الطاهر بن جلون - الحب الأول هو الحب الأخير دائما.. قصة قصيرة - ترجمة : محمد يحياتن

الحب الأول هو الحب الأخير دائما والحب الأخير حبيس الأحلام دائما .
لا أعرف من جسمها سوى الصوت . الذي يصلني ضحكة تنهيدة أو همسة يمكنني من تخيل الأرداف والنهود . لقد تعلمت إرهاف السمع لمجرى الصوت . نبهني رجل كفيف ذات يوم إلى ما يمكن أن يحمله الصوت من أخبار . وهكذا قيض لي بواسطة هذا الصوت ، أن ألمس هذا الجسد وأنا مغمض العينين . وأن أكتشف شيئا فشيئا لحظات حياته وحركاته .

ها أنا أبتدع برغلة الجلد ودفء الأيدي والنظرة والصمت .أحرس أحدس التمنع وأستشعر اللين والضياع في خضم الليل . حين يستبقي السهاء ومضات النهار ويبتعث الصور الضائعة في زخم الضوء . أجدني أصغي إلى ذلكم الصوت . هو آت من بعيد بيد أنه قريب . ترى ما الثياب التي ينبغي أن أخلعها عليها؟ تصلني عارية في هذه اللحظات الأولى من الليل . أعطيها وجها فنظرة . كثيرا ما أفتقد خطاها . أحاول أن أنام حينئذ ترفع الغطاء . تدفعني دفعا تسقط المصباح ونمزق قماش الأشياء.

قالت لي ذات ليلة متأخرة حلت في صدفة الوحدة . إذا استعصى محو الحلم فينا ـ الحلم الذي هو جذوة الحب المتقدة ـ فإننا مستعدان أن نتبادل الحب طويلا دون أم نتكاشف البتة.

قد تقاس شدة الحب القلق أو بأوج الصبر على الانتظار . في صلب ما قد يأتي أو لا يأتي .أعرف ما سكننا هو زمن الانتظار .دالكم الفضاء الممدود المنشور كالغسيل بين الشجرة والدعامة المترنحة البعيدة التي نتحسسها دون الاحاطة بها . النقطة الأخرى ـ السوناتة ـ تغشاها السحب . نراها ولا ندركها . نلتقطها دون علم منا . في خضم الصبر ، تنطوي النظرة على الخيال وقليل من الهزل . تتحرك ثم تحط على ظل أو مكان خال كان مسكونا أو سيكون كذلك . والحال إنها لا تحط . إنها تبحث عن دار من زجاج تطفو على البحر . ها هو المستعصي عن البلوغ ثار وراء الكلمات . في هذا الامتحان العسير الطويل . أحاول مثل هتلر أن < أن أسوق نفسي جيدا لأني لم أعد أزهو بنفسي> .

عند أول حب كما عند آخره ، استشعرت ذات الشعور ، بسبب الصبر ، أكاد ألحق الأذى بكل شيء . لا أفتأ أتخيل وأدفع بيدي جدار القلق . ألامس التخوم ، وفي صلب الانتظار أفتقد الوجه وصورة الوجه ، كما لم أعد أتعرف على الصوت الذي هو دليلي . كم هو غريب ابتعاد صورة المرأة المنتظرة جدا عني . إني لم أعد أدرك قسمات جسدها ولون عينيها ومعنى نظرتها . أنا لا أنسى ، ولكني ضيعت التضاريس المكونة للصورة.

يقال إلى أن ذلك مرده على ثمالة القلب أو الليل الذي يعظم شأن الشبح .

في إقامتي الجبرية حيث أبتكر الزمن وما هو كائن وما يجب أن يكون ، أحس بأني حر كطيور الشمس ، سأقول لهذه المرأة وربما لفتاة عمرها عشرون سنة < أنا أنتظرك وانتظاري أمارة حبي لك . أحن إليك وكما نلتقي . إني أحيا بفضل الصبر ، حتى ولو كان جزء من سماء ممزقة وقطعة قماش مرصعة بالنجوم . أنت وهج ينيرني ويحرقني / وأن أحضنك معناه أن أنتظر انبجاس القمر كل ليلة>.

لا ينبغي إبداع الأقاسيس في الكلمات التي هي سلال خاوية قابلة للتبديل والحاملة رمال الجنوب نحو الشمال أخشى ألا تصدع بنشيد الحياة . وتكتفي بالقرع المجرد ، حنين عجوز يلهو كي لا يموت ، ويجمع الأحجار والأيام كي نطفئ في صمت الانتظار المحفوف بالكبرياء . ترى هل هو الليل الذي يأخذ في الإفلات والوجه المحبوب في الظهور؟ قطر أبيض يلوح أمام عيني ، يغمره نور شديد اصطناعي . حرره البحر . امرأة ، لا تزال في طور الصبا ، تمشي قبالتي . لا أتحرك . تدنو ببطء ، كل شيء يختفي في الرغبة والقلق . الكائن المأمول المصطفى من لدن الوحدة كي يكون الحب الأول .

وصولها سلفا إجهاز علي . هذا هو اليأس المطلق . يولد في وأتحاشاه لم أعد مشدودا معلقا بصوري المرتعدة . أنا خائف وملعوب من قبل اللعبة . تسكنني فكرة الوحدة الأبدية القسرية . بيدي اليمنى أطرد الصورة المتقدمة نحوي . ينطفئ كل شيء : النور ونظراتي . أشعر بالصقيع في هذه الغرفة القذرة ذات ستة أمتار مربعة ، الواقعة على شرفة عمارة قديمة في حي أقدال بالرباط . أنهض لأبول ، أفحص الثياب المغسولة : تبان رث ، منامة من قماش الفاتلة المخطط ، قميص ذرياقة متعبة ، سروال أبيض في حالة جيدة . أتناول السروال وأبول بداخله.

أعود إلى غرفتي وأحاول استذكار الصور التي كنت استدعيتها في بداية الليل ، لكن عبثا . أحاول أن أنام . استشعر البرد . إنه الخوف من عدم معرفة الحب أبدا . الخدر ينسج على صدري . إنه العدم الجسد يأخذ في الفراغ . تستبد بي الحاجة إلى الإصداع بوجه الحبيب المنتظر . أغمض عيني والغطاء بين الأسنان والأيدي على البطن العاري .

شجرة شماء تأتيني كعصفورة عمرت طويلا ، تدفعها أيادي فتاة سمراء ولدت بجنوب البلاد بإمنطانوط ، فوهة مغارة حفرها الزمن والجفاف . عيناها المستمدتان من جرار العسل كبيرتان . يحط فمها على ذراعي . شفتاها ترتعشان . ينساب ريقها على سبات جسدي ترى هل أنا الذي خرجت من الطفولة أم هي ؟ تأتيني رسالة من الأقاصي ، وتقول لي بالأمازيغية : < يجب أن يكون الحب الأول عفيفا كالخيانة> ، ثم تضيف بعد صمت ودون أن تظهر لي أي شيء من جسمها : < وسيكون بسيطا بساطة النهد التام> .


- القصة من مجموعة الحب الأول هو الحب الأخير دائما. منشورات لو سوي ، باريس ، 1995 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى