هشام مقدادي - ُقدّاس

أضعُ الفرشاةَ أسفل المرآةِ، الرغوة البيضاء الناتجة عن تحريك الفرشاة على ذقني أكثر إمتاعاً من تلك الجاهزة في عبوة حديدية، أفصلُ أعلى اللحيةِ عن باقي الشعرِ بشفرة الموسِ نزولاً حتى عظمة الفكِ، أُكرر ما فعلتُ على الجهةِ الأخرى، أُتمُ حلاقةَ لحيتي بسلاسةٍ دونما أي جرحٍ يشوه نعومةَ ذقني القمحي، أنضحُ الماءَ على سائرِ وجهي، فأُحسُ بانتعاشٍ لطيفٍ.
لو أن وجهكَ يزدادُ استدارةً، لكنتَ أكثر إشراقاً، تُمسكُ وجنتي بإصبعيها مبتسمةً، تلقي مريولَ الطهي على طرفِ المائدةِ وتنتظرُ موافاتي لها، البُخارُ المُتصاعدُ من كوبِ الشاي يُدغدغُ أنفي فأُحركهُ، وأرقُبُ حركةَ يدها والتقامها حبةَ زيتونٍ بيدٍ لا تخلو من رجفةٍ خفيفةٍ ونمشٍ يتبعثر أعلى التجاعيدِ، أودُ لو قبّلتُ عُروقها النافرة، لكنها لم تمهلني، توسدت ذراعي يومها، كنتُ أُخفي دمعتي، لكنني صرختُ دونما وعيٍ حين ارتخت قبضتها عن يدي.
هل مرَ عام؟ أحاولُ استرجاعَ مدخرات ذاكرتي، فتتوقف عندَ أجزاءٍ معينةٍ من جسدها، حركةُ يدها، ابتسامةٌ تفّتر عن أسنانٍ بيضاء منتظمةٍ، بريقُ عينين واسعتينِ وتجاعيدٌ مسترخيةٌ شقت طريقها منذُ زمن.
حاول أن تأتي مبكراً، القُدَّاسُ فرصة لتلاقي العائلةِ، كما أن الماما بحاجةٍ لصلواتِنا، تُنهي حنانُ اتصالها بالتأكيدِ عليَّ، فأُلحِقهُ بتأكيدٍ من قِبَلي، تُربكني المُكالماتُ الهاتفيةُ المؤكدةُ على موعدٍ ما، يغفرُ الربُ لك، كم كُنتِ حنونةً وعنيدةً، اختيارُ مدفن القرية لم يكن اختياراً موفقاً، لكنك كنتِ محقةً؛ فهُناك ثمة من سيذكُركِ و يدعو لكِ.
عندَ البابِ تذكرتُ قلادةَ أُمي، فدلفتُ حيث هي أعلى المدفأةِ، لا ترم أقلامكَ في المدفأةِ، لا تُجفف جواربكَ أعلى المدفأةِ،كانت تحفُها باهتمامٍ بالغٍ، حداً جعلَ أبي يتنحى عن إلقامِها الحَطبَ تاركاً تلك المَهمة المحببة إلى قلبهِ لأُمي، أتذكرُ أوامرها الساعةَ مبتسماً، أضعُ القِلادةَ في جيبي وأمضي.
هل ستُمطر؟ الطريقُ الذي راحَ يدِقُ و يدِقُ كلما ابتعدتُ عن المدينةِ، أخذَ بالانعِطافِ والتعرجِ، في حين تساقطت حباتُ البردِ، تبِعها المطرُ غزيراً,أُخفِّضُ السرعةَ وأقودُ السيارةَ بحذرٍ، أفتحُ الزجاجَ حال توقفِ المطر، فيهبُ الهواءُ طازجاً منعشاً، تغمُرني بهجةٌ وحبورٌ طفوليٌ، فأُوقفُ السيارةَ أعلى التل وأترجلُ ماشياً إلى الحافةِ المطلةِ على قرىً راحَ يحجبها الضبابُ شيئاً فشيئاً.
التزامُ اليمينِ على طريقٍ منحدرٍ ومتعرجٍ في آن يبدو خطراً، لكن الشارعَ خالٍ تماماً، إلا من جرارٍ زراعيٍ لا يزالُ بعيداً، تزايدت سرعةُ السيارةِ فجأةً واشتدَ الانحدارُ، فضغطتُ على الكوابحِ بكلِ قوتي، أُعيدُ الكرةَ علَّها تستجيب، أشدُ براحتي على المقودِ، أشعرُ بتيبسٍ يشلُ ذراعيَّ، أُرخي يدي اليسرى بصعوبةٍ بالغةٍ، أدُسها في جيبي، أُخرجُ قِلادةَ أُمي، تنحدرُ السيارةُ بجنونٍ، فأتيقنُ من أنها النهايةُ، أرفعُ القلادةَ إلى فمي وأُقبّلُ الصليبَ، يمرُ طيفُ أُمي هلِعاً، تصطدِمُ مُقدِمةُ السيارةِ بسلسلة حجرية، يندفعُ جسدي إلى الأمامِ فيرتطمُ رأسي بالمقودِ.
لا تتحرك،ابق مكانك، أسمعُ طرقاتهِ على بابِ السيارةِ، تلفحُني البرودةُ التي تدفقت مرةً واحدةً بعد فتحهِ البابَ الأماميَ. هل أنتَ بخير؟ لم أجبْ، أومأتُ لهُ فابتسمَ و مد يدهُ ليخرجني، تحسسني بيدين مُجعدتين، يبدو أنك لم تُصبْ بأذىً، هل كان عليهِ أن يُسجّيني على الطينِ؟ أُجيبهُ بعدَ أن هدأَ روعي و شربتُ الماءَ من قارورتهِ، أنا بخير ، لم أُصب بأذىً، بعضُ الكدماتِ وسنٌ فقدَ ثباتهُ، وهو يهتزُ الآن كلما حركتُ لساني، أترى؟
يرّتجُ جسدانا تبعاً لارتجاجِ جراره الزراعي، قاطعاً الطريقَ إلى بيتهِ على مَهل، كنتُ عائداً من الحقلِ حين رأيتُكَ تنزِلُ المنحدرَ بسرعةٍ جنونيةٍ، لقد أنقذكَ المطرُ، فقد كنتُ قد شرعتُ بحراثةِ الأرضِ حين انهمرَ بغزارةٍ فاستدرت عائداً، ربتُ على كتفهِ لأشكر هُ، فمد يدهُ بالهواءِ مُعيداً طرفَ الكوفيةِ الملتفةِ حولَ رأسهِ إلى مكانهِ.
الشاي مشروبُ الحياةِ، يدخُلُ البيوتَ كافةً، الغنيةَ والفقيرةَ، يتساوى الوزيرُ والأجيرُ في شُربهِ، وإن اختلفتِ الأصنافُ والأنواعُ والأشكالُ، أذكُرُ الحربَ في طُفولتي الجافة، كان السكرُ نادراً والشاي كذلك، وكان توفرهما معاً يعد نوعاً من البذخِ والرفاهيةِ، لكنهما لم يختفيا تماماً، لم أكن شقياً بل كنت محباً وودوداً، لذا كثيراً ما كانت تُنزل أمي صندوقها الخشبي من على الخزانةِ، مخرجةً منهُ صُرةً قماشيةً بحجمِ قبضةِ اليدِ، لترشَ على راحتي شيئاً من السكرِ، فألعقه بفرح.
يصلني الصوت عبرَ شُبّاك مطبخهِ المُطل على الباحةِ، فأصغي إليه مضيفاً بعض الكلمات إلى ما قاله، فكثيراً ما أُعيدُ صياغة الحوارات التي تدور بيني وبين الآخرين، ولربما افترضت بعضها واستغرقت في الرد عليها، هي حالة لا يمكن وصفها بالمَرَضية، لأنها تساعدني في معرفة مدى استجاباتي وقدرتي على المحاورة.
وضعَ إبريق الشاي على طاولةٍ أخرجها إلى باحةِ منزلهِ للغرضِ ذاتهِ، وغاب مجدداً، البيتُ الذي علتهُ عُلّيةٌ وغطت باحتهُ الإسمنتية داليةٌ بدا كئيباً، قطعَ رنينُ هاتفي استرسالي في تأملِ البيتِ.

أين أنت؟
في الجوار.
لا تتأخر.

حدة السؤال قطعت الطريق أمام أي كلمة ودودة يمكن أن تقال في آخر المكالمة، فأعدت الهاتف إلى الطاولة بتوترٍ.
فتحَ الرجلُ الصنبورَ، فسالَ الماءُ في طريقٍ متعرجٍ ينتهي ببرتقالةٍ مزهرةٍ، شمّرَ عن ساعِديهِ، مدَّ يده، كان الماءُ بارداً، تمتمَ قبلَ أن يُغرقَ وجههُ بالماءِ الذي شكَّلَ بُقعاً راحت تكبرُ وتنحدرُ نحوَ البرتقالةِ، وصلني استغفارهُ فتتبعتهُ بعينيَّ يتوضأ بخشوعٍ وتؤدة بالغةٍ، دافعٌ ما جعلني اقتربُ منه وهو مستغرقٌ في تمتماتهِ، شمّرتُ ماداً يدي إلى الصنبورِ، فلسعتني برودةُ الماءِ، إلا أنني أعدتُ الكرةَ، حين فاضَ الماءُ عن راحتيّ وغمرتُ به وجهي للمرةِ الأولى، شعرتُ أني قد تورطتُ، لكن سرعان ما تحولت اللسعاتُ إلى حرارةٍ متوهجةٍ فسعدتُ، كنتُ أقطرُ ماءً حين ناولني المنشفةَ، غطّيتُ وجهي وتنفستُ بعمقٍ، انتهت إلينا غلالاتُ الشمسِ الهاربةُ من بين غيومٍ أخذت بالتباعدِ، فأشرقت الباحةُ و بدت أقل قتامةً، ابق إلى أن يحين الظهر، قالها وعيناه تفيضان مودةً، فأرخيت ظهري على الكرسي.
لماذا توضأت؟ سؤال لم أستطع الإجابةَ عنه، تذكرت القُدَّاس، وضعت هاتفي في جيبي متأهباً للرحيل، أرادَ القيامَ، فأسرعتُ إليه، قبَّلتهُ، واتجهتُ نحو البابِ فتبعني، وقفتُ على حافةِ الشارعِ، مد يدهُ، ظننتُ أنهُ سيصافحني فمددتُ يدي، وضع قِلادةَ أُمي في راحتي، هَمستْ في أُذني، بعد أن مالت بجذعها نحوي: ستُشفى، قبَّلت جبيني المُتعرق فتدلت قلادتُها مُتأرجحةً كبندول ساعةٍ، حرارتكَ مرتفعة، قُبلة أخرى وضعت من بعدها منشفةً مبللةً على جبيني، أشُم رائحتها الساعةَ، فأشد قبضتي، ابتسمَ لي العجوزُ، فابتسمتُ ومشيتُ دون أن التفتَ إلى الوراءِ، مُغالباً رغبةً بالبكاءِ، في حين راح رنين هاتفي يعلو من جديد.



  • القصة الفائزة بالجائزة الأولى لمسابقة موقع ” سواليف” في الأردن


** منقول عن ثقافات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى