أحمد محمد أمين - بقية الحكاية.. قصة قصيرة

زمنٌ يسعى في طفولته، لن يُغادرها، ومعه نحنُ ابناؤه الا ُلى بتنا مثل قشرته يأبى أن يُفارقنا. هو في بيوتنا الرعوية، في أكواخ الطين ُ في العفونة والذباب والمزبلة والجوع والغربة، ثمّ يتحمّصُ فييبسُ ولا تستطيعُ أضراسُنا وانيابنا قطعه. يكون في الدرب الموحل والزقاق الناحل، في الحي الشعبي، في حارات بغداد الخمسينيات، في مقاهي الرشيد، في الطفولة المرّة واليفاغة تكد طوال ساعات اليوم في المدرسة وفي افران الليل تسرقُ وقت راحتنا.

وذا انا الآن احتسي استكانة الشاي في مقهى الزهاوي، وبوسعي أن اتغور الى الدروب ومحلات العاقولية والحيدرخانة والميدان والبارودية وجديد حسن باشا والفضل وقنبرعلي. فيها، في شرايينها الفقيرة كانت تدبُّ خطاي، وكم امرأة في سن امي احببتُ ثم نسيتُها. وكلُّ يوم كانت لي قصة حب اعيشُ تفصيلاتها في سريري وتحت غطائي في غرفتي الفقيرة . كنتُ أعرف أناس ما وراء كلّ ابواب المحلات. انتقلُ من حبّ الى سواه. الجديد يمحو ما قبله. واسعدُ لحظات يومي ساعة الوب في تجاعيد الأزقة يجتاب نظري خصاصات الأبواب والنوافذ الأرضية والفوقية. وتبهرني الشناشيل الملونة والمتداعية واليماماتُ تتحلقُ من شرفة الى سواها. صبحاً قبل الدوام اترصد بنات ثانوية الرصافة، وغبّ خروجي من المدرسة اواصل سعيي وراءهن حتى بيوتهن. وكنتُ اتخذهن صديقات وهمية، اغيّرُهن بين وقت ووقت. في الخامس الأعدادي غادرتُ عادتي تلك. اخذتني القراءاتُ الى شعب واصقاع اخرى. ولي يومئذ اصدقاء نتبادل الودّ في المدرسة وانساهم عصراً. لكنّ صديق طفولتي – عابدين – كائن استثنائي تربطنا مودّة ٌ لم ينفصم عراها أبداً. يجيء في السنة مرّات الى بغداد، وتتغيّر حياتي طيلة بقائه بصحبتي. علمني اموراً لم أكُ ادركها وهي على مرمى حجر مني. اذاً سيبقى زمنُ الحلم يأرجُ برحيق الدفء والسرير. وذا يعودُ الي أو أعود اليه في دائرة حلم متأخر. فنحن الآن نعيش على فُتاته. أنا في مكان ما، تتبعثرُ حولي لعبُ الأطفال، اطفال صاروا رجالاً، بيدَ أنّهم في منطق هذه اللحظة يمرعون في سنا طفولتهم. أنا اعرفهم الآن كباراً. لكنّهم الآن ينتهكون براءتهم بلعب لم تكن مألوفة في زمانهم، ربّما لم تُبتكر بعدُ اويتعذرُ، بسبب فقرهم ،الوصولُ اليها. بودّي لو اشاركهم في ملعبهم. الّا أنّهم مُتمسّكون بأشيائهم. تلك التي لم احظَ بها أوانَ طفولتي الضريرة. كانوا في حاجة الى بطاريات، فقد تراخى بعضُها عن العمل. قلتُ لهم: – ابقوا في مكانكم وسأعود بعد نصف ساعة جالباً لكم بطاريات جديدة – وغادرتهم…

كانت ممرّاتُ قيصرية السوق الكبيرعاتمة، لكنّ بصيصَ أضواء الدكاكين تمسحُ كنف العتمة. فجأة ً مرقت الى جواري بضعُ نساء يعتلين دراجاتهن وبينهن زوجة ُصديقي عابدين. استغربتُ الأمر، فمن النادر دخولُ الدرجات الى القيصرية ذات الممرات الضيقة المكتظة طوال اليوم بالناس. احتقن حلقي بالدهشة والضحك. ما رأيته أمرٌ غير منطقي كاد يُفجّرُ يوافيخ الناس. كنتُ أرى أردافهن تميلُ ذات اليمين والشمال. مررن الى جواري وابتعدن من دون أن يجرحن هدأة السوق والمارة. التففتُ يساراً حتى توقفت قبالة دكان عابدين الواقف قربَ أبيه الذي لا يستسيغ لقائي بابنه. على الرغم من أني لم أكن سيء السمعة ولا أسأتُ اليه. بل اتقدّمُ على زملائي في المثابرة والدرس، أمّا صديقي فلم يك عابئاً بالدراسة، ودوامُه متقطعٌ، لكنّ جيوبه كانت مليئة بالريالات من فئة مئتي فلس ٍ. هو يودّني كثيراً ويمنحني كثيراً من وقته. يل يصرفُ علي ّ أحياناً. بعد قليل انضمّت اليهما زوجته راكبة الدراجة. كانوا يتحركون داخل الدكان، ويقضون حاجات المشترين، كنتُ أتأملهم خلال الزجاج الواسع الذي يعروه شيء من الكدر. كادت روائحُ التوابل تقطعُ انفاسي. تصلني من قاع الدكان فتخدشُ ممرات التنفس، واضطررتُ الى العطاس مرّات. لمحني عابدين وانا أقف خلف زبونين متبقيين. وهمس في اذن زوجته، ورأيتُها قادمة تُجاهي: – أهلاً، قالت، سيجيئك بعد قليل – رأيتكِ على دراجتك وأنت قادمة الى هنا – هذه اول مرة نخرج على النظام، دوماً نترك دراجاتنا قرب البوابة – لا بأسَ فانتِ لم تؤذي أحداً – ابتسمت وتركتني. جاءني عابدين بعد ان مسح يديه بخرقة وعانقني بعمق ومحبة – قبل قليل كنتُ احدّثُ ابي عنك، وهو يروم رؤيتك هلم اتبعني – مسحتُ دمع عينيّ وولجتُ الدكان بعده، صافحني أبوه بودّ صادق، وقد رأيتُه آخرَ مرّة قبل أن يموت ذابلاً طاعناً في السن، لكنّه الآن في صحة جيدة: – الهي ما اشدّ عنفوانَك ؛؛ وجهُك مورّدٌ، وابتسامتُك ناعمة طريّة، وعيناك مُتوهجتان، قلتُ مُجاملاً – ارتاح لاطرائي وتقدّم نحوي وعانقني، عندئذ اقبلت زوجة عابدين تحملُ ثلاث استكانات من الشاي. وضعتها على الرفّ المنخفض لصق الحائط. وجعلنا نحتسيها، وحين طرحتُ عليه مطلبي وقف في منتصف باب الدكان ونادى على جاره المقابل: اريدُ عشر بطاريات متوسطة – ولم يكد يصل الى مكانه حتى اندفع طفلٌ الى الدكان وسلمّه البطاريات وغادرنا. وضعها عابدين جوار استكانة الشاي. كان ابوه سعيداً بحضوري، على غير عادته. يبدو أن اطرائي ومديحي اياه حفّزاه على الآحتفال بي. تركنا عابدين وجعل يلتقط بعض الأعشاب من السلال المصطفة داخل الدكان فوضعها في كيس وناولني اياها: – قمْ بغلي ملعقة طعام كلّ صباح في كوب من الماء مدة َ اسبوع واشربه قبل الفطور، وستزولُ كلّ اوجاع البطن والغازات التي تعاني منها. لقد خلطتُ معها ملعقة من الشنان – هو عشبٌ كنا نستعمله في غسل الثياب أيامَ طفولتي في القرية، قلت بمُزاح – صحيح ٌ، بيدَ أن قليلاً منه مع بقية الأعشاب دواء ٌفعّال يُغنيك عن الأدوية الكيمياوية – مضى الأبُ يلبّي مطلب زبائنه، اعتذرت زوجتُه وتركتنا، بل دعتني الى تناول الغداء معهم، بقينا أنا وعابدين نواصل حديثنا، ولا ادري متى تركته، ولا أذكرُ اني أخذتُ البطاريات الى اصدقائي الأطفال. ولا لبيّتُ دعوة زوجته. في نهاية احدى ممرّات القيصرية ذات البوابات الست دكانٌ يبيع الكتب والصحف اليومية والمجلات الصادرة حديثاً. كان مُغلقاً، اخبرني خياطٌ ٌعجوز يعرفني من سنين غابرة: – توفي صاحبُك وقام ابنه مقام أبيه، الّا أنه لم يفلح، منذئذ والدكانُ مُغلقٌ. ورمتني غبئذ البوابة الأخيرة الى الشارع وقبالتي الجامع ذو المنارة المزخرفة بالأهلة والنجوم والآيات القرآنية، فما زال قائماً في مكانه تزدحمُ حواليه بمحال البقالين والأحذية والأشربة ومقهيين. كانت فتحات الدكاكين مُعتمة متهافتة والبضاعة بائسة.من هناك أخذتُ طريقي نحو محلة المصلى نزولاً الى محلة الشورجة والبريادي، على يساري بيت أيسر البُنيّة الجميلة التي احببتها ذات مرّة، اخواها معي في المدرسة، ثم بيت صديقي نوزاد على اليمين، وبيوتُ جلّ اصدقائي في هذا الشارع، أخيراً مبنى مدرسة ُالمصلى على الميمنة، احتوتني الساحة الترابية الواسعة – التي يُباع فيها الغنم والبقر والجمل وأكياس العلف – المكتظة بتجار الماشية والجزّارين. وفي اقصى يميني مقبرة المصلى، اكاد ارى فيها قبة مرقد – ابو علوك. وقبالتي تتمرأى عن بُعد مدرستا اليهود، أكبر مبنيين في مدينتنا، وعلى يساري النوافذ العلوية لمدرسة الشرقية المختلطة، هنا أمضيتُ ثلاثَ سنوات قبل الانتقال الى مدرسة المصلى. كان الغرضُ من مجيئي الى هنا التأكدَ من وجود بحيرة البجع خلف مدرستي اليهود ولصق المقبرة. لكنّها رُدمت واستحالت مزبلة كبيرة، كانت ابان طفولتي موئل الأطيار، كبيرها وصغيرها، تجيءُ من أطراف الدنيا فترتاحُ وتتغذّى من ديدانها ويرقاتها، وتمكث يوماً أو يومين ثم تواصل تحليقها فرادى أو جماعات الى أصقاع بعيدة. كنتُ تعوّدتُ زيارتها كلّ صباح قبل الذهاب الى المدرسة. هي أشبه ُبحلم آخر كسائر احلامي الّا أنّه حقيقي يُلامسني ابان اليقظة.. أمّا بيوتُ الشورجة الطينية المتاخمة لها فقد اختفت، قامت مقامها بيوتٌ حديثة ابعد من مكانها القديم. عدتُ أدراجي، الى أين ؟ ربما الى مقهى الزهاوي التي انطلقتْ منه جولتي هذه…. ففيه لم تزلْ بغدادي التي ألفتُها. وتعرفني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى