أنور المعداوي - علي محمود طه شاعر الأداء النفسي.. - 9 -

( تعتبر بحيرة كومو أجمل البحيرات الثلاث التي ينفرد بها اللمباردي الايطالي، ومن أجمل مفاتن أوروبا التي جذبت إليها كثيراً من الشعراء فألهمتهم أرق أشعارهم وأعذب أغانيهم، وقد زار الشاعر هذه البحيرة متنقلاً من شواطئها ومدنها وأروع جبالها المسمى بالبرونات، فنظم هذه القصيدة التي أهداها إلى أديبة أمريكية صحبته في هذه الزيارة. . .)

وكعادة الشاعر في التقديم بمثل هذه الكلمة النثرية لبعض قصائده، تطالعك هذه المقدمة مصحوبة بهذه القصيدة الفريدة في وصف الطبيعة حول بحيرة كومو الإيطالية. . . ومن الصفحة الثامنة والأربعين من (ليالي التائه) ننقل إليك هذه الصورة الوصفية الأخيرة في إطارها الحسي الأخير:

هيئي الكأس والوتر ... تلك (كومو) مدى النظر
واصدعي يا خواطري ... طربت شقة السقر
ودنت جنة المنى ... وحلا عندها المقر
قد يعثنا بها على ... موعد غير منتظر!
في مساء كأنه ... حلم الشيخ بالصغر
البحيرات والجبال ... توحشن بالشجر
وتنقبن بالغما ...م وأسفرن بالقمر
والبرونات غادة ... لبست حلة السهر
نثرت فوقها الديا ... ركما ينثر الزهر
وعبرنا رحابها ... فأشارت لمن عبر
هاكها قبلة؛ فمن ... رام فليركب الخطر!
فسمونا لخدرها ... زمراً تلوها زمر
في زجاج محلق ... لا دخان ولا شرر
يتخطى بنا الفضا ... ء على السندس النضر
سلم يشبه الصرا ... ط تسامى على البصر
قالى النجم مرتقي ... وإلى السحب منحدر
وحللنا بقمة ... دونها فمه الفكر
بهج في كنورها ... للمحبين مدخر
بابل؟ أم بحيرة؟ ... أم قصور من الندر؟
أم رؤى الخلد ... في الحياة تمثلن للبشر؟
حبذا أمسياتها ... وحنيناً إلى البكر
ونزوعا إلى ... السفين تهيأن للسفر
نسيت شغلها ... القلوب وهللن للسمر
أوجه مثلما رنت ... زهرة الصيف للمطر
أضحيانية السمات ... هلالية الطرر
بتوهجن بالشباب ... وبندين بالخفر
طلعة تسعد الشقي ... وتعطي له العمر
تمنح الحظ من تشا ... ء، وتبقى؛ ولا تذر!
إنما تنظر السما_ء إلى هذه الصور
لترى الله خالقاً ... مبدعاً معجز الأثر!
شاعر النيل طف بها ... غنها كل مبتكر
الثلاثون قد مضت ... في التفاهات والهذر
فتزود من النعيم ... لأيامك الأخر
أين وادي النخيل أم ... قاهرياته الغرر؟
لا تقل أخصب الثرى ... فهنا أورق الحجر!!
هاهنا يشعر الجما ... د ويوحي لمن شعر!!
آه لولا أحبة ... نزلوا شاطئ النهر
ورفات مطهر ... وكريم من السير
لتنميت شرفة ... لي في هذه الحجر
أقطع العمر عندها ... غير وان عن النظر
فلقد فاز من رأي ... ولقد عاش من ظفر
يا ابنة العالم الجديد ... صلي عالماً غبر
في دمى من تراثه ... نفحة البدو والحضر
وأغان لمن شدا ... ومعان لمن فخر!
ما تسرين؟ أفصحي! ... إن في عينك الخبر
الغريبان ها هنا ... ليس يجديهما الحذر
نحن روحان عاصفا ... ن وجسمان من سقر
فاعذري الروح إن طغى ... واعذري الجسم إن ثأر!
نضبت خمر بابل ... وهوى الكأس وانكسر
وهنا كرمة الخلو ... د فطوبى لمن عصر
فيم، والمنبع دافق ... يشتكي الظامئ الصدر؟
ولمن هذه العيون ... تغمرن بالحور؟
بتن يلعبن بالنهى ... لعب الطفل بالأكر
هن أصفى من الشعاع ... وأخفى من القدر؟!
ولمن توشك الثدى ... وثبة الطير في السحر؟!
كل إلف لالفه ... هم بالصدر وابتدر
عض في الثوب واشتكي ... وطأة الخز والوبر
سمة الطائر المعذ ... ب في قيده نقر!!
ولمن رفت المبا ... سم واسترسل الشعر؟
تمر ناضج الجني ... كيف لا نقطف الثمر؟!
ما أبى الخلد آدم ... أو غوى فيه أو عثر!
زلة تروت الحجى ... وترى الله من كفر
كأسنا ضاحك الحبا ... ب، مصفى من الكدر
فاسكبي الخمر وارشفيه على ... رنة الوتر وإذا شئت فاسقنيه على ... نغمة المطر
فلقد يذهب الشبا ... ب وتبقى لنا الذكر!

تلقى أحياناً وجهاً من الوجوه الجميلة فيجذب نظرك، ويستحوذ على فكرك، ويثير من جنبيك مكامن الإعجاب، فإذا غاب عنك ضاعت صورته من الخاطر، وتلاشت فتنته من القل، وتبخرت ظلاله من الذاكرة. وتقرأ أحياناً قصة من القصص الممتعة فيهزك منها طرافة الفكر، وتروعك سلامة العرض، وتبهرك وثبات الأداء؛ فإذا انتهيت منها لم تجد لها أثراً في نفسك، ولا صدى في ذاتك، ولا بقاء في ثنايا الشعور. وقل مثل ذلك عن قصيدة من الشعر، وعن لوحة من التصوير، وعن قطعة من الموسيقى، وعن طرفة بالغة الروعة من طرف الفن الجميل. . . وتسأل نفسك: هذا الوجه الفاتن الذي لقيته، وهذه القصة الممتعة التي تصفحها، وهذه القصيدة الفريدة التي قرأتها، وهذه اللوحة البديعة التي رأيتها، وهذه الموسيقى الرفيعة التي سمعتها؛ هذه الروائع كلها لماذا كانت بنت لحظتها في إثارة إعجابك، ووليدة وقتها في إلهاب إحساسك، وتوأم جوها الزمني في تحريك مشاعرك؟ ونروح تنتظر الجواب وقد يعييك أن تظفر به وأن تهتدي إليه، لأنك حائر بين أشباه ونظائر. . . فهناك في الكفة الأخرى من الميزان روائع أخرى لم تنطو بانطواء الزمن، ولم تنقض بانقضاء الأيام: هناك وجه جذاب لا ينسى، وهناك قصة فنية لا تنسى، وهناك قطعة موسيقية لا تنسى، وهناك لوحة وقصيدة. هناك أصداؤها التي تصافح العاطفة، وترفرف بين الجوانح، وترسب في أعماق الذهن، وتعانق عرائس الخيال.

وفي انتظار هذا الجواب تشعر أن (شيئاً ما) ينقص تلك الروائع الأولى، شيئاً ما يفقدها صفة البقاء في الكيان الشاعر. . . في نفسك. وقد تطول بك الحيرة وأنت تسعى وراء هذا الشيء تريد أن تضع عليه يدك، وأن تخضعه لمنطق العقل، ولسلطان الذوق، ولكل مقياس من المقاييس. وقد يكون مصدر الحيرة أنك تلمس في تلك الروائع فناً قد اكتملت عناصره، وتنوعت مذاهبه، وفاحت منه رائحة النضج وسطعت لوامع النبوغ، تلمس هذا كله ولكنك لا تزال تفتش عن هذا الشيء الناقص. . . الشيء الذي يشعرك فقده بأن بعض الوجوه ما هي إلا تماثيل باردة تنقصها الحرارة، وأن بعض القصص واللوحات ما هي إلا صور هامدة تنقصها الحركة، وأن بعض القصائد والقطع الموسيقية ما هي إلا أصداء تفتقر إلى معاني الحياة

هذا الشيء ما هو؟ هو في كلمة واحدة: (الروح). . . الروح الذي يدفئ برودة التمثال، وينطق صمت الصورة، ويحيي موات الشعر والنغم.

والروح في الفن هو ذلك اللهب المتوهج الذي يحمل إليه الدفء من موقد الحياة وينقل إليه الضوء من مشعل النفس، وهو في هذه الدراسة الفنية آخر حاجز بين أداء في الشعر وأداء، بعد تلك الألوان المتقدمة من شتى الحواجز والفروق. وقد تجد في الشعر الأداء اللفظي شيئاً من الحرارة التي تشعها الألفاظ بين حين وحين، ولكنها حرارة (التكييف الصناعي) لامراء. . . وإذن فلا مناص من التفرقة بين حرارة ذهن ولفظ وحرارة نفس وحياة، أو بين حرارة شعر مصنوع وحرارة شعر مطبوع، أو بين حرارة أداء لفظي وحرارة أداء نفسي، ولا حاجة بك بعد هذا كله إلى أن تسأل نفسك: لماذا كانت بعض الأعمال الفنية بنت لحظتها في إثارة إعجابك، ووليدة وقتها في إلهاب إحساسك، وتوأم حدها الزمني في تحريك مشاعرك، ولماذا لم تنطو بعض الأعمال الفنية الأخرى بانطواء الزمن ولم تنقض بانقضاء الأيام!

بعد هذا تعال نستعرض هذه الأبيات التي قالها البحتري في وصف الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى فكأنه ... يبث حديثاً كان قبل مكتما
فمن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيا منمنما
ورق نسيم الريح حتى حسبته ... يجئ بأنفاس الأحبة نعما

ألا تحس معي أن هذه التهويمة الشعرية في رحاب الطبيعة هي تهويمة ذهن وليست تهويمة نفس؟ تحت لا ننكر أنه شعر يحفل بالجمل، ولكنه جمال من غير روح. ولا ننكر أيضاً أنه شعر ينبض بالحركة، ولكنها حركة ذلك (الإنسان الآلي) الذي لا حياة فيه. . . لو تجاوب البحتري مع الطبيعة ذلك التجاوب ألذ تحدثه الألفة والكلف والهيام والاستغراق، لما اقتصر على هذا الأداء اللفظي الذي خلا من الانفعال الذاتي الصارخ، ولقدم لنا أداء نفسياً يعج بالطاقة الحرارية الملتهبة! إنه رجل يصف مجلي من مجالي الطبيعة والربيع في إبانه، ولكنه أشبه بذلك الظمآن الذي يصف لنا كوباً من الماء المثلج في قيظ الصيف، ثم يغفل عن تسجيل الانتفاضة النفسية التي يحدثها الري بعد انطفاء الظمأ وانتعاش الشعور. هو كما قلنا لك شعر جميل، ولكن أين جمال الوجه من (جمال الروح)؟ أنه شعر (السطوح الخارجية) لمشاهد الحياة!

أليس الشعر الصادق (عملية استقبال) تعقبها (عملية إرسال). هو كذلك على التحقيق. . . ولكننا نريد في هذه المحاولة المذهبية الجديدة في فهم الشعر أن تكون العلمية الأولى عملية استقبال حسية، وأن تكون العملية الثانية عملية إرسال نفسية. أي أننا يجب أن نتلقى المشهد المادي بكل أداة من أدوات الحس، ثم نذيعه بعد ذلك بكل لغة مناسبة من لغات النفس، وبخاصة في هذا اللون الأخير الذي قدمناه إليك تحت عنوان: (الصور الوصفية في إطارها الحسي)، ومنها هذه الأبيات التي قالها البحتري في وصف الربيع!

وتعال مرة أخرى لنستعرض (الجمال الطبيعي)، الجمال الذي تتنفس فيه الروح لا الجمال الذي تصنعه (الأصباغ والمساحيق). . .

إنه هنا في ذلك الشعر الذي يتجاوب مع الطبيعة بالنغم الراقص والشعور الخانق والخواطر الصادحة، ويهتف لها من خلال نشوة الخمر وروعة الغناء:

هيئي الكأس والوتر ... تلك (كومو) مدى النظر
واصدحي يا خواطري ... طويت شقة السفر
ودنت جنة المنى ... وحلا عندها المقر
قد بعثنا بها على ... موعد غير منتظر!

أرأيت إلى عملية الاستقبال في البيت الأول؟ إنها عملية استقبال بدأت بالحواس: حاسة تطلب الكأس، وحاسة تنشد الوتر، وحاسة تنعم النظر. . . وأعقبها عملية إرسال بدأت بالمشاعر: في البيت الثاني خواطر تصدح، وفي البيت الثالث جنة تدنو، وفي البيت الرابع بعث على غير ميعاد! وستعترضك عملية استقبال أخرى حسية في البيت السادس والسابع والثامن والتاسع عندما يقول:

البحيرات والجبال قد ... توشحن بالشجر
وتنقبن بالغما ... م وأسفرن بالقمر نثرت فوقها الديا ... ر كما ينثر الزهر!

ونود أن ترجع إلى الفصل السابق من فصول هذه الدراسة لتلاحظ الفوارق التعبيرية بين الاصطلاحات النقدية، حتى لا يقع في ظنك أن عملية الاستقبال بين الحواس التي تحصى ثم تسجل وبين الحواس التي تتلقى ثم ترسل فارق ملحوظ! وإليك عملية الإرسال النفسيةالثانية التي لا تختلف عن العملية الأولى لحظة من زمان.

وعبرنا رحابها ... فأشارت لمن عبر
هاكها قبلة فمن ... رام فليركب الخطر!

لقد استحال جبل (البرونات) هنا إلى غادة يعبر رحابها كل عاشق من عاشق الطبيعة، وهي لمسة من تلك اللمسات الشعورية التي تترجم في صدق عن لغة النفس، حين تندمج في المنظر المعروض على البصر بكل خلجة من خلجات الوجدان. ومن أبلغ طرق الدلالة على هذا الاندماج أن يتخطى الشاعر مرحلة الهيام من جانب واحد إلى مرحلة العشق المتبادل بين جانبين؛ المتبادل بين الطبيعة وبين هؤلاء السارين في مباهجها يدفعهم الشوق ويلهبهم بالحنين. الشاعر عاشق والطبيعة عاشقة. . . ولكنه هنا يقف على السفح وهي هناك تنتظره فوق القمم، تلوح له بقبلة من القبل المسكرة لتثيره وتغريه، بغية أن يصعد إلى شرفتها الأنيقة في أعالي الجبل شأن كل حبيبة تدعو المحب إلى ركوب الأخطار! وأي محب صادق لا يستهين بالصعاب ولا يهزأ بالأهوال؟ لقد أصاخ هو للنداء واستجاب للدعاء، وصعد مع الصاعدين إلى خدرها الخالد:

فسمونا لخدرها ... زمراً تلوها زمر
وحللنا بقمة ... دونها قمة الفكر!

هل خرجت من أبيات البحتري بشيء مما خرجت به من هذه الأبيات؟ لقد كان موقف البحتري أمام الطبيعة أشبه بموقف رجل أمام حسناء لا يشغله منها غير وصف مفاتنها الجسدية، أما أثر هذه المفاتن في نفسه ووقعها على شعوره فليس لهما في شعره مكان. . . لو تذوق البحتري طعم القبل من ثغر الطبيعة كما تذوقها هذا الشاعر المصري، لا ستطاع أن يزف إلى مشاعرنا ذلك الأداء النفسي الذي لا ينطلق إلا من قلوب المحبين:

بهج في كنوزها ... للمحبين مدخر بابل أم بحيرة ... أم قصور من الدرر.

أم رؤى الخلد في الحياة تمثلن للبشر؟

إن الطبيعة في عدسة البحتري (كادت) أن تتكلم، أي كادت أن تأتي بحركة من الحركات الصوتية وهي الكلام، وهو فر رأينا تصوير لم يبلغ درجة (الفناء الشعوري) الذي يوهم الشاعر أن المرئيات قد انتقلت من مرحلة اللاأرادة إلى مرحلة الإرادة.

ولكن الطبيعة في عدسة الشاعر المصري قد خطت هذه الخطوة الهائلة حين أصبحت الحركة المرئية في حدود الواقع المحس الذي تعبر عنه كلمة (كان) لا كلمة (كاد أن يكون):

لا تقل أخصب الثرى ... فهنا أوراق الحجر!!
ها هنا يشعر الجما ... د ويوحي لمن شعر!!

الحجر هنا أوراق ولم يقل الشاعر (كاد) أن يورق، كما (كاد) الربيع هناك أن يتكلم. . . ترى لمَ لمْ يقل القرآن الكريم: (ورأى جداراً يكاد أن ينقض)؟ لأن الجدار قد بلغ من وهى الأساس وتداعى البناء وشدة القابلية للانهيار ذلك الحد الذي لا تصدق في وصفه كلمة (يكاد)، وإنما تصدق في وصفه كلمة أخرى تهيئ له (الحركة الإدارية) ليبلغ الأداء النفسي منتهاه، ومن هنا كان هذا التعبير القرآني الفذ: (ورأى جداراً يريد أن ينقض)!!

وتنتقل عملية الاستقبال الحسية الثالثة من مجالي الطبيعة المادية إلى مجال الطبيعة الحسية ممثلة في وجوه الحسان؛ تلك الوجوه الرانية رنو زهرة الصيف للمطر، المتوهجة بدم الشباب الذي لا تطفئ جذوته قطرات من الخفر، ذات السمات الأضحيانية والطرر الهلالية. . . وعندما ينتهي الشاعر من هذه الجولة البصرية الواصفة تبدأ على الأثر عملية الإرسال النفسية الثالثة، وياله من إرسال ذلك الذي يرتفع بالشعر إلى مثل هذا الأداء:

إنما تنظر السما ... ء إلى هذه الصور
لترى الله خالقاً ... مبدعاً معجز الأثر!

وفي غمار النشوة الجارفة بين أعياد الطبيعة وأعياد الشعور، لم ينس الشاعر تلك الأدبية الأمريكية التي صحبته في هذه الزيارة. . . لقد استهل بعالمه الغابر، وهي لفتة من لفتاته القومية الرائعة التي يزخر بها شعره، والتي سنفرد لها فصلاً خاصاً من فصول هذه الدراسة.

في دمي من تراثه ... نفحة البدو والحضر
وأعان لمن شدت ... ومعان لمن فخر!

وبأبي الشاعر إلا أن يجمع بين نشوة الروح ونشوة الجسد في مكان، وهكذا كان في واقع الحياة وواقع الفن.

نحن روحان عاصفا ... ن وجسمان من سقر
فاعذرني الروح إن طغى ... واعذرني الجسم إن ثأر!

ويمضي الشاعر بعد ذلك في نفس الطريق معرجاً على الصوى الجسدية المنتثرة على جانبيه، وكم مر بهذا الطريق في شعره وكم عرج على صواه. . . هنا كرمة الخلود فلا حاجة به إلى الخمرة الفانية، وهنا النبع الدافق بكل نزعة عارمة وكل نزوة عاتية.

ولمن هذه العيون؟ إنها للشاعرية الملهمة التي تملك القدرة على أن تقول:

بأن يلعبن بالنهى ... لعب الطفل بالأكر
هن أصفى من الشعا ... ع وأخفى من القدر!

ولمن هذه النهود؟ إنها للجناح المحلق في أفق قل أن نجد له نظيراً في الشعر العربي الحديث. . . هل رأت عيناك منظر الطير حين يثب من أوكاره قبيل الصباح؟ لقد شبه على طه وثبة النهد من الصدر بوثبة الطير من الوكر!! ثم شاء الخيال النادر للنهد الطائر أن يقف الثوب حائلاً بينه وبين الطيران، فراح ينشب منقاره في القيد الحريري متبرماً بوطأته ثائراً على قسوته. . . وكما أن للطير منقاراً فإن للنهد مثل ذلك المنقار:

عض في الثوب واشتكي ... وطأة الخز والوبر
سمة الطائر المعذ ... ب في قيده نقر!!

ويدافع الشاعر عن موقف الإنسانية إزاء الغواية الأنثوية وسلطانها القاهر. واستمع طويلاً إلى هذا المنطق الخلاب لأنه منطق شاعر يجيد الدفاع:

ما أبى الخلد آدم ... أو غوى فيه أو عثر
زلة تورث الحجى ... وترى الله من كفر!

ويقول لصاحبته: (وإذا شئت فاسقنيه). . . وهذا هو الخطأ اللغوي الذي يؤخذ عليه، وسبحان من لا يخطئ! لقد كان على الشاعر أن يقول: (فاسقينيه) لأن الخطاب هنا للمفردة المؤنثة لا للمفرد المذكر. وبهذا الفصل ينتهي القسم الأول من هذه الدراسة وهو القسم الخاص بالناحية الفنية، وفي الفصول المقبلة سنتحدث عن الشاعر كإنسان بعد أن تحدثنا عنه كفنان، رابطين بين شخصيته في واقع الفن وشخصيته في واقع الحياة.

(يتبع)

مجلة الرسالة - العدد 867
بتاريخ: 13 - 02 - 1950




أنور المعداوي
تصنيف:

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى