جمعي شايبي - مالون يموت ___ صامويل بيكيت .

نص فلسفي عميق ، يرسم لنا بسرديته الباذخة الجمال ، خارطة طريق ، تجنبنا مغبة الضياع في مدارات الوهن ، وتذود عنا الشعور باليأس والقنوط ، وتقينا السقوط في مهاوي الضعف السحيقة ، وتبعث فينا روح المقاومة بدل رفع رايات الإستسلام .
إذ يعلمنا العبقري الملهم صامويل بيكيت كيف يكون باستطاعة الإنسان بفعل الكتابة ، الإنتصار على وهنه وعجزه .
فحينما تتواطؤ ضدنا حتى أجسادنا مع كل ما يحوطنا من عناصر محكوم عليها بالفناء ، تغدو الكتابة ملاذنا ، وخلاصنا من مرارة وعذابات وحدتنا القاتلة ، وتغدو سلاحنا الفعال الذي يصنع انتصارنا الأكبر على الحياة والموت .
إذ تمنحنا نصوصنا الجديرة بالقراءة ، خلودا يطوح بنواميس الإنطفاء .
مالون يموت نص يزاوج ببراعة واقتدار ، بين شاعرية مفرطة لا حد لجمالها المبهر ، وبين عذاب وجودي لا يطاق .
إذ يصف المؤلف بأسلوبه الساخر اللاذع ، حالة الإنسان المعلق كقشة ، بين الحياة والموت ، بسبب عجزه ، وشلله شبه التام ، بعدما تحالف ضده جسده مع الشيخوخة والسقم ، فيتجرع مكرها مرارة العجز ، ذلك المذاق المر الذي يسبق موته الوشيك .
إن صامويل بيكيت من خلال هذه التحفة الروائية الخالصة ، يمنح لفعل الكتابة مذاقا حلوا ، رغم أن فواتيرها المكلفة تسدد بالعذابات والمرارة ، ويعطي للأدب فضاءات جمال لا متناهية ، وسماءات فكرية متمادية ، إذ تغدو الكتابة سميره الوحيد وأنيسه الأجمل ، طوال حياة موغلة في وحدة موحشة قاتلة .
إن نص مالون يموت ، لن يكون في متناول أي قارئ ، لا يعمل فيه عقله ، ولا يمنح لتفاصيل سرديته كله .
لكونه نص صعب معقد ، يوجب على المقبلين عليه التمتع بقدرة قصوى ، على براعة تفكيك شيفراته المعقدة ، واستنطاق دلالاته ورمزياته المخبوءة بين سطوره ، إلى آخر صفحة .
لن أعد مالون بطل النص القعيد ، غير محارب تترس بقلمه ، فهزم رغم ضعفه ، جحافلا من جيوش الإنهيار المحتشدة على جبهة جسده ، وقهرها بقوة سرده المبهرة ، وبقدرته الخلاقة على الإبداع .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى