د. أحمد الحطاب - القرآن الكريم، كتاب حياة

لماذا هذا العنوان؟ لأننا عندما نقرأ القرآنَ الكريمَ، نلاحظ أن كثيراً من آياته تتحدث عن أمور الدنيا. وأمور الدنيا كلها لها علاقة بالحياة بمفهومها العام أو الواسع. كيف ذلك؟

هناك الحياة بمعناها البيولوجي التي هي ضد جماد والتي، من خلالها، يكون الناس أحياءً يأكلون ويشربون ويتنفسون وينمون وينطقون ويتناسلون… أما الحياة، بمعناها الواسع، فهي الحياة الجماعية التي لها أبعاد اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، عقائدية، معرفية، علمية، تكنولوجية… والحياة الجماعية، أي الحياة في كنَف المجتمعات، لا تستقيم إلا إذا سادت داخل هذه المجتمعات قيمٌ إنسانية كالتسامح والتكامل والتكافل والتضامن والتعاون… وفيما يلي هذه بعض الآيات من القرآن الكريم التي توحي بما يجب أن تكونَ عليه الحياة داخل المجتمعات :

1.مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل، 97).

قبل تحليل هذه الآية الكريمة، من الضروري توضيح ما المقصود ب"العمل الصالح". استنادا إلى التفاسير التَّقليدية للقرآن الكريم، نجد أن العمل الصالح يقترن بالعبادات. صحيح أن العبادات من الأعمال الصالحة. لكن، ما يجب الانتباه إليهُ، هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، في هذه الآية، يوجِّه كلامَه للناس، ذكورا وإناثا. والناس لا يعيشون منعزلين عن بعضهم البعض. بل يعيشون داخلَ المجتمعات. ولهذا، فالعمل الصالح لا يمكن أن يقتصرَ، فقط، على العبادات. بل هناك أعمالٌ صالِحةٌ كثيرة يمكن أن يقومَ بها الناسُ، ذكورا وإناثا، وفيها نفعٌ لهم ولأعضاء المجتمع الآخرين.

إذن، العمل الصالح هو كل فعل مادي أو معنوي يقوم به الرجال والنساء، وفيه نفعٌ لهم ولباقي أعضاء المجتمع. فإذا كان العمل الصالح له علاقة بالعبادات، فهو وسيلةٌ من وسائل التَّقرُّب من الله. وإذاكان غير ذلك، فهو منفعةٌ للمجتمع برّمَّته. الآن، سأمرُّ لتحليل الآية السالفة الذكر، أي الآية رقم 1 أعلاه.

أولا وقبل كل شيء، هذه الآية موجَّهة لمجتمعٍ يتألف من الذكور والإناث أو من الرجال والنساء، خلافا لِما يدَّعيه فقهاء الدين وعلمائه بأن المجتمع هو مجتمعٌ ذكوري. بل إن اللهَ، سبحانه وتعالى، يساوي بين الرجل والمرأة فيما يخصُّ القيامَ بالأعمال الصالحة.

ثانيا، إيمان الرجل يُساوي إيمانَ المرأة، خلافا لما يدَّعيه فقهاء الدين وعلمائه بأن المرأةَ ناقصةُ عقلٍ ودين. وبما أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يوجِّه كلامَه لأولي الألباب، أي لمن لهم (رجالٌ ونساءٌ) عقول نيِّرة ومستنيرة، فإنه، في هذه الآية، يضع الرجلَ والمرأةَ في نفس الدرجة من حيث الإيمان والقيام بالأعمال الصالحة. لو كانت المرأة ناقصةَ عقلٍ ودينٍ، فكيف لله أن يُساويَ بينها وبين الرجل من حيث الإيمان؟

ثالثا، وتتأكَّد هذه المساواة إذ أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يُجازي الرجلَ والمرأةَ ب"الحياة الطيبة". بل إنه، سبحانه وتعالى، سيُجازيهم، يوم الحساب، ب"بِأَحْسَنِ ممَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

2.يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرت، 13).

لقد بيَّنتُ في تحليل الآية رقم 1 أعلاه أن اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما يوجِّه كلامَه إلى الناس، فالمقصود هم الناس الذين يعيشون داخل المجتمعات. وهذه الآية رقم 2 تُبيِّن ذلك بوضوح. فما الشعوب والقبائل إلا أنواع من المجتمعات. قد تختلف هذه المجتمعات عقائديا، ثقافيا واجتماعيا، لكنها تبقى مجتمعات يتساكن فيها الناس باختلاف ألونهم وألسنتهم وثقافاتهم، مصداقا لقوله، سبحانه وتعالى : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (الروم، 22). والآن، سأعود إلى تحليل الآية رقم 2 أعلاه.

أولا، الله، سبحانه وتعالى، لا يُفرِّق بين الذكر الأنثى من حيث التوالد أو التناسل. الأثنان يشتركان في هذا التَّوالُد، الرجل بمنيه spermatozoïdes والمرأة ببُوضتها ovule. أليس هذا نوع من المساواة بين الذكر والأنثى، بمعنى أن لكلٍّ منهما نصيبٌ في التوالد؟

ثانيا، في هذه الآية، يقول : "وَجَعَلْنَاكُمْ"، أي الناس المخلوقين من ذكر وأنثى، بمعنى أهَّلناكم بما وهبناكم من عقول، أن تنتشروا في الأرض لتتساكنوا على شكل مجتمعات مختلفةٌ ألوانُ أعضائها وكذلك مختلفةٌ ألسنتُها، أي لغاتُها.

ثالثا، إن أهمَّ كلمةٍ وردت في هذه الآية، هي فعل "لِتَعَارَفُوا"، أي لتتناسبوا أو لتتصاهروا أو لتتزاوجوا ويعرف بعضُكم البعضَ الآخرَ وتتساكنوا ويرتبط بعضُكم بالبعض الآخر، من خلال ربط علاقات متنوِّعة اجتماعيا، اقتصاديا، ثقافيا، معرفيا، علميا… في جوٍّ يطبعه التكاملُ والتكافل والتعاون والتضامن والتسامح…

رابعا، حينما يقول، سبحانه وتعالى : "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، فهذه إشارةٌ واضحة بأن المفضلين من الناس، عند الله، هم المتَّقون، أي الناس، رجالا ونساءً، الذين يُؤمنون بالله ويخشونه ويخضعون لأوامره، وفي نفس الوقت، يقومون بالأعمال الصالحة داخل المجتمعات. والمتَّقون هم، كذلك، الناس الذين يتساكنون في المجتمعات بوئام وسلام واحترام للغير … وهو ما هو متاَكَّدٌ من خلال فعل "لِتَعَارَفُوا".

خامسا، الملاحظ في هذه الآية الكريمة أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يوجِّه كلامَه للناس بغض النظر عن عقائدهم وثقافاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية… أليست هذه إشارة بأن الناسَ، أصلا، متساوون عند الله. بل تفضيل فئة على فئة أخرى، يكون، فقط وحصريا، من خلال التقوى.

3.وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة، 188).

هذه الآية تُشير بعمقٍ كبيرٍ إلى الحياة داخل المجتمعات. ونحن نعرف جيِّدا أن الاقتصادَ أو المال هو "عصَبُ الحرب" le nerf de la guerre في عصرنا الحاضر. كل شيءٍ مادي أو معنوي، يُشترى أو يُباع بالمال. فماذا يمكن استنتاجُه من تحليل هذه الآية الكريمة؟

أولا، كلام الله، في هذه الآية، موجَّهٌ للناس جميعا بدون استثناء. وفيه نوعٌ من النَّهي عن القيام بالمنكر الذي له علاقة بتداول المال. والنهي، في هذه الآية، يتمثَّل في استعمال المال فيما لا يُرضي اللهَ وفيما فيه مضرةٌ للناس داخل المجتمعات.

ثانيا، حينما يقول، سبحانه وتعالى: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ…". بينكم، في هذه الآية، تعني تداولَ المال بين الناس. "وَلَا تَأْكُلُوا" تعني لا تأخذوا، لا تلتهموا، لا تسطون على، لا تُحصِّلوا على… والمقصود "بِالْبَاطِلِ"، أي فيما نهى اللهُ عنه من رشوةٍ وسرقةٍ وسطوٍ ونهب وابتزاز واختلاس وربا وتحارة غير مشروعة…

ثالثا، حينما يقول سبحانه وتعالى : "وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ"، فهذا معناه أن تستعملوا الأموال، كرشاوى، لشراء ضمائر الحكام ليُتيحوا لكم الفرصةَ للسطوَ على أموال الغير ظلما وعدوانا. وهذا شيءٌ جاري به العمل في المجتمعات المعاصرة، وخصوصا لدى مَن لهم سلطة الحكم. غير أن الأموالَ تستعمل، كذلك، لشراء أصوات الناس في الانتخابات. كما تستعمل لشراء سكوت الحكام أمام المنكر. وتُستعمل أيضا للسَّطو على حقوق الغير ولإعلاء الباطل على الحق… وهو ماعبَّر عنه، سبحانه وتعالى، في هذه الآية بكلمة "بِالْبَاطِلِ".

رابعا، وأخطر ما تشير له هذه الآية الكريمة، هو أن الناسَ يستعملون الأموالَ بالباطل وهم على علمٍ بذلك! بمعنى أنهم واعون، كل الوعي، بارتكابهم المعاصي. ورغم ذلك، فإنهم مارون في نصرة الباطل على الحق والظلم على العدل…

خامسا، هذه الآية الكريمة تُجسِّد بأمانة وامتياز ما يجري داخلَ المجتمعات المعاصرة من ظلمٍ وعدوانٍ وباطلٍ وطغيانٍ واغتصابٍ. وكذلك من سلبٍ ونهبٍ واختلاسٍ للمال العام، كان، من المفروض، أن يُستعملَ من أجل خدمة الصالح العام، عوضَ أن يُستعملَ في بثِّ الفتنة والتَّفرقة والبغضاء والضلال والفوضى والعداوة والكراهية والمحنة والهلاك…

وأخيرا، القرآن الكريم مليء بالآيات التي لها علاقة بالحياة، بمعناها الواسع، أي الحياة المترتِّبة عن تساكن وتعايش الناس داخلَ المجتمعات. وهذه الآيات قد تشير إلى الحياة العقائدية أو إلى الحياة التي تستلزم من الناس أن يعيشوا في هذه المجتمعات بأمن وأمان وتسامح وتعاون وتكامل وتضامن… وهذه الآيات قد يوجِّخها الله للناس جميعا وقد يوجِّها لفئةٍ معينةٍ من هؤلاء الناس. والأمثلة، في هذا الصدد، كثيرة، أذكرُ من بينها ما يلي :

-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (البقرة، 208).

-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران، 130).

-يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (البقرة، 168).

-كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ (طه، 81).

-يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف، 31).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى