نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

ماهر سيف - أنا والكلب.. قصة قصيرة

نشر: ماهر سيف · ‏16/5/18 ·
  1. فى هذا العصر ...
    فى غروب ديسمبر
    قبالة النهر، حيث السكون والصقيع والغسق ، والموج القادم برائحة الموت، والطير الحزين الراحل فى السماء، يجلس وحيدًا حزينًا كعادته كل مساء، مرتديًا بالطو أسود وقبعة ويدخن بشراهة، كذلك الخارج لتوه من السجن. تعتريه رعشة عصفور تحت الشتاء، غارقًا بعينيه السوداوين فى الغسق محدقًا فيما وراء الطبيعة والخَلق والعذابات الكبرى جراء الوجود كله، يطوف ببصره حول النهر. ولا يرى سوى العدم، لم تعد تجذبه البنايات الأنيقه التى تحاكى الزمن الجميل المنصرم. ولا يلفته هدير السيارات الفارهه، ولا النساء المتسكعات بقعقعة الكعوب الفاتنة، يغيب عن واقعه فى النهر والسماء والغسق ،ويراقب ذاك الطير الراحل بلا عودة. ايقاع المشهد النهرى يروق له، الغروب الذى يدعو لليأس، بعكس الشروق الذى يدعو للأمل.

    أخذ يتذكر كيف كان يحتضن وبقوة حلمه الكبير كفنان. كيف كان نشطًا فوق خشبة المسرح، ينتظر دوره البسيط فيؤديه بمهارة فائقة،كيف تحمل عناء الكد والكفاح حتى صنع شخصية فنية يطلبها المخرجون تمهيدًا لدور البطولة فى يومٍ ما. وتتداعى الصور فتتماهى فوق سطح النهر. زوجته تداعبه، ويقفزان لأعلى فى احد أيام الغرام، زملاؤه يصافحونه باحترام كبير، الأقربون حوله اينما ذهب، ويتقاطع مشهد النهايه المؤلمة… فينقبض، ويغلفه الغضب فيشيح بوجهه عن مأساته، برغبة أكيدة فى الانطواء. فالحياة والموت سيان.

    لم يعد ذاك الفنان. الحالم الواعد خفيف الظل رشيق الحركة. لم تعد حتى ملامحه لمن يعرفه. وبريق عينيه ووجهه النبيل، بأنف رفيع ينم عن نبل وجبهة عريضة كسمة الشرفاء. وبشرة بيضاء تعكس صفاء روحه وجميل خصاله، وشارب رفيع أرستقراطى بامتياز. ونبرة تبث فى النفس الاحترام، وشعر كثيف يلامس كتفيه كرجال العصور الوسطى، لقد صار أقرب الى الشبح، مطموس الملامح والهويه.بعدما وهن الجسد وبهتت الروح، وتملك منه اليأس واستبد به البشر. وآلمته الخديعة الكبرى انه حر. فى هذا العالم…

    حتى انفصل عن البشر، وظل منطويًا على أحزانه بل أهواله، لقد التهمه العصر الخائن والناس عديمو الشرف والأمانة. حتى بدت غرابته فى ملامحه. وما ترسمه من كرب شديد قد أَلم بهذا الرجل، وفرض الغموض سطوته عليه. فعبارته مقتضبه لا يهوى التفاصيل. وخطوته بطيئة كمن يقبل على حتفه. لا يستثيره شيء ايا كان.

    فالبداية وشاية من صديق لا ليس بالصديق. دفع ثمنها سنواته فى السجن. جراء التحريض على الثورة عبر الفن الملهم للشعب، ذاق الأمرين تحت وطأة شعور عميق بضيق القيد والحرمان من الحرية. وما أقسى الحبس على نفس فنان مطلق السراح منذ ان كان طور التكوين. وتخلف لديه عاهة من الضرب بعصا غليظة فوق ركبته نتج عنها شرخ كثيرا مايؤلمه ويذكره بقيمة الصمت وغباوة الكلام. فإصابته قد وقعت نتيجة احتجاجه على صفع سجين آخر قد تذمر من سوء مايقدم من طعام. وظل من حينها قيد الحبس الانفرادى. والمشهد المروع اللامتناهى الأبعاد لزوجته وشريكة مشروعه الفنى، حيث وجدها مع آخر لمجرد أنه ثرى يمنحها المال، والصفعة القوية وقد هوت به أرضًا بتنصل الرفاق منه .

    قطع شريط الذكريات، صوت حوافر تضرب الارض. فالتفت بلامبالاة واخذ يحدق مليا فطبق شفتيه وزر عينيه فوجد كلبا، يداور ويناور، يمنه ويسره، ينبش وسط كومة مهملات، برعشة ولهفة، يبحث عن قطعة من العظم، لعله يجدها ملقاه من حوله، ويكاد يطلق صرخه مدويه من الجوع والألم فساقه مصابه بجرح بالغ النزف، فيطويها بأنين يبدو فى عينيه وقد لمع بهما الغسق، فيركض مستسلما، ليميل بجانبه، ككبش قبيل ذبحه.شعر بحيرة ذاك الحيوان البائس الجريح ، لقد حاول مثله أن يتمالك يقينه بجدوى الحياة. وقد فشل لكونه لا يعرف من ألوان النفاق سوى التصفيق للحاكم عند الضرورة، لقد جذبه الكلب وأحاطه بصداه داخله، بل وأشعل فيه الغضب. فلم يغادر زنزانة صغيرة قيد الحبس الانفرادى كسجين سياسي، طوال مدة حبسه، وظل يحدق فى الحائط ويعمل تفكيره فى قدرة أولئك البشر على الايذاء لمساجين عُزل، لقد اعتاد الألم حزنًا على من يسقط منهم تحت التعذيب.

    تحول الصراخ المتنامى إلى اعلان بنهاية العالم ، لقد كانت صرخته فى أعماقه أشد ، وفقد رويدا رويدا قيمة الانسان على كل وجه، ولم يبق فيه سوى الشعور العميق بالألم.ظل صامتا منحنى الرأس وقد وضع يديه على خديه كمن ينتظر قطارا لا يجيء. غاب فى خياله باحثا عن سرداب ينفذ منه لعالمه الفنى المتلألىء بوجوده فوق عرش الابداع الاسطورى. وقد زاحمته الصور المشينة، الجارحه لكبرياءه، الهدامه لكيانه، وروحه الشفافه، وحسه الرقيق العميق بحجم مأساته ولا يقوى ازاء الطعن عبر الصور. فلم يلمح فى الصور الضاغطة عليه وفاء ومشاعر حقيقية قد عايشها فى ماضيه الملوث بهؤلاء البشر ، فلم يعد ينتمى سوى لأناس كضحايا السجون. وقد نزلت بهم أهوال فطبعت على وجوههم سيماء الكآبة وتمددت كالعنكبوت وتقاطع مشهد الكلب الجائع. ليبث فى روحه بشاعة تلك الحياة البائسة ، يالها من حياة معدومة الوفاء .

    غادر رمزى بقامته الفارعه وبخطو ثقيل تحت وطأة وخز اصابته فى ركبته وقد آن ترميمها بجراحة عاجلة. لحال سبيله فى دنياه او فوق مسرح العبث الذى يحيا فيه بدور الكومبارس. متجهًا الى حيث يسكن، أعلى بنايه متهالكه وآيله للسقوط فى غرفة ليس بها سوى سرير ومنضدة ومقعد قديم لا يحمل قطة فيهتز. وفرش مهترىء. وقطعه خشبيه على الحائط وضع عليها معطفه. وراح فى نوم كالموت. تحت اضاءة خافتة، مرت أيام قليله وهو كعادته يجلس فوق رصيف تجارى ليبيع بعض قطع حديد الخردة التى يطلبها منه بعض عمال ورش السيارات بمبالغ زهيدة بالكاد يقتات منها لقمة العيش.

    رافضًا معاودة الاندماج مع البشر ومظاهر الحياة التى صارت مطموسة المعالم فى عينيه فيراها بغير ماتبدو للآخرين. وفى احد الأيام، امام النهر وجد الكلب بجوار جدار النهر العتيق، يسير بعرج منتكس الرأس وآثار اصابة حادة بوجهه. كالخارج من أتون معركة شرسة. شعر بوجع ذاك الكلب فلديه مايمكنه من الشعور بالألم، وجلس كعادته يدخن ويغيب بفكره فيما لاقاه من عذابات كبرى لا يستحقها. وهل فى مقدور فنان آخر القيام بذلك الدور فى يوم ما ، لقد أشفق عليه من تعقيدات وويلات ماحدث، فكيف يبث فى الناس كل هذا الهول، وعلى النحو الذى جرى وتتماهى الصور، ويتردد فى اعماقه صدى الصراخ اليومى جراء التعذيب فى السجن لنزع الاعترافات من النزلاء الجدد.
    وترامى لسمعه صوت متهدج ينبعث من نفس معذبة وسرعان ما ميز الصوت فإنه للكلب وقد حل الظلام ولا يراه فاقترب على إثر الصوت فوجده فى حالة يرثى لها. انه مجروح ومصاب فى وجهه وساقه وآثار الدماء تلطخه. وقف امامه مشدوها وتحسس ركبته التى يئن منها، و تعمق فى الكلب المسجى أمامه فوق الأرض الذى يسكن النهر ولا يغادره، ويبدو فى عينيه استغاثة من ألم كبير فى أعماقه، تلك النظرة القاتلة التى لم يرها إلا فى عيون الضحايا خلف جدران الزنازين المغلقة، فشعر بطعنة غائرة لا حد لها.أن يلقى مصير الكلب، أراح ظهره الى الجدار وأغمض عينيه وتسرب داخله شعور غريب بالدونية، وعدم الاستحقاق وتعالى الصراخ داخله، لتلك الأرواح المعذبة، انتابته حالة جنون وارتعشت يداه، أخذ يداور ويناور حول الكلب المسجى على الأرض ويرفرف بيديه ناظرًا للسماء.

    لقد قرر القيام بدوره هو، دون جمهور يصفق ، لم يتمالك جسده المترنح فتهاوى على الارض، فيدبدب ويحنو على الكلب النازف، خلع معطفه ليلقيه عليه، تحمل قسوة البرد ورعشة الصقيع، فلم يكن فى مقدوره من قبل، انقاذ تلك الأرواح المعذبة، قرر ان يعبر الطريق للجانب الآخر ليبحث عن دواء لعلاج الجروح التى ألمت بالكلب ، مر بين السيارات المسرعة كالبرق ، مرفرفًا بيديه، بعيون ذائغة ،حاول مباغتة سيارة قادمه، فاصطدمت به، أردته متهشمًا جسدًا وروحًا. سرعان ما التف حوله الماره،
    قال أحدهم بأسى شديد: الاسعاف انه حى. فأشار رمزى نحو الشاطئ وبصوت متقطع أَََخر كلماته:
    أنا… والكلب.

    عن الكاتب

    كاتب قصة قصيرة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..