محمد البوعيادي - قهوة مع سيوران...

(1)

الصباح.. مقهَى …رسالة على الطاولة… ترشفُ قلبكَ بنكهة البُنّ ليمتد شريط الرسالة أمامك طريقاً من اللَّوز المحروق بالشمس، لم يعد الصبح يعدُ بشيء كثير ولا الشمسُ..و لا شيءْ… الهرُّ المذعور على الرصيفِ يحصي أرجل المارة، القليل من الدفق الضوئي ينسابُ إليك في عتمة المقعدْ…فكركُ المظلمُ كبئر… لم تستفقْ بعدُ..كابوس البارحة :
رجلُ أسودٌ غليظ الخلقة يصحبُ كلبا أجرب ضخم، في أنيابه لعاب يقطر، الزاوية مغلقة و الأسوار عالية ، « جاك » مزّق هذا الظل الطويل.. لما؟ وحده الشيطان الرجيم يعلمْ !!
تقول كما قال ذلك الملعون : « أحلمُ بالرغبةِ لكن كل ما أريده يبدو لي بلا جدوى ».
عيناكَ مُغلقتان..والرسالة مفتوحة، رسالة فتاة عرفتها ذات يوم أمطر ضفادعا وعصف بولا..ماذا تقولْ؟
أحبُّك…تعبتْ..انتهَى.
صباحُكِ مُظلمٌ كوجه الرجل الأسود يا حبيبَتِي ، من تكونينْ؟ وما حاجَتِي إلى نظارات القراءة و الموسيقى هادئة هذا الصباح، شرفة المقهى كنهدٍ كبيرٍ ممدود خارج الجسدْ، لا ريبَ فيكِ أيتها الشمس، ماذا تريد نبيّة الله سَجاحْ أن تقول في الورقة الملساء:
« أنا تعبت »…
كانت العبارة ستبدو أجمل على شاشة الحاسوب، السؤال الذي يحفر الآن في الخلايا الرمادية: لما ورقة ملساء كالتي حبّر فيها الأقدمون مواثيق الإعدام ؟
(سأشتري لك أريكةً لتجلسي..تستدرك: من أين لك المال؟)
تعكير صفو الصباحْ أشبهُ برمي الحصى في بركة آسنة، لا صفو في الصباحات، ماذا يريد العالمُ منك أنت المسجّى على كرسيك تستمع إلى الموسيقى و نادل المقهى يرفع من صوت القرآن في مكبرات القاعة، الصباح سبت و ليس جمعة، أحب الله و لكن لا أحب النّادل الكالح الوجه…
« أنا تعبتُ » …
ماذا أفعلُ أنا..أحمِلُ صخرتينْ؟
يأتيكَ صوت النادل الأسود – يا للمصادفة – :
- لا يمكنك تغيير الكرسي .
- المقفى فارغ ، ما المانع؟
- هذه هي القوانين.
- مرة أخرى سأضع الغِراءَ على مؤخرتي حين أجلس لا تقلق، الآن اذهب …
(لا تُحضر الكلب « جاك » من فضلك)…
تشنق أعقاب السجائر في المنفضة…اليوم الأخير في حياة محكوم بالإعدام..فيكتور هوجو لم يدخّن التبغ الأشقر …يكفيك ذلك لتحس أن العصر الحديث أكثر فتكا من عصور الغليون ومارستانات القرون الخالية….

(2)

قاعة محاضرات أشبه بقسم من أقسام التعذيب في العهد النّازي.
ينظر الأستاذ جيدا :
- الذي تقوله غير ممكن، نحن كنّا …تاريخُنا..نحن فعلنَا ..نحن ضرطنا…نحن الأمة…الأمة نحن…العالم لنَا..ضدّنا…وراءَنا…أمامَنا… !!
الطلبة:
- نعمْ أستاذ…نعمْ أستاذ…نعم أستاذ…هذا ما كنتُ أريدُ قوله.
( لابأس لا بأس..لابأس …لابأس…بقيت خمسة وأربعون دقيقة ..أربعة وأربعون..ثلاثة..)
العربية أفضل لغات الماضي و الحاضر و المستقبل..لأنها الله اختارها..تتذكر ابن حزم الأندلسي..( لا تفضل لغة لغة أخرى إلا بالعمل و الاختصاص)..
تتشابك قضيتك مع قضايا الفصل الذي لست فيه إلا جثة …تتذكر اللغة، اللغة هي الجواب الإنساني على أزمة الخلق الإلهية، سنظل نثرثر إلى أن ينزل الستار وسنرى ساعتها…
الرسالة اللعينة ..لم تقرأها بعد ..السطر الأخير منها : تعبتْ ..انتهى….ضراط /
لا حاجة لك بما قبل الختمة الجميلة، تعرف الكتابة بالعربية لا تنكر ذلك، لطالما قدّرت كل شيء، الذكاء حين الطعنة، الأسلوب حين الألم، لكن ما الفائدة؟ ستبقى مجرد أنثى إلى أن تموت ، لن تحصل على عضو ذكري تهدد به شخصا آخر كما يفعل الأطفال الذكور حين يتشاجرون..
لما تكتبُ لك فتاة درَسَتْ كيفية شطر النّواة بالعربية الفُصحى؟ ، يجيبك الجاحظ، « تحداهم في لغتهم »، مات تحت مكتبة، قتلته الأوراق الصفراء…يا للمهزلة !!
من قال أنّي أريد أن أتحدى أحدا؟ تشطرني نصفين إن فكّرت كما ذرة اليورانيوم…قهوة باليورانيوم ستكون أفضل..من باب المزاح أو العدم..لا أحد يتحدّى أحدا إلا إن لم ينم جيّدا…تذكرت أني لم أنم لمدة ثلاثين ساعة.
لاشيء يمكن أن يقدمه شخص للعالم أفضل من النّوم !! ففيما التحدّي؟، أكان العرب متحمسين إلى هذه الدرجة؟ من أين جاؤوا بذلك الحماس؟ أريد قليلا منه..
تخرج إلى مقهى فيه نادلة ذات مؤخرة جميلة .
تفتح نافذة الجريدة الإلكترونية…مغربيات يطلبن الطلاق بسبب عدم رضاهن الجنسي..تتحسس قضيبك بين يديك..ما الفائدة؟ أنت بقضيبك ولا ترى سببا لكسب حيوان بيوض في غرفتك.. فلما سيفكر رجل تجاوز الخمسين في ذلك؟ إنه الخوف من عقاب الليلْ..أن يأتيك العطش ..بينك وبين الموت خطوتان…ماذا لو كان ابنك نائما و خسئت كل حساباتك الرياضية عن تخصيب النسل البشري ودعوة عمارة الأرض؟ ثم تموت ويتقاسمون بيجامتك المرقطة بعد إجراء قرعة وشجار…
السجائر سبب مباشر للموت تقول لك سيدة في ركن « صحّتك ».
أتركتم صحّة لأحد يا زناة الصّحة؟
تشعل ..تتذكر : الصدر الذي لا تتوجه مدالية ذهبية من الأولمبياد ..أفضل أن تحرق ربّه بالسجائر والحشيش.

(3)

صداع في الرأس…أسبرين؟ لاشيء يفيد في هذا الهيكل الضخم..حالة تخدير دائمة..
تقف أمام نصف مرآة مشروخ..لا تستسيغ وجهك الشائه.
تتحسس جيبك..لابأس هناك ورقة وبعض البقشيش، قطعة صغيرة من مادة الأحلام، تنام و أنت نائم، ثم تنام وأنت صاح، والفرق يعلمه الرّب فقط و لم يُطلع أحدا عليه :
» الفرق بين الجنة والجحيم: النوم في الجنة متاح على الدوام, مستحيل في الجحيم »
مقهى لليوم الثالث..
تشعر بإعياء وإغماء امرأة تلد ، تحك المساحة الكبيرة في مقدمة رأسك.. تتذكر السيجارة وقولة الملعون الذي يشاركك مساحة كبيرة في جمجمتك :
« في كل إغماء ينتابنا إحساس أخير في الله ».
لن تذهب إلى زنزانة الكُلية، ولا إلى أي مكان : خذ الأرض كي تستريح..لكن لا أحد سيعدّها لك هذه المرّة ..
تعود في المساء تجرجر خيباتك المشمسة، الجريدة تحت إبطك، ، على الرصيف لا أحد يجيبك، سلام داخلي سقط منك وأنت تسير ولم تنتبه، كان جيب الألوهة مثقوبا، بسبب تفاحة ملعونة ستظل تجر رجلك في شوارع كل مدينة ترميك فيها الأقدار…
لم تكن لك مشكلة إلا مع ثالوث : النفس، القدر، الموت …
حين سألتك صديقتك الثرثارة وأنتما في منعطف بعيد عن الشيء الذي تريده مستقبلا، قلت لها: القلب اللغوي سيعطيك كلمة أخرى من الفعل « تريده » و هي « تُرديهِ » أي شيء تريده فأنت ترديه قتيلا، في اللحظة التي تريده فيها لا تعود تريده، لم يكن الكون لولا ملل الذات الإلهية من الوحدة السديمية.
الآن في هذا المساء الذي لا ملامح له يأتيك السؤال: ما الذي أفعله هُنا ؟
تجر أقدامك كجندي فرنسي عائد من سهوب روسيا، ترتاح على على الأرض، الغرفة باردة، السقف يبدو بعيدا، يبتعد ويبتعد إلى أن يتوسع كالكون، كون مصبوغ الأطراف ، مربّع، الكون مربّع ، الكافيين يسري فيك كالدّم.
تلك لعنة القهوة بنكهة سيوران ….

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى