سيد الوكيل - تــرزاكـــــي.. قصة قصيرة

عندما قال لي أنه أيضًا طبيب، جاءني صوته غائرًا ممطوطًا كالآتي من عالم آخر. كان لا يزال محدقًا في الحجر، والجمرات المتوهجة عليه، تلك التي يقلّبها بماشة نحاسية صفراء، مشرشرة من الأمام، ومشغولة على رسم امرأة عارية من الخلف.

يمص أنفاس المعسل فيتوهج الفحم، ويشع ضوءًا يصبغ وجهه بحمرة النار، والمعسل المحروق يصنع مع رائحة العطن التي شممتها منذ دخولي البيت، مزيجًا يعطي المكان خصوصية تتناسب مع النقوش التي في السقف، وفوق الجدران، والبلاط الملون الذي تحت السجادة المهترئة، المبسوطة حتى الباب المشغول بمنمنمات تتناغم مع تعشيقات زجاج النافذة.

كنت تواقًا لرؤية الشقة الشاغرة فتركت عيني تمسحان المكان، وراح أنفي يلتقط الرائحة التي تتجدد كلما تململت، أو تحركت على حرف السرير: عطن فرش مخزون، وعرق قديم، وكمكمة تتركز في هذا السرير، المدقوق بأويما تمثل طفلين من الملائكة المجنحة بينهما قلب، يخترقه نصل نبل. قال:

ـ أنا أيضًا طبيب

كررها، وربما أدهشتني المفاجأة فقلت:

ـ هل تهزل؟

رماني بنظرة ملتهبة من خلال الدخان المتكاثف أمام وجهه، فلاحظتُ دموعًا تلمع فيها انعكاسات الضوء الخافت، المنساب من النافذة الكبيرة، حيث يتشكل الدخان والألوان في الضوء، وتأتي الأصوات من ورش المناصرة، وتتداخل مع كركرة الماء الذي في دورق الشيشة المدندشة كعروس.

في ضوء مصباح الكيروسين رأيت ملامح تحكي عن وسامة قديمة تنسجم مع تراكيب المكان كأنه قطعة منه، ورأيت عمق الشروخ في الجدران، واهتراء الطلاء، فباخ عزمي على استئجار المكان، برغم الإغراء المعلق على ورقة الكرتون بالخارج: بدون مقدم أو خلو.

كان المكان متصدعًا من الداخل، قاب قوسين من التداعي، وهو من وجهة النظر العملية، أصلح مكان لطبيب ناشئ يبحث عن بيئة موبوءة، تصلح لكل الأمراض التي تحملها كائنات الحارة، ذات الوجوه الممصوصة والعيون الذابلة التي قابلتها وأنا أبحث عن العنوان، فقلت لنفسي وقتها، تلك هي المدرسة التي أحتاجها.

تأملت هيئته المنسحقة وهو غارق في سرواله الكاكي المهرول، وقميصه الذي بلا لون، وجسمه الناحل والشعر الهائش في كل وجهه، وهو واقف يقلب في محتويات رف كبير مزينًا بالصدف والعاج الذي تساقط بعضه.

أراني صورًا لأفراد عائلته، وصورة لحفل التخرج، وهو متدثر بعباءة سوداء وقبعة من نوع أكاديمي. وقف طويلاً عند صورة لامرأة ذات شعر أشقر مجعد، وملامح رهيفة كحد الموسى، فرأيت ارتعاش يديه بوضوح، كذلك الذي لاحظته عندما قدم لي كوب الشاي، حتى اصطك في الطبق الصيني المرسوم عليه تاج ذهبي وهلال بثلاث نجوم.

عاد لمكانه فوق الحاشية المهلهلة التي على الأرض، وقرفص أمام الشيشة، وعب من زجاجة السبرتو ذات الزور الضيق والبطن الواسع حتى تناثر وتسرب إلى شعر ذقنه، وتشرّب على قميصه وفاحت رائحته كما حدث عندما أشعل الموقد، ووضع الكنكة النحاسية فوق اللهب الأزرق الصافي.

قلتُ له: أنني جئت لأعاين الشقة الشاغرة، وأن الصالة واسعة، تأخذ عددًا من المقاعد كبيرًا، لكنها بلا نور ولا ماء، قال:

ـ تشرب الشاي أولاً… وتأخذ لك نفسين، ونتكلم.

ثم مد مبسم الشيشة ناحيتي، فرددته إليه بكفي، فالتقمه بين شفتين زرقاوين، وراح يمص ويسعل حتى انقطعت أنفاسه، فخفت أن تطلع روحه.

رأيت الدموع تطفر من بين جفونه المتقرحة، وتسيل على جلد وجهه المدبوغ، وتذوب في إفرازات أنفه، فيمسح بكم القميص ويبتسم، ويحكي عن الفتاة الإنجليزية التي التقطها من حواري أكسفورد، وتزوجها، وجاء بها إلى مصر:” بنت الكلب لم تعرف لنهمها حدودا، نامت للخدم والسرّيحة وحاولت إشباعها لحد الهلاك.. فشلت، قتلتها بيدي هاتين.. في هذه الحجرة من أربعين سنة، وابنتي عصمت هنا تصرخ على هذا السرير الذي لم يغيره الزمن.. كانت آخر مرة رأيت فيها وجهها”.

شعرت برجفة تسري في دمي، وأحسست بتيار بارد يهب من تحت السرير، ويمس ساقي، فضممتهما إلى بعضهما، وتنبهت لنبرة الحزن التي علت في صوته الذي تهدج واختنق. حاولت كتم صوت اصطكاك كوب الشاي في الطبق، فوضعته على منضدة ذات قرص رخامي مستدير مكتظ بكتب ومجلات قديمة، وفازة مكسورة بلا زهور.

ـ خد لك نفسين.. الشيشة دي ملوكي، ورثناها عن جدنا الأول ترزاكي.. بص للشغل والزخرفة..

ولما كنت في حالة لا تسمح لي بالكلام عن الفنون والجماليات وضعت مبسم الشيشة بين شفتي، فابتسم، وبانت أسنانه مثرمة سوداء، ولكني سعلت من أول نفس. فقال:

ـ ظننتك من مهندسي المحافظة، يريدون تطفيشي وهدم هذا المعمار الجميل، لكني لن اتخلى عن آخر دليل على عظمة عائلة ترزاكي.

صارحته بأن البيت آيل للسقوط، تجهم وجهه وتشكلت ملامحه بغضب.

ـ أنت تقول مثلهم.. سكنوه عندما كان أجمل بيت في باب الخلق، وتخلوا عنه الآن.. وراحوا يتكلمون عن عفريت ماتيلدا.

استرجعت صورة المدخل الواسع، والماء الراشح على حجارة الأرضية المتآكلة والدرج المعتم، وصوتي الذي كان يضيع في الظلام والصمت وأنا أنادي عليه، ورائحة العطن التي تفوح في الدرج الرازح تحت أكداس القمامة، وعُلب الصفيح، وزجاجات أحس بها تتكسر تحت قدمي، وأنا أتحسس خطواتي وأتلمس الدرابزين الحديدي البارد الصدئ، وأحدق في عمق بئر السلم، فيبخ في وجهي هواءً باردًا ومزيدًا من العطن.

كل هذا ولم ألاحظ أن البيت بلا سكان غيره!!

وكيف لي أن أعرف؟ وكانت كثافة الظلمة تزيد كلما صعدت درجة، حتى عندما سمعت صوت الباب الذي انفتح، ورأيت اشتعال عود الكبريت الذي مَدَه في بئر السلم.

كنت مشغولاً بالتفكير في الشقة، مشروع العيادة الذي يوجه مستقبلي، وأبحاثي التي أفتش عنها في بطون أطفال الحواري، لكني.. حين رأيت وجهه المحفور في ظلال ضوء الثقاب المرتعش، وشعره الأبيض المغسول باحمرار النار، أحسست أن قلبي يحاول الهروب من ضلوعي، ويخلف المستقبل والعيادة والأبحاث على قمامة السلم.

انقدت خلفه لا أعرف كيف؟ وتجاوزت معه الصالة الواسعة الخالية من الأثاث، وارتحت لضوء النهار الناشع في فراغ النافذة المكسورة التي تطل على مسقط ضيق، وتجاوزت معه الطرقة المخنوقة بأبواب مغلقة على الجانبين، حتى انتهي بي إلى هذه الحجرة، وأجلسني على هذا السرير، وراح يحكي لي عن ماضيه الذي تجرأ عليه الزمان، ويحدثني عن جريمة قتل، وشبح المرأة العارية الذي يظهر كل ليلة خميس يصرخ، صرخات شبقية تسمعها كل الجيران.. ما لي أنا وكل هذا؟

لازلت أسعل من شيشته الملوكي وهذا الوجه الخرب يسخر مني!!

قلت محاولاً التخلص من الموقف: لكن .. شقة بلا ماء ولا نور؟

قال: اسمع.. لن آخذ منك إيجارًا أيضًا.. تكفيني صحبتك، وسوف أمنحك خبرتي كطبيب.

داريت ابتسامتي الساخرة وقلت:

ـ لعلك تحتاج الأجرة.

راح الجمر الذي على الحجر يطقطق، لما سحب النفس العميق، قال:

ـ الأرض التي عليها البيت تساوي ملايين.. ولكن ماذا أفعل بها.. مستعد أن أمنحها لمن يعيد إليّ ابنتي، التي لا أعرف أين هي الآن.

وجدتني أقول: كيف؟

ورحت أسمعه مرة أخرى، وهو يحكي لي عن الأسرة التي هاجرت إلى الخارج بعد الثورة، وأخذت معها ابنته. وحكى، كيف أن أهله خافوا من الاتصال به في السجن، لئلا تعرف لجان الحراسة أماكنهم، فتطاردهم في الخارج، كما فعلوا مع عائلة البرنس نبيل الباز.

امتدت يده إلى زجاجة السبرتو، وذهبت بتلقائية إلى فمه، وفاحت رائحته فكأن الحجرة ماخور من القرون الوسطى.

سقطت دموع، هذه المرة كانت بلا سعال أو دخان، تنحدر فيدس وجهه بين ركبتيه. طالت فترة صمت، قطعها بنشيج عال، وبصق في اتجاه الطرقة المفضية إلى الصالة وقال: لا مؤاخذة.

ثم مد مبسم الشيشة إلى فوضعته بين شفتي، ووجدتني أتزحزح على حرف السرير دون وعي، حتى صرت على الأرض معه، وسمعته يقول:

ـ الحراسة رُفعتْ عن البيت بعد خروجي من السجن.. لكنك كما تراه، ففكرت.. كيف استفيد من هذا الخراب؟ خمسا وعشرين سنة أرقب الثعابين والعقارب في محجر السجن.. عرفت كل أنواعها وألونها، وحيلها في التخفي، مسجون من (أبو رواش) علمني طريقة لصيدها، وأماكن بيعها.. عملائي كلهم علماء وطلبة علم.. مهنة نادرة تكفيني لآكل وأسكر.

كلامه عن المهنة لم يدهشني، كنت أعلم بها، فكرني بعم (سعد البطل) الذي كان يبيع لنا حيوانات التجارب في الكلية، كنا نخشى مصافحته، أو التحدث إليه عن قرب. من جراء مهنته أشيع عن مرضه بالطاعون. جزعتْ نفسي وانتابني خوف، وفكرت في مصدر العطن من حولي، والمبسم الذي وضعته في فمي، وندمت على التورط في العلاقات السريعة، فيما كان هو مستمرًا في كلامه:

ـ أحيانًا أُدْعى لاستخراج ثعبان من أحد البيوت القديمة، الناس يدفعون أي ثمن ليتخلصوا من خوفهم.. أسموني الرفاعي.. اسمي الحقيقي هو (ترزاكي)، لكنها ليست مجرد مهنة، بلا فخر.. أنا صاحب مزرعة ثرية..إذ كيف استفيد من هذا الفراغ؟

قلت مذعورًا: مزرعة.. هنا!!

ـ نعم .. سأطلعك على نتائج أبحاثي عن الطريشة وأم أربعة وأربعين.. هل تعرف الطريشة؟

دخل برأسه تحت السرير، وسحب من خلفي صندوقًا صغيرًا من الكرتون، كشف الغطاء وهو يقول:

ـ هذي مجوعة من الثعبان الأحمر النادر..

فانتفضت وتراجعت إلى أول الحجرة، لكنه تجاهل خوفي وقال بلهجة جادة:

ـ أغلى أنواع السموم.. يسمونه ثعبان كيلوباترا..

كنت قد انتهيت إلى الطرقة المظلمة، ذات الأبواب المغلقة، وتجاوزتها للصالة الواسعة، ورحت أقفز الدرج المتآكل دون لمس الدرابزين، والزجاجات تتكسر تحت قدمي، حتى أن رأيت نور الشارع سمعت صوته يذوب في عتمة بئر السلم.

ـ انتظر.. نحن لم نتحدث عن العيادة..

سيد الوكيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشرت ضمن مجموعة قصص ( أيام هند) عام1990م – مطبوعات نصوص 90 الأدبية

** من مجموعة قصص أيام هند 1990



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى