءوا ليشاهدوا هذا الموقف الغريب، فقد حملت كل الحديد الموجود. وهلل الواقفون إعجابا، لكنني في المساء استيقظت من نومي على إثر آلام شديدة في ساقيّ، كلما مددتهما تعودان ثانية إلى مكانهما، وعانيت لأكثر من شهر، ولم أذهب إلى هذا النادي ثانية . هذه هي المشكلة، أن تمارس المهنة دون موجه خبير.الأسوء أن يكون الموجه جاهلا.
.. ..
عرفت طريق مكتبة البلدية، وأصبحتً من زبائنها الدائمين، أقضي معظم وقتي فيها أيام الإجازات.ووجدت الاهتمام من بعض العاملين فيها،عامل يرتدي بذلة صفراء، أعاد إلى المخازن كتاب الف ليلة وليلة الذي طلبته بعد أن قرأت عن أهميته، خاف الرجل من أن أكون قد طلبته من أجل ما فيه من كلام خارج. وكان ينصحني بألا أقرأ إحسان عبد القدوس، وأقرأ لنجيب محفوظ، رغم أن إحسان كان أكثر شهرة في ذلك الوقت .
بدأتٌ بكتابة الروايات، وكنت وأنا في الثانية الإعدادية يقرأ معظم تلاميذ الفصل رواياتي، ليس لجودتها إنما لكمية الجنس فيها، فقد كنتُ متأثرا فيها بالأفلام العربية التي كنت مغرماً بها، كتبت عن شابين يسكنان حجرة فوق سطح بيت، ويقيم أحدهما علاقة جنسية مع ساكنة الشقة التحتانية، ورواية أخرى باسم امرأة في الوحل، وأخرى عن مقاومة المصريين للانجليز قبل الثورة. بعد سنوات رميت كل هذه الأوراق غير آسفا عليها، ثم عرفت مدرسة روز اليوسف: إحسان عبد القدوس وفتحي غانم وعبد الله الطوخي وأحمد بهاء الدين ومصطفى محمود ومحمود السعدني وصبري موسى وغيرهم.مازلت أذكر شعوري وقتذاك، عالم سحري جعلني أذوب داخله، وأبحث عن كل أعداد مجلة صباح الخير التي فاتتني، كنت احصل على قرش صاغ كل يوم ( مصروفي) فأذهب إلى محطة مصر واشتري عددين من المجلة.
وبدأت أقلد حكايات إحسان عبد القدوس، كتبت عن أحداث حدثت في بيتنا، وعن حياتي: موت أمي في طفولتي وزواج والدي من فتاة جاءوا بها له من الصعيد، وعن تعاستي لهذا. وكتبت عن حبي لفتاة كانت تسكن معنا في نفس الشقة . ( كنا نسكن حجرتين من الشقة والحجرات الثلاث الباقيات يسكنها ثلاث أسر أخرى) لم أكن أعرف الأبنية الثقافية، وعندما مررت على قصر ثقافة الحرية ظننته صالة أفراح، إلى أن نصحني صديق بحضور الندوات فيه وكان هذا في أواخر عام 1967 .كان نبيل فرج يدير الندوات، ويحضرها الدكتور على نور ومحمد حافظ رجب والدكتور حسن ظاظا وحسني بدوي ونيقولا يوسف وحسني نصاروغيرهم. وقرأت أمامهم قصة مليئة بالاخطاء الاملائية والنحوية فنصحني الدكتورعلي نور ألا أكتب لمدة عام واتفرغ فيها للقراءة، كُنت أكتب يومياتي في ذلك الوقت،فقد تعاملت مع نفسي على أنني كاتب كبير، فصدمني رأي الدكتور على نور، وكتبت في يومياتي عن صدمتي ونكستي، فقد كانت كلمة نكسة تذكر كثيرا في ذلك الوقت.
أعجبت بطه حسين ككاتب قصة، قلدته في طريقته في كتابته لرواية " الحب الضائع "، فتحدثت بطلة قصتي ( القديسة ) إ للقرطاس عن سرها الذي لا يمكن أن تحكيه لأحد. أمها الأرملة الجميلة جدا التي رفضت عمدة قرية مجاورة لكي تربي أولادها، فسموها بالقديسة، لكن الحقيقة تعرفها ابنتها، وهي أن رجلا يأتيها كل مساءً. ارسلت القصة إلى مجلة القصة،فرد عليّ الأستاذ ثروت أباظة قائلا:
" أسلوبك يتسم بالشفافية والرهافة، لكن موضوع القصة مبتذل، أرجو أن تستخدم أسلوبك الجيد في أعمال يتكامل لها المضمون الجيد "
تعرفت على صديق لي مسيحي يسكن حي غيط العنب ويعمل في إذاعة الإسكندرية، كان سعيدا وفخورا لأنه يعمل في الإذاعة .فإذا قابل شخصاُ، يبدأ بتعريفه بعمله الذي يعتز به، حكى لي عن شاب مسيحي يسير بجوار مقابر الأقباط في الشاطبي مساءً، فقابلته فتاة ليل قريبة الشبه بخطيبته التي ماتت ودفنت في هذه المقابر، وقد أحست الفتاة بالبرد، فخلع لها سترته وأعطاها لها لتلبسها، لكنها اختفت فجأة، فدخل المدافن يشكو لقبر حبيبته، فوجد السترة فوق شاهد القبر فعرف أن الفتاة التي كانت معه هي خطيبته التي ماتت. هذه حكاية من الحكايات التي انتشرت بعد هزيمة يونيو67، فبعد الهزائم العسكرية يلجأ الناس إلى الغيبيات.
كتبت هذه القصة وسميتها " دميانة " ،فقد كان صديقي هذا يحكي لي عن دميانة التي تسكن غيط العنب ( حيهم ) المزدحم بالمسيحيين ، كانت صديقة لرجل دين، يُفرضها على المدارس الكثيرة في الحي لتدرس لهم في حصة الدين .
وذهبت بالقصة إلى ندوة " جماعة الأدب العربي " التي تعقد في جمعية ذوي المعاشات وأصدقاء الشيوخ في عمارة قديمة بشارع طوسون، مواجهة للبنك العقاري، وكان يُشرف عليها الأستاذ محمد الصاوي،وقابلت الأستاذ عبد الوهاب الأسواني هناك، فقرأ القصة، التي كنت أصدرها بأبيات للشاعر اللبناني نسيب عريضة :
لماذا سفينة تطلب ريحا ومن حولها أبحر هائلة
وفي القفر عطشى وريح السموم بهم نازلة
لماذا نحب لماذا نحس لماذا نعيش بلا طائلة؟!.
فنقل الأبيات، ونصحني بألا أصدر القصة بأي شيء.وقال لي : أنت أفضل من كثيرين يجلسون معنا الآن .
ومن يومها بدأت علاقتي به.
تأثرت بمحمد حافظ رجب، وأعجبت بقصصه التي كتبها عن غربال: أصابع الشعر والبطل ومارش الحزن والأب حانوت وغيرها، وهي في رأيي أفضل وانضج من قصته الكرة ورأس الرجل التي أحدثت ضجة وقتذاك . . كان صديق لي - يتابع أعمالي منذ أن بدأت - يلح عليّ بأن أكتب عن غربال حينا، وأنا غير مقتنع، وعندما اقتنعت حاولت أن أفعل ما فعله حافظ رجب وأكتب عن حي غربال الذي أعيش فيه بلا فائدة .
زرت لوكاندة في المنشية قريبة جدا من سينما ركس، وقريبة من شارع له تاريخ طويل في الإجرام والدعارة والبارات اسمه " شارع البير" (وهو جمع سيء لكلمة بار) . كان صديق لي يدير هذه اللوكاندة، وأتتني فكرة كتابة الصعود فوق جدار أملس، عن امرأة من سكان غربال تعرفت علي عشيق لها، والده يمتلك بلانصات في البحر،وزرائب للجاموس والبقر ( كان في شارعنا، وبعد بيتي بقليل أكثر من زريبة للجاموس والأبقار، قبل نقل الزرائب إلى خارج المدينة بأمر المحافظ ). كان هذا العشيق يسرق نقود والده ويخفيها عندها، لكنه تشاجر مع زوجها وأولادها فضربوه وطردوه من الشقة، فغضب وسكر ومات في الشارع، فأخذت نقوده واشترت لوكاندتها هذه. وجاءت بشاب مثقف كان على علاقة بابنتها واقامت معه علاقة وجعلته يدير اللوكاندة لها .
كتبت هذه الرواية على الآلة الكاتبة، وأعطيتها إلى صديقي محمد السيد عيد، الذي كان مجنداً في الجيش وقتذاك هو وصديقه رجب سعد السيد، فأخذها محمد السيد عيد معه، إلى الشقة التي استأجرها هو ورجب ليقضيا فيها إجازاتهما من الجيش، وفي غياب عيد، قرأ رجب الرواية معتقداً أنها من تأليف محمد السيد عيد. رحب الأثنان وأشادا بها، لكنني تزوجت عام 1972 وحاولت أن ابتعد عن طريق الكتابة الذي لا يأتي بمال ؛ فضاعت مني الأوراق التي سبق أن كتبتها، لكنني لم استطع الابتعاد عن القراءة ،وكنت كلما قابلت الصديق رجب سعد السيد في الطريق وهو يسكن قريبا مني ؛يحدثني عن هذه الرواية، إلى أن وجدت نسخة منها مكتوبة بالآلة الكاتبة لدى صديق لي، فقدمتها للمناقشة بقصر ثقافة الحرية، فتحمس لها الدكتور السعيد الورقي بطريقة جعلت كل من في الندوة يرغب في قراءتها، وجعلت مديرة الثقافة في ذلك الوقت تتفق معي على نشرها في عدد خاص من مجلة الكلمة التي تصدرها الثقافة، ووافق الدكتور أحمد أبوزيد الذي كان يشغل رئيسا لتحرير الكلمة على طباعتها، وكتب لي الأستاذ/ محمد غنيم مدير الثقافة موافقة على ذلك،لكن الكتاب لم يطبع رغم مرور السنوات الطوال،وفي آخر يوم عمل لمحمد غنيم ؛ قبل أن يسافر إلى أميركا ليعمل ملحقا ثقافيا هناك، طلب مقابلتي، وقال لي أمام السيدة عواطف عبود :
- هي إللي مش راضية تطلع لك الكتاب . وأنا بقولك ده قدامها.
ولم تجب بشيء. واكتفيت بطلب النسخة المكتوبة بالآلة الكاتبة وطبعتها على حسابي عام 1977، بعد موت عبد الحليم حافظ مباشرة، فقد كانت معظم المطابع تطبع كتباً عن عبد الحليم حافظ .
كتبت رواية الجهيني عام 1976، قبل طبع الصعود فوق جدار أملس وقد نصحني الصديق سعيد سالم أن أبدأ بنشر الجهينى فهي الأفضل، لكنني فضلت أن أبدأ بنشر أول رواية كتبتها.
عندما قرأ الدكتور السعيد الورقي روايتي الجهيني مكتوبة على الآلة الكاتبة قال لي: - أنت لقيت كنز، هذا المجتمع الذي تكتب عنه هو كنز .
وكتب الدكتور محمد مصطفي هدارة مقالة عنها. وكان الأستاذ سلطان محمود الذي يشغل مدير مكتب مجلة أكتوبر في الإسكندرية، قد قرأ روايتي الصعود فوق جدار أملس واعجب بها وبحث عني إلى أن قابلته فعرض علي أن أذهب برسالة منه إلى الدكتور عبد العزيز الدسوقي لطبع الجهيني في سلسلة المواهب التي كان يشرف عليها، فذهبت بها إليه، فقال لي :
- الدكتور هدارة كاتب لك مقدمة، وجايب لي واسط؟!
لكن الرواية لم تطبع إلا بعد سنوات طويلة وكانت تشرف على السلسلة في ذلك الوقت الأستاذة مديجة عامر .
كتب الكثير عن رواية الجهيني: خيري شلبي في الإذاعة والتليفزيون،وجمال الغيطاني في الأخبار و فاروق خورشيد في إبداع، والدكتور زكريا عناني في الأيام والدكتور صلاح عبد الحافظ في الأهرام ومحمود عبد الوهاب في الأهالي والدكتور هدارة في إبداع وحسين عيد في آفاق عربية وأحمد زكي عبد الحليم في حواء ومحمد السيد عيد في الثقافة الجديدة وغيرهم .
قرأ الأستاذ مصطفى محرم رواية الجهيني وأعجب بها وأعطاها لعاطف الطيب ليقرأها، فأعجب بها وكان يجلس في الأتيلية وهو يقرأها ويخطط تحت سطورها، وقرر أن يحولها إلى فيلم سينمائي، وأرسل لي محمود ياسين لكي يشتريها مني، لكن خلافا حدث بينه وبين مصطفى محرم في كتابة السيناريو أدى إلى تعطل الفيلم.
كتبت رواية جبل ناعسة بعد كتابة الجهيني، لكنها طبعت عن المجلس الأعلى للثفافة قبل الجهينى، وقرأها الأستاذ عبد الوهاب الأسواني فتحمس لها، وتحدث عنها في قهوة سوق الحميدية بباب اللوق مع رواد الندوة التي تجتمع كل أحد: نعمان عاشور وأحمد محمد عطية وخيري شلبي وغيرهم . حتي أرادوا جميعا قراءتها . وكتب عنها عبد الوهاب الأسواني في مجلة الإذاعة والتليفزيون كلاما أسعدني، وكتب محمد أحمد عطية مقالة كبيرة عن كل أعمالي نشرت في مجلة القاهرة .والدكتور السعيد الورقي في الأهرام ومجلة القصة وحسين عيد في شباب بلادي وإبداع وآفاق عربية وجلال العشري في الإذاعة والتليفزيون والأخبار وشوقي بدر يوسف الإذاعة والتليفزيون ومحمد الجمل في جريدة الأنباء وأحمد زكي عبد الحليم في حواء وعبد العال الحمامصي في الأخبار .
قرأت عن دور الإسكندرية في مقاومة الإنجليز وأعوانهم قبل الثورة،وعن الذين ماتوا في مظاهرات المنشية، في الشارع الذي سٍُمي بعد ذلك بشارع الشهداء. وأحسست بأن هناك علاقة ما بين السلطان حسين كامل وأنور السادات، فالعصران متشابهان في أشياء كثيرة،وقرأت عن محاولة اغتيال السلطان حسين كامل بشارع رأس التين أمام ضريح سيدي يوسف الجعراني. عن طريق جمعية التضامن الأخوي التي كانت تغتال الإنجليز وأعوانهم وكانت تجتمع في حي الهماميل – بين المنشية واللبان - ، لكن القنبلة التي ألقاها عليه نجيب الهلباوي لم تنفجر وتم القبض على الهلباوي وعلى المحرض الذي استأجر البيت الذي القيت القنبلة منه. وحكم عليهما بالإعدام لكن السلطان حسين كامل خفف الحكم إلى السجن، وظلا في السجن إلى أن تولي سعد زغلول الوزارة فافرج عن كل المعتقلين السياسيين.
هذا هو أساس موضوع روايتي الهماميل،.
قدمت الرواية إلى الأستاذ/ مصطفى نبيل،رئيس تحرير روايات الهلال وقرأها الأستاذ/ محمد روميش وأجازها ( هكذا حكى لي عندما تقابلنا في العراق ) لكن الرواية ظلت في أنتظار موعد نشرها، وحدث أن جاء الروائي المغربي الطاهر وطار إلى القاهرة لطبع روايته " عرس بغل "، فأخذه جمال الغيطاني مع جلال السيد وذهبوا لزيارة مصطفى نبيل في مكتبه في دار الهلال، فقال جلال السيد لجمال الغيطاني في حضور الصديق محمود قاسم مدير تحرير روايات الهلال : أريد رواية لكي انشرها مسلسلة في الجمهورية، ولأن جمال الغيطاني يحبني، وقد قرأ الهماميل واعجب بها . فاقترح عليه أن ينشرها مسلسلة في الجمهورية .
وكيف يتم هذا وأنا بعيد في الإسكندرية؟! فاقترح جمال الغيطاني أن يأخذ النسخة الموجودة في الهلال، وطلبها من محمود قاسم. لكن مصطفى نبيل همس لمحمود بألا يعطيها لهما وأن ينشرها في الشهر القادم . وفوجئت برسالة من محمود قاسم يبشرني فيها بنشر روايتي في فبراير 1988 .
كتب الكثير عن الهماميل منهم : الدكتور محمد حسن عبد الله في البيان الكويتية وعبد الرحمن أبو عوف في الأخبار وجلال العشري في الإذاعة والتليفزيون والدكتور أحمد صبرة والدكتور مصطفى عبد الغني ومحمد جبريل والدكتور هدارة والدكتور السعيد الورقي ومحمد عبد الله الهادي وعبد الله هاشم وشوقي بدر يوسف وغيرهم . وقررها الأستاذ الدكتور محمد كامل القليوبي على طلبة قسم السيناريو بمعهد السينما، وقررها الأستاذ الدكتور أحمد صبرة على طلبة كلية الآداب، حتي اشتري الطلبة كل النسخ الموجودة في الإسكندرية، وطلبت المكتبات كميات أخرى.
كتبت رواية عن الصعيد باسم المساليب، وهم مجموعة يعرفها أهل الصعيد يعيشون في مدن وقرى الصعيد، يشبهون الغجر في أوربا والهند، ولم تعجبني طريقة كتابتها، فأجلت نشرها وابديت اهتماما بالكتابة عن حي غربال لسببين:
الأول :عندما كتب الأستاذ فاروق خورشيد عن الجهيني ربط بينها وبين ألف ليلة وليلة ؛ خاصة الليالي المصرية فيها .
الثاني : بعد أن قرأ الأستاذ/ جمال الغيطاني رواياتي الصعود فوق جدار أملس وجبل ناعسة والجهينى، قال لي: أنت أول كاتب يشعرني بالإسكندرية بعد لورانس داريل، ونصحني بأن أتعمق في هذا الحي الذي أكتب عنه .
وعلى هذا الأساس كتبت روايتي " ليالي غربال" مستمداً روح وعالم ألف ليلة وليلة، كتبت عن نشأة الحي وعاداته وتقاليده، وعن أطفاله وكيف ينشأون، وعن دخول المياه والكهرباء فيه، وعن مهن أهل الحي . عن أزيائه، عن كل شيء فيه. واعتقد أن الرواية لم تلق الاهتمام الذي توقعته لها رغم أن الدكتور أحمد صبرة قد قررها على طلبة كلية الأداب بالإسكندرية، وقد سعدت عندما زارني الصديق صلاج بكر وكان مراقبا في امتحانات كلية الآداب – قسم اللغة العربية ، ومعه ورقة الأسئلة وفيها سؤال عن ليالي غربال .وكتب عنها الدكتور السعيد الورقي والدكتور أحمد صبرة وشوقي بدر يوسف ومحمد الجمل وغيرهم وسعدت بمقالة للأستاذ بهاء جاهين في أهرام 2 أبريل 2002 . كتب يقول :
" الإسكندرية تلك العروس ذات البرقع والملاءة اللف التي طالما طالعناها في رسوم محمود سعيد لبنات بحري تلك التي قيل عنها إنها يونانية بقدر ماهي عربية، خضراء العيون رغم أنها سمراء . تلك المدينة الشيقة الفاتنة ذات العطر الأوربي والأريج الشعبي معا، أنجبت لمصر أعظم فنانيها الشعبيين ويكفينا منهم ثلاثة : سيد درويش وبيرم التونسي ومحمود سعيد، فإذا كان الأخير هو أروع من رسم بنت البلد، وإذا كان بيرم أعظم من تغزل فيها بقلمه القوال وكان سيد درويش هو أول وأعظم من وضع طوائف الشعب على خشبة المسرح مع بديع خيري وأنطقهم بمواجعهم وقناعاتهم بلغة طالعة منهم وأنغام جديدة ثائرة على الطرب التقليدي ؛ فمازالت الإسكندرية تضرب أمواج الفن فيها صخرة الواقع والخيال . دارت تلك الخواطر في عقلي وأنا أطالع رواية ليالي غربال للأديب السكندري مصطفى نصر فشخصيات هذه الليالي، تذكرنا بقصص بيرم التونسي الزجلية من حيث طبيعتها الشعبية إلا أنها في أغلبها غير فكاهية بعكس ما نجد عند بيرم،العمل مليء بالشخصيات الشائقة مثل صابر النجعاوي صاحب العِمة الخضراء والمكتب الزيني ( نسبة إلى السيدة زينب رضي الله عنها ) وعزيزة الخياطة التي أدخلت الذوق والأناقة إلى حي غربال وزوجها حسين النجار وابنه حسن "اللعبي " المطرود دائما من بيت أبيه ولكني أحيل القارئ للرواية نفسها ليعب مما فيها من فتنة شعبية لا اشتط فأقارنها بسحر بيرم وسيد درويش ومحمود سعيد، لكنها لاشك من نفس النبع العظيم ."
أما عن روايتي " سينما الدورادو " فقد كنا نجلس في كل وقفة عيد في القهوة التجارية، يجتمع الإسكندرانية المغتربون الذين يعيشون خارجها، محمد السيد عيد ومحمد عبد الفتاح ومحمد عبد الله عيسي الذي يعمل في هيئة قناة السويس ويعيش في الإسماعيلية وغيرهم، العدد كبير جداً، لكن بمرور الوقت يتناقص، فيستأذن البعض ويعودون إلى بيوتهم حتى تبقى أربعة ( محمد السيد عيد ومحمد عبد الله عيسى ومحمد محمود عبد الرازق – القاهري الذي يقضي أوقاتا طويلة في فيلته بالإسكندرية وأنا )، تحدثنا عن السينمات، وما الذي حدث لنا فيها ،كان الحديث شيقاً ومثيراً فسينمات الدرجة الثانية والثالثة تزدخر بالشواذ وبالنساء الباحثات عن المتعة . طال الحديث بنا، حتى لاحظنا أن العاملين في القهوة يستعدون لانهاء العمل، فركب محمد عبد الرازق سيارة عيد لكي يوصله إلى بيت أقارب زوجته في سبورتنج، لكن السيارة لم تقم، أخذنا ندفعها للأمام دون طائل، فدخلنا بها حتى شارع الغرفة التجارية، فوجدنا قهوة حميدو ساهرة، فتركنا السيارة وجلسنا لنكمل حديثنا الشيق، وبعد وقت طويل، لم نجد سوانا في القهوة،ولاحظنا أن العاملين بها ينظرون إلينا في خجل، يريدون أن ينهوا العمل في القهوة.فقمنا مضطرين . حاول عيد مع سيارته فلم تقم، فدفعناها للأمام، فوجدنا في شارع الشهداء قهوة ساهرة فجلسنا فيها لنكمل الحديث، حتى أشرقت صباح أول أيام العيد، وفي شارع سعد زغلول،جاءنا ميكانيكي يرتدي ملابس العيد،وقال : يمكن أن أشغلها لكم، وفي لحظة، دارت السيارة وذهب محمد عيد مع محمد عبد الرازق،وعدت أنا ومحمد عبد الله عيس إلى بيتينا .
ذلك اللقاء جعلني أفكر في كتابة ما حدث لي في سينمات الإسكندرية،ـ خاصة الدرجة الثالثة التي كانت منتشرة في الأحياء الشعبية وتذكرتها بتسع مليمات،
كتبت الرواية التي تشمل مزيجا من سيرتي الذاتية في وقت دخول السينما، وحكايات عن السينما نفسها والعاملين فيها، وموضوع الفيلم الذي تعرضه السينما،وممكن أن أتناول الفيلم بالنقد والتعليق.وما دمت أتحدث عن السينما والأفلام فلماذا لا يتضمن الكتاب سيناريو لأحداث متعلقة بالأفلام التي شاهدتها في صغري؟!
كتبت هذه الرواية وقت أن كنت أكتب ثلاثية عن اليهود في الإسكندرية، منذ أن سمح لهم الوالي سعيد بالهجرة إلى مصر، وشجعهم على الاتجار فيها، ثم وقت الحرب العالمية الثانية، حينما وصلت قوات روميل – الألماني – إلى العلمين، وتوقع الكثيرون أن يدخلوا الإسكندرية، فأصدر فاروق أمراً ملكياً بترحيل يهود الإسكندرية إلى مدن مصر الأبعد، والجزء الأخير من الثلاثية عن اليهود الذين تبقوا في مصر بعد اتفاقية كامب دافيد .
قدمت روايتي سينما الدورادو إلى هيئة الكتاب لكي تُنشر ضمن مشروع مكتبة الإسرة، لكنهم رفضوا نشرها، وأعتقد أنهم لم يقرءوا حرفاً بها. وإنما يحددون النشر طبقا لاسماء الكتاب،بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو جودته.وقدمت الرواية للنشر في نادي القصة ( الكتاب الفضي) وتم نشرها
وحدث ما لم أكن أتوقعه، فقد نُشر عنها في جرائد ومجلات كثيرة، كتب عنها الأساتذة : جمال الغيطاني في أخبار الأدب، وإبراهيم عبد المجيد في روز اليوسف ومجلة الكلمة، وكتب عنها المخرج السينمائي المعروف محمد خان في مدونته والدكتورة عواطف عبد المعطي في جريدة القاهرة وشوقي بدر يوسف في مجلة الكلمة المعاصرة،وأحمد رشاد حسانين في المساء،والدكتور أحمد صبرة في مجلة تحديات ثقافية وكتب عنها: أحمد شبلول والدكتور أبو المعاطي الرمادي، وكمال عمارة ومحمد الشربيني وفتحي محفوظ والدكتور جلال الغربي أستاذ اللغة الفرنسية والأدب المقارن في تونس وغيرهم .
ومازلت للآن لم أقدم ثلاثية اليهود للنشر في أية جهة.
من المشاهد السينمائية التي لا يمكن أن أنساها، ماسورة طويلة، يدخل فيها شارلي شابلن على أساس أن يخرج من فتحتها الأخري، لكنه يخرج من نفس الفتحة التي دخل منها، وهذا هو المثير في الموضوع، إذ كيف يستطيع أن يلف نفسه داخل هذه الماسورة الضيقة؟!
طبعا الهدف من هذا المشهد هو إضحاك المشاهدين، لكنني لم أضحك لهذا،بل تذكرت حالي في الأدب، فقد دخلت في هذه الماسورة الضيقة ولابد لي من الخروج من الناحية الأخرى،لن أستطيع العودة أو التوقف عن الحركة، كما أنني لا أدري هل أستطيع أن أصل إلى فوهة الماسورة الأخرى أم سأختنق داخلها وتتوقف حياتي كلية، كما حدث لصديقي سعيد بكر، الذي مات بسبب كتابة رواية، كان يسابق الزمن لكي يلحق لتقديمها للنشر في نادي القصة ثم مات بسبب ندوة له في نادي القصة بالقاهرة .
وقد حاولت أكثر من مرة أن أتوقف عن المضي في هذا الطريق، لكنني أفشل في كل مرة . كما يقول همنجواي: متى أصبحت الكتابة بليتك الكبرى ومتعتك ؛ فلن يصرفها عنك سوى الموت .
أحس أنني ابن صانع طرابيش، علمه والده كيف يصنعها، لم يعلمه مهنة سواها، لكن لسوء حظه قامت الثورة فجأة وألغت لبس الطرابيش، فوجد نفسه يجيد مهنة غير مطلوبة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى