ابراهيم الديب - الفنان...

حسن يعده اغلب الناس شخص غريب الاطوار لشغفه وولعه: العزف على آلة الساكسفون التي رفض الدراسة في إحدى كليات القمة ليعمل عازفا عليها لاعتقاده أن الموسيقى التي استخلصته لنفسها هي قانون الكون الباطني التي تربط بين اجزائه وسر تماسكه وتحفظه من التداعي : اما آلة الساكسفون فهي من تلملم شتات نفسه وتنطلق روحه لمعانقة الوجود في حب بعد عزفه عليها وكل أمنياته وأحلامه تتلخص في: العمل عازفا ؛بإحدى فرق زفاف الافراح فبدا حسن بهذا المنطق غريبا من وجهة نظر اسرته بعد جهره برغبته لهم أكثر من مرة، وهذا ما حدا بأسرته بتدبير عملا له في لليونان على احدى مراكب الصيد فهذا أفضل على كل حال من العمل زمارا, كي لا يعيرهم به ناس عزبة البرج.
أثناء تجوله: متخفيا من شرطة اليونان فهو لم يحصل على إقامة بعد ،في إحدى مدنها الساحلية بعد رسو سفينته التي يعمل عليه في ميناءها، بصحبة مجموعة من زملاءه ، وغالبيتهم من عزبة البرج شاهد حسن صدفه محلا يعرض آلات موسيقية، فهرول إليه على الفور بعد خبط الهواء بذراعيه ولف ودار حول نفسه ورجع للخلف يعلن عن فرحته لزملائه وأشار لهم اتباعه، و أصبح بداخل المحل وطلب من صاحبه آلة الساكسفون فرفض لكونها؛ قطعة ثمينة وليست للبيع، و سأل حسن من اي البلاد أنت ولماذا هذه القطعة دون غيرها، وهل تجيد العزف عليها ؟فقال حسن : أنا من دمياط وعازفا محترفا على هذه الآلة منذ الصغر وهي تشبه كثيراً ما كنت أمارس عليها هوايتي الوحيدة في مصر ،فقال له صاحب المحل : سوف أعطيك الآلة خالصة لك ؛إذا أثبت جدارة وامتعتني بعزفك عليها دون مقابل .
فقال حسن: أنا لها, وصاحب المحل يناوله إياها ويخبره أنها من مصر وعزيزة عليه لكونها هدية من شخص يعيش في الإسكندرية من أصوله يونانية ، وحسن غير عابئ بما يقوله الرجل ويواصل في حنو نفضه لغبار راكمته عليها السنين ثم قرب الآلة من ؛صدره في حركة لا إرادية حتى لامست خده وفمه ،وكأن ألفة وود قديم أخذ يتصل بعد وحشة, قبل أن يغيب في نوبة عزف؛ شاركته فيها أشجار باسقة متشحة بالحنان والكبرياء وحومت حوله وانتشرت طيور بيضاء قبل ان يردد الكون الفسيح خلف حسن الذي أفاقت روحه وابصرت جمال الوجود كما يشاهده من قبل..
جذب عزفه الذي نثر في الأثير المارة ، فبدأت حلقة الناس بمرور الوقت تتسع حوله مستمتعين بما يرسل من نغم شجي من قطعة قديمة صدئة ولكن السحر الذي يقبع بداخل حسن كان لها نصيب منه فيعيدها مروة اخرى تؤدي ووظيفتها في الوجود، بعد عثور حسن على من ينصت لفنه و يتماهى مع نغمته غدا احساسه في تلك اللحظة كمن يغترف من سعادة مزيجها السكينة والانسجام والسلام النفسي، ما لا حد له وتغشت روحه وغمر كيانه كل ما سبق ذكره وواصل تحليقه في آفاق لم يرتادها من قبل وسافر بعيدا في الأثير يتواصل مع الخلائق بما تنثر آلته من عزف فريد بالكون الفسيح .

ابراهيم الديب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى