محمد مزيد - رابعة العدوية.. في بغداد

جاءت الفنانة نبيلة عبيد، بضحكتها المموسقة ، وبثيابها النارية، ورشاقتها المثيرة ، الى بغداد ، لكي تلتقي بالروائي العراقي عبد الستار البيضاني مؤلف رواية " دفوف رابعة العدوية " ، لتبحث معه في مشروع فيلم جديد مضمونه المتصوفة " رابعة العدوية " التي سبق لها ان مثلته في سنة 1963 مع الفنان عماد حمدي وفريد شوقي ، مراقبون خبثاء علقوا على هذا الخبر ، وقالوا بان نبيلة عبيد تحاول الاحتفاظ على مجدها ( الزائل ) باعادة انتاج الفيلم ، لكنها حائرة في العثور على بطل وسيم مثل عماد حمدي ، غير أن صحفي كذاب لوذعي اخبرها ان ( جان دمو ) هو اوسم بطل يمكنها ان تعمل معه ، فصدقت الكذبة واخذت تبحث عن البيضاني وجان دمو ..
دب النشاط في اروقة الفندق الذي تسكنه الفنانة نبيلة عبيد وفي صالة الاستقبال تجمهر الصحفيون من كل لون ومذهب ينتظرون نزولها من المصعد في الطابق الثاني عشر في الميريديان المطل على نهر دجلة
يجلس البيضاني غير بعيد عن مكتب الاستعلامات في الصالة ويعلمون انه زميلهم المثابر المحبوب، الذي ابلغه احدهم ان نبيلة جاءت تقصده هو شخصيا لكي يكتب لها سيناريو فيلم عن رابعة العدوية ، مستلهمة فكرته من مضمون روايته التي نشرها في بغداد مؤخرا باسم " دفوف رابعة العدوية " ولم يكن ليحضر البيضاني الى الفندق ويزاحم الصحفيين لولا ان المتصل المصري وهو حارس ومرافق لها قال له تلفونيا " يا أستاز ، والله ليست نكته، ها هي الفنانة تود ان تتحدث معك " فاصغى الى صوتها وقد اطلقت موسيقى ضحكتها الكونية التي خشي عبد الستار ان تتسرب من الموبايل الى باحة بيته وتستمع الى موسيقاها زوجته ام كرار ، فاخذ يلتفت يمينا وشمالا ، كما لو كان يود أن يقفل الخط قبل ان تتحول الضحكة الى موسيقى تعزف الحانها في ارجاء البيت ، تمالك البيضاني اعصابه وهو يرد عليها بادبه الجم، " بانه لايمكن كتابة سيناريو الفيلم على وفق مزاج المنتجين ولايعرف كتابة اللهجة المصرية" ، فردت عليه باغراء وبصوت ناعس جميل " تعال انت بس يا استاز الى الفندق خلينا نشوفك ، عندها سيكون لكل حادث حديث " فجاء يرتدي بدلته الانيقة التي تظهره كما لو كان سفيرا يريد تقديم اوراق اعتماده الى ملكة ، وعندما نزلت نبيلة من المصعد ، رفض طاقم المرافقين لها الالتقاء بالصحفيين في الصالة وقالوا لهم ستاتي حالا بعد ساعة الى صالة الاجتماعات كي تلقي مؤتمرا صحفيا وتجيب عن كل الاسئلة فليس لديها الرغبة ولا يساعدها عمرها ان تجيب عن اسئلة كل صحفي على انفراد . فانصرفوا الى قاعة الاجتماعات وبقي عبد الستار يراقبهم ، ولما سأل احد المرافقين للفنانة رجل الاستعلامات عن " الاستاز " عبد الستار اشار اليه بجلوسه منفردا في الصالة امامه ، فسار المرافقون ومعهم الفنانة الى حيث يجلس الروائي العراقي ، ومن ناحيته ، ما إن اقبلوا عليه حتى نهض لاستقبالهم ، ورحبت الفنانة به وصافحته ووضعت قبلة على خده فرشقته بعطرها الباريسي، فأغمض عبد الستار عينيه في تلك اللحظة ، كما لو انه حلم بالطيران مع الفنانة الى مرابع خضر، ليمرحا بها لوحدهما ، ولما فتح عينيه لاحظ اناقتها المثيرة، بثوبها الاخضر المخرم من كل الجهات مع خرز الترتر الفضية التي تشبه اللؤلؤ ، وصادف ان الروائي عائد خصباك كان يقف غير بعيد يفتل بشاربه وهو ينظر الى الفنانة، وقد وعده كاتب هذه السردية أن يلبسها ثوبا اخضر تسيل له لعاب الرجال المحتشدين في الصالة، فقالت له وهي تقف امامه ومازالت اصابعها الرقيقة في باطن كف عبد الستار ، ولاحظت على وجهه خرائط الحروب والحصارات التي مر عليها فقالت له : " - -يفضل ان نصعد الى غرفتي لنتفاهم ، فماذا تقول يا استاز ؟ "
وبارتباكه الجنوبي المعروف وانفعاله ، اخذ يتلفت الى كل الحاضرين بحثا عن منقذ له من الانفعالات، فلمح عائد خصباك ينظر اليه بنظرة ضاحكة، كما لو كان يخبره ، هذا يومك ابو ستيره فلا تخجل، فقال لها عبد الستار :
- لك ما تشائين سيدتي الفنانة الكبيرة . لنصعد .
فاطلقت ضحكتها المموسقة فأرتجت لها الصالة، وتصادم صداها في الانحاء حتى خرجت من الباب الرئيسي، كانت قد اهتزت الثريات المعلقة بالسقف وهبت ريح عاصفة جاءت من جميع الابواب الفتوحة على الفضاء الخارجي ومن النوافذ محملة بعطر ضحكتها. فصعدا الى غرفتها ، وجلسا الى طاولة معدة لهذا الغرض ، تعمل سكرتيرة جميلة على توفير كل اسباب الضيافة فقالت الفنانة :
- اريدك يا استاز ان تاخذني الى البصرة لارى المدينة التي عاشت فيها رابعة وارجو منك ان تلغي شخصية عازفة السنطور في الرواية حبيبة البطل لنختصرها برابعة فقط .
فكر الروائي في مطلب الفنانة واعاد عليها قوله :
- انا لا اكتب سيناريو الفيلم لكنني قد اضع الخطوط العامة امام من يريد كتابته .
انطلقت ضحكتها الموسيقية وارتجت اركان الغرفة فقالت بعد وصلة موسيقية ضاحكة طويلة:
- تمام ، متى سنذهب الى البصرة ؟
في صباح اليوم التالي انطلقت سيارة جمسي مبردة تحمل الفنانة والروائي والمرافقان ، الرجل والسكرتيرة الجميلة ، ولما وصلوا الى البصرة ، تم حجز غرفة للفنانة في شيراتون البصرة وغرفة الى البيضاني بجانب غرفتها وثالثة للمرافقين ، وفي اليوم التالي استعان الروائي بمعارفه في البصرة لكي يجدوا له المقبرة التي دفنت فيها رابعة العدوية ، وبعد جولة في شوارع المدينة ، شاهدت الفنانة بؤس الحياة وانعدام الشروط الحضارية ، لاعرق مدينة في التاريخ الاسلامي، بعد أن عاث فيها المسلحون خرابا وفسادا ، وكلما رأت الفنانة مسلحا تصاب بالذعر ، والروائي يهدأ خواطرها بسبب انفعالاتها ، كادت ان تبكي ، فالحياة في البصرة ليس مثلها في كل مدن العالم ، شاهدت السفن الغارقة في شط العرب ، ولما وصلوا الى المقبرة ترجلت الفنانة والروائي البيضاني فقط وسارا بين القبور ، حتى وصلا ال قبر رابعة العدوية الذي كان عبارة عن سرداب ، جلست الفنانة بثوبها البنفسجي الذي يكشف فخذيها وذراعيها عند باب السرداب ، قرأت سورة الفاتحة وبدأت تذرف دموعها وهي تنشج ، ثم قالت لها :
- اعذريني يا سيدتي ، سامثل حياتك مرة ثانية .
في طريق العودة الى الشيراتون قال لها الروائي ، ممازحا ولم يقصد ذلك
- لماذا لاتعيشين حياتها ؟
القى سؤاله المازح مياه ساخنة على وجه الفنانة التي اخذت تتأمله كثيرا وتبكي :
- كنت افكر في الامر نفسه وانا جالسة عند قبرها .
وبعد صمت قصير ، قالت الفنانة : كيف السبيل الى ذلك ؟
- تخل عن الفن ، انت الان في العقد السابع من العمر ، ارى ان تلجأي الى الله
ربما تلتحقين بها بمحبته ليكون عشيقك هو بدلا من العشاق الدنيويين الذين يركضون ويلهثون خلفك .
امسكت بيده وقربت الفنانة فمها من خده ثم وضعت عليه قبلة . فقالت له :
- سألجئ الى الله هذا هو الخيار الافضل لحياتي التي امضيتها وانا لا اعرف من الدنيا سوى الملذات .
عادوا الى بغداد ولم يمض يوم واحد حتى ودعها الروائي في مطار بغداد ، ولما صعدت الطائرة ، حلق الصحفيون حول الروائي عبد الستار البيضاني ليفهموا ماذا جرى بشأن مشروع الفيلم ، فقال لهم لا مشروع لفيلم عن رابعة العدوية ، ستمثل الفنانة دورها في الحياة ، وليس في الفيلم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى