رشيد تجان - جرح غائر

غادرنا الميناء ليلا متجهين إلى الشمال الشرقي من المحيط الهادي، هدفنا الوحيد مطاردة بعض سفن الصيد الجانحة ومنعها من صيد الحيتان المهددة بالانقراض. تركنا أهالينا على رصيف الميناء يلوحون لنا بأياديهم مودعين ومتمنين لنا القيام بما نحن مقبلون عليه في أحسن الظروف، وعلى أحسن ما يرام حتى نعود سالمين. كانت لنا إرادة قوية ورغبة جامحة في مطاردة هؤلاء الصيادين الخارجين عن كل القوانين الدولية، ومنعهم من ممارسة هذا الصيد الجائر. كانت سفينتنا المتوسطة الحجم والتي تحمل على ضلعيها اسم منظمة دولية وشعارها بلغة إنجليزية واضحة، تغادر الميناء في ثقة زائدة بالنفس. وكان عددنا نحن المتطوعين لا يتجاوز الثلاثين نفرا، كنا نطل من نوافذ السفينة، ونرد على الأهالي بأيادينا ملوحين لهم بإشارات النضال والنصر. خرجنا من الميناء وسارت السفينة تشق عباب البحر، تفرقنا على الغرف للنوم استعدادا ليوم عمل قد يكون طويلا وقاسيا. طاردني الأرق ولم أستطع الرقاد، فاستسلمت لذلك وخرجت من غرفتي، وصعدت إلى سطح السفينة لأستنشق رائحة البحر. كان الظلام يحجب الرؤية، لا ترى شيئا سوى السواد، وبعض النجوم في السماء تتلألأ. بقيت قابعا في مكاني، وقد تسربت إلى ذهني أفكار وذكريات وشجون. تذكرت والدتي التي ينخر جسمها المرض، توصيني بالاعتناء بنفسي كلما هممت بمغادرة البيت إلى سفر ما. وتذكرت جمع الأصدقاء الذي لا يتفرق إلا ليجتمع مرة أخرى؛ نتبادل أطراف الحديث ونضحك من بعض مواقفنا المضحكة أو الفجة. تحرك بعض الريح عند انبلاج الضوء بعد الفجر جعلني أغير مكاني بعض الشيء.
شروق الشمس من المحيط يعطي صورة فنية جميلة، ترسل الشمس التي تكاد تظهر وما ظهرت في الأفق ضوءا أحمر ينعكس على صفحة الماء الهادئة. منظر الشروق المتوهج يبعث فتنة الطبيعة وسحرها. بعد برهة رن جرس المطبخ إيذانا بوقت الفطور، وبعده يتم البحث ومراقبة الأسطول الذي لا ينصاع لأي قانون. نزلت إلى قاعة الأكل، كان بعض المتطوعين قد التحقوا، سلمت على الجميع وجلست في انتظار وصول الكل، اختلست النظر إلى وجوه هؤلاء الناس، سحناتهم مختلفة، ينحدرون من قارات متباينة، حتى وإن كان بعضهم من بلد واحد فلكناتهم مختلفة.
عند تناول وجبة الفطور تم توزيعنا إلى مجموعات متكونة من خمسة إلى ستة أنفار، وكل مجموعة لها مهمات معينة لتحديد المسؤوليات. كنت واحدا من المجموعتين اللتين ستواجهان السفينة، وذلك بالنزول إلى البحر على ظهر قاربين مطاطيين والاقتراب منها، وتحريفها على مسارها العادي حتى تَكِلَّ وتستجيب لنداءاتنا وتنسحب من المكان، وبالتالي تترك الحيتان لحالها وشأنها، غير أن هذه المهمة صعبة، تحف بها مخاطر كبيرة جدا لاسيما وأن مناورة الباخرة الضخمة تُحدِث رجة في مياه المحيط، ويمكن كذلك أن نكون صيدا سهلا لهؤلاء الصيادين الذين يرون فينا قاطعي أرزاقهم وأرزاق أبنائهم. ولمَّا انتهينا من وجبة الفطور أخذ كل فريق مكانه باستثناء المجموعتين اللتين كلفتا بالنزول إلى البحر لمواجهة السفينة.
بدأت عملية البحث في هذا المحيط الواسع كالبحث عن قطعة نقود ضائعة في رمال شاطئ، ونظرا لحنكة القائد الربان استطعنا عند الزوال تحديد مكانها، حيث لاحت لنا من بعيد تلك السفينة المشؤومة، فاتجهنا صوبها وكلنا عزيمة للتصدي لها وإنقاذ تلك الحيوانات البحرية من أولئك الأشرار. لما اقتربنا منها أنزلنا قاربين ونزلنا معهما إلى المياه المالحة. امتزجت في هذه اللحظة الرغبة في عيش التجربة التي يمكن ألاَّ تتكرر والخوف من مصير يكاد يكون مجهولا.
ركبنا القاربين وأصبحنا في صراع مفتوح مع الأمواج العاتية ومع صيادي السفينة، طلبنا منهم، بواسطة مكبر الصوت، التوقف عن هذا الصيد اللاقانوني، غير أنهم لم يعيرونا أي اهتمام واستمروا في عملهم، غيرنا الخطة بأن ندور ونلف حول السفينة من أجل إعاقة إبحارها، ودامت العملية مدة طويلة، مدة الساعة والنصف تقريبا، ظننا في البداية أنها كافية لثنيهم عن عملهم هذا، لكنهم شرعوا في قصفنا بسوائل ملونة، ثم بعد ذلك بكرات مطاطية متوسطة الحجم، كانت الواحدة منها إن أصابت شخصا ما، كافية لإيذائه. شرعنا في مراوغتهم والدوران حول السفينة إلى أن تراخت الشمس وانحدرت نحو المغيب، وعندها انصرفت السفينة إلى حال سبيلها تاركة للفضاء، كل الفضاء، راحة ينعم بها، وعدنا نحن كذلك إلى مركبنا وقد أخذ التعب منَّا ما استطاع. خلدنا إلى الراحة بعد الاستحمام وتغيير الملابس والأكل، وتبادل الحديث حول هذا اليوم، وما قمنا به من عمل، وما توصلنا إليه من نتائج مرضية.
انصرفت إلى فراشي لأستريح وآخذَ قسطا من النوم تعويضا لما فاتني منه في الليلة الماضية، ولأستعد ليوم جديد. في خلوتي هذه، وأنا مستلقٍ على ظهري وأحملق في مصباح الغرفة، تذكرت ما قمت به من أعمال خلال اليوم، فقد كان الخطر يحيط بنا من كل جانب، وكانت قساوة الصيادين علينا جلية وواضحة، والشرر يتطاير من عيونهم، لأننا، حسب اعتقادهم، وقفنا ضدا على قوت عائلاتهم. تمالكني الخوف وشيئا فشيئا بدأ الرعب يدب إلى نفسي رأيت مصيري ومصير زملائي بين كفي عفريت مع هؤلاء المجانين. لم أشعر إلا ومنبه الساعة يرن. إنها السادسة صباحا، وقت الاستيقاظ من النوم والاستعداد ليوم جديد. بعد تناول وجبة الفطور بدأ البحث من جديد عن هذه السفينة الجانحة عن كل القوانين، وبدأ معها التفكير في خوض صراعات جديدة، وأسئلة جديدة: أيمكن لهؤلاء الأشخاص أن يتراجعوا عن عملهم البئيس هذا؟، ونعود أدراجنا سالمين من كل أذى؟، أيمكن لهم أن يشعروا بالذنب عما يرتكبونه من حماقات ومآسي في حق هذه المخلوقات العجيبة؟
لم يدم البحث طويلا عن السفينة المتهمة حتى وجدناها من جديد رامية صنارات كبيرة الحجم، وتجر من الخلف شِباكا طويلة لاصطياد هذه الحيتان. أحطنا بالسفينة من كل نواحيها نلف حولها لمنعها من الإبحار، لكن الربان كالعادة لم يُعِرنا أي اهتمام، وتابع إبحاره متعمدا ذلك لإغراق زوارقنا. عِنَاد من الجانبين أدخلنا في دوامة صراع لم تتوقف. رمى أحد الصيادين برمح مخصص للصيد أصاب به أحدَنَا. كان الجرح غائرا، نزف من مرافقنا دم كثير وارتخى بجسده على حافة القارب. تخوفنا أن يكون المصاب جللا، وطُلِب منا التراجع لأن الصيادين صاروا أكثر عدوانية عما كانوا عليه في اليوم السابق، لكن خطة بانسحاب الزورق الذي يحمل المصاب من أجل العلاج وبعدم استسلام القوارب الأخرى كانت كافية لجعل السفينة تغادر المكان، وتعود إلى الميناء من جديد.
رجعنا إلى سفينتنا التي كانت على مسافة منا، صعدنا السلم وهبطنا إلى وسطها لنغير ملابسنا ونأكل بعض الطعام حتى نسترد قوانا ونشاطنا، لكن هذا لم يحصل اشتد الألم بزميلنا المتطوع معنا، حاول الطبيب المرافق أن يوقف النزيف غير أنه لم يفلح في ذلك، فقد كان الجرح غائرا، وارتفعت حرارة المصاب إلى حد لا يمكن معه البقاء في عرض البحر. اختلف أعضاء إدارة المنظمة بين حمل الجريح على متن الطائرة الحوامة إلى إحدى المصحات للعلاج، وبين الانسحاب والرجوع إلى الميناء.
كانت الشمس تنحدر نحو المغيب، وكان وهجها ينتشر في الأفق باعثا لونا برتقاليا يميل نحو الاحمرار، والطيور تروح إلى أوكارها، وهي بطانا، تنشد راحة ونوما عميقا استعدادا لما يأتي في الغد. عدتُ إلى سطح السفينة لأبتعد عن هذا الجو المشحون، وأنتظر ما ستسفر عنه النقاشات بين الإداريين. انغمست الشمس في هذا المحيط الواسع، ولم يبق لها أثر، وانتشر الظلام في كل مكان. لا أعرف أين تتجه السفينة، ولا مقصدية ربانها، وكل ما أعرفه أنها تبحر في اتجاه ما ولا تتوقف. سمعت جلبة فنزلت إلى المكان الذي تصدر منه تلك الأصوات، فوجدت الجميع ينتظر أمام باب العيادة، سألت ماذا هناك فقيل لي إن حالة الجريح سيئة جدا وقرر فريق العمل المغادرة إلى المدينة للعلاج. ...
الدارالبيضاء في 25/04/2017

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى