عبد السلام بنعبد العالي - صعوبات الترجمة وفضائلها

يقتحم المترجم ميدانه باحتراس وحذر شديدين. فما إن يتجرأ على التقريب بين اللغات حتى يدرك أنّ مجال بحثه تحفّه كثير من المخاطر، ويتبين صعوبة مرماه وعسر مهمته التي تفرض عليه أن يصون الأمانة في مناخ ليس من المستبعد أن ينزلق فيه المرء ويقترف أشنع الخيانات. ربما لهذا السبب فإنّنا قلما نسمع المترجمين يتبجّحون بانتصاراتهم وتذليلهم لكل الصعاب، وهم ما يفتؤون يبرزون، على العكس من ذلك، مختلف الصعوبات التي اعترضتهم، وأنواع العراقيل التي واجهتهم، وأشكال الفشل التي حاولوا أن يتجاوزوها، أكثر مما يتحدثون عن انتصاراتهم والإنجازات التي حققوها.

لسنا هنا بصدد إبراز أسباب هذا الفشل ومواطن الصعوبة في عملية الترجمة، ما يهمّنا هو مفعول هذه الممارسة العسيرة على المترجم، وأهمية الترجمة مدرسةً للتربية، وأداةً للتحديث ومنفذاً للانفتاح.

فالترجمة هي أولاً وقبل كل شيء درس بيداغوجي. إنّها تمرين على "تذوّق" طعم الكلمات والإصغاء إلى نبرة الألفاظ وإدراك لوينات المعاني، ولمس الفروق الدقيقة التي تميّز اللفظ عن شبيهه، وتفصل المعنى عن مثيله. يجد المترجم نفسه كل لحظة حائرًا متردّدًا متشكّكًا في أمره، موزّعًا بين هذا الاختيار أو ذاك. فهو ما يفتأ يشك فيما انتهجه من سبيل وما تبناه من تأويل، وما اختاره من ألفاظ وما ورد على ذهنه من معان.

بهذا المعنى فالترجمة مشتل لغرس الفكر النقدي بامتياز، إنّها مدرسة للتمرّن على عدم التقبل السّهل والانصياع إلى البداهات، وهي حث دؤوب على الشك المتريث المتفحص بدل اليقين السهل المتسرع.

فضلاً عن هذا البعد التربوي، فإنّ الترجمة أداة للتحديث، تحديث الأصول وتحديث اللغة وتحديث الفكر. فبما أنّها تأويل مستأنف للنسخة الأصل فهي تحويل لها، وإعادة قراءة متواصلة. بهذا المعنى فإنّ الترجمات هي ما يشهد على البدايات المتكررة والمتعثرة للأصل. ذلك أنّ الأصل ما يفتأ يبدأ، ويعاود الصياغة، وهو يُبنى "على التراخي". فهو ليس نموذجًا قارًّا يتهدده النسخ فالمسخ، ولا اكتمالاً سيلحقه النقصان، ولا بياضًا سيعتريه السواد، وإنّما هو انفتاح على إمكانيات غير متوقعة. والترجمات هي ما يفسح له هذه الإمكانات، وما يبعث فيه الحياة بكل ما فيها من سواد وبياض حتى لا يبدو، وكما تريده الميتافيزيقا، وكأنّه أصل طاهر مكتمل سبق كل البدايات، أصل يحمل في طياته معناه الأولي، أصل في غنًى عن كل زيادة ونمو، أصل بعيد عن كل حذف وخدش وتسويد.

ليست الترجمة إذاً انتقالاً من محتوى دلالي قار نحو شكل من التعبير مخالف، وإنّما هي نمو وتخصيب للمعنى بفعل لغة تكشف، بفضل عملية التخالف الباطنية، عن إمكانيات جديدة. إنّها إعادة نظر دائمة في اللغة، فهي إذ تفتحها على خارجها، تمكنها من أن تمتحن ذاتها على ضوء لغات أخرى، فتُعرّضها لامتحان تتلقى فيه دفعًا عنيفًا يأتيها مما هو أجنبي، وهو دفع من شأنه أن ينعشها ويحوّلها فيغير موسيقاها، ويطعم قاموسها بمفهومات وألفاظ ومعان لا عهد لها بها. معنى ذلك أنّ التقريب ما بين اللغات الذي تتوخاه الترجمة هو، في الوقت ذاته، إبعاد، وأنّ الترجمة، إذ توحّد بين اللغات، تعمل بالفعل ذاته على خلق الاختلاف بينها وإذكاء حدته. فليست الترجمة خلقًا للقرابة فحسب، وإنّما هي أيضًا تكريس للغرابة. إنّها ليست وصلاً فحسب، وإنّما هي انفصال وابتعاد، إنّها تقريب الذات من الآخر، لكنها أيضًا فصل بينهما. فالمسافة بين الذات والآخر لا يمكن أن تلغى نهائيًّا، إذ أنّها لو ألغيت لما ظل هناك لا أنا ولا آخر.

هذا الخروج ليس من شأنه أن يرمي المترجم في أحضان الآخر، وإنّما أن يجعله كائنًا سندباديًّا يحيا بين لغات ويعيش بين ثقافات، فيفتح ذهنه على التنقل والهجرة والتجدّد، ويجعل من الترجمة أداة لتمكين الثقافة من أن تمتحن ذاتها على ضوء الآخر، ووسيلة لتعريض الهوية لامتحان تتلقى فيه دفعًا عنيفًا يأتيها مما هو أجنبي، وهو دفع يجعل الذات تشعر بالغربة والغرابة لا أمام غيرها فحسب بل أمام ذاتها. على هذا النحو تغدو الترجمة أداة انفصال للغة عن ذاتها وللثقافة عن نفسها وللأنا عن ذاته. وهي بذلك درس في التربية، وأداة للتحديث، ووسيلة انفتاح وتحرّر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى