الدكتور عادل الأسطة - محمود درويش ملف تابع 6 (51..59)

تابع الجزء 6

51- محمود درويش بعد خمسة عشر عاما من الغياب :

- ماذا بقي من محمود درويش بعد ١٥ عاما من الغياب ؟
ما شغلني في الفترة الأخيرة ليس السؤال السابق بل الآتي :
- ما الإشكالات التي أثيرت حوله في السنوات الخمس الأخيرة ؟ هل هي إشكالات تمس موضوعات شعره وجوهره وجمالياته أم أنها تمس شخصه وبعض أسطر التبست على جمهور وسائل التواصل الاجتماعي وبعض من غنوا جزءا منها ؟
أكثر ما كتب عن الشاعر في الفترة المحددة تمحور حول الآتي :
- علاقته بناجي العلي ونص المحادثة التي أوردها شاكر النابلسي في كتابه " أكله الذئب " ، ومقالة سليم بركات حول سر ادعى أن درويش باح له به ، وألبوم كارول سماحة الذي غنت فيه أغنية " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة " ، وعلاقته بريتا وتناقل صورة قديمة له مع فتاة يهودية ، وبداياته الشعرية وأسباب شهرته ، عدا كتابة أصدقائه عن صلتهم به مثل نبيل عمرو وزياد عبدالفتاح .
وكنت في زاويتي كتبت مطولا عن قصيدة " ريتا والبندقية " وتناسلها في الرواية الفلسطينية ، وعن أغنية كارول ، كما كتبت عن مقال سليم ، وعقبت مرارا على نص الحوار بينه وبين ناجي ، تماما كما كتبت عن بداياته الشعرية والقصائد التي حذفها وعن أسباب شهرته .
في السنوات الخمس الأخيرة صدرت الكتب الآتية عنه : د. إبراهيم السعافين : شعر محمود درويش ، تحولات الرؤية .. تحولات اللغة( ٢٠١٨ ) وامتياز دياب ، ميلاد الكلمات ( ٢٠١٩ ) وحسن خضر " مقالات اليوم السابع "( ٢٠١٩ )وبسام قطوس " درويش على تخوم الفلسفة: أسئلة الفلسفة في شعره " ( ٢٠١٩ )وسيد محمود : محمود درويش في مصر، المتن المجهول ، نصوص ووثائق تنشر لأول مرة ( ٢٠٢٠ ) وراشد عيسى " الباشق الذهبي " ( ٢٠٢٠ ) ومحمد عبيدالله " بلاغة المنفى " ( ٢٠٢١ ) ومحب جميل : اسمي العلني والسري ، محمود درويش ، حوارات مختارة ١٩٧١ - ١٩٨٢ ( ٢٠٢٢) وخليل الشيخ : سفر التكوين ، قراءة في بدايات محمود درويش الشعرية ( ٢٠٢١ ) وحسين حمزة : هندسة البدايات ، القصائد المحذوفة لمحمود درويش سنوات حيفا ( ٢٠٢٣ ) ، وقبلها ومنذ وفاة الشاعر تحديدا صدرت عشرات الكتب والدراسات ولا أعرف إن كان متحف الشاعر رصدها وأرشف نتاج الشاعر وما كتب عنه .
سأتوقف أمام السنوات الخمس الأخيرة تحديدا ، فعدا كتاب السعافين الذي تناول دواوين الشاعر تعاقبيا موجزا وكتاب قطوس الذي توقف أمام أسئلة الفلسفة ، توقفت الكتب الأخرى أمام بدايات الشاعر أو جمعت بعض مقالاته من بطون الصحف ، أما الموضوعات الأخرى فلم يصدر عنها أي كتاب ، إذ اقتصر تناولها غالبا في الصحف ، وهنا أستثني دراسة خليل الشيخ فقد تناول فيها علاقة الشاعر بريتا ليس في قصائد البدايات وإنما أيضا في قصيدته اللاحقة " شتاء ريتا " ( ١٩٩١ ) .
لم تغفل بعض الموضوعات السابقة من قبل ، ولكن التركيز عليها بدا لافتا في السنوات الخمس الأخيرة أكثر وأكثر ، فقصائد البدايات لفتت انتباهي وكتبت عنها كتاب " جدل الشعر والسياسة والذائقة "، وجمع ما كتبه من مقالات وما أجري معه من حوارات لفت انتباه محمد خليل فأصدر في ٢٠٠٤ كتابه " محمود درويش : مقالات وحوارات ١٩٦٠ - ١٩٧٠ ، وموضوع ريتا كتب عنه دارسون كثر ؛ من عبدالله الشحام إلى بسام قطوس إلي شخصيا في كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ، وجاء الاهتمام بما ينسب للشاعر من مقاطع ، وببعض القضايا الشخصية ، بعد أن غنت كارول سماحة مؤخرا أغنية " ستنتهي الحرب " وبعد أن نشر بركات مقاله عما أباح له الشاعر به - طبعا على ذمته .
وإذا كانت أشعار الشاعر الأولى هي ما لفت أنظار الدارسين ، فتوقفوا أمام ظاهرة حذفها ورصدوها ودرسوا أهم موضوعاتها وموتيفاتها وأهميتها في مسيرة الشاعر وقارنوا بين صيغها المتعددة ، فإن جمهور وسائل التواصل الاجتماعي لم يهتم بقصائد كاملة للشاعر بقدر ما اهتم بسطر أو مقطع شعري من أشعاره وجعله شعارا له نقشه على بروفيل صفحته ، وهذا ما لفت نظر الروائي عباد يحيى في روايته الأولى " رام الله الشقراء " ( ٢٠١٣ ) فكتب مقاطع جميلة لافتة عن الظاهرة تحت عنوان " في استغلال الغياب " . إن أسطر مثل " ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " و " انتظرها " و " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " و " فكر بغيرك " وأسطر من " لاعب النرد " انتشرت انتشارا لافتا ؛ في المحلات وفي الإذاعة وفي الشارع وفي السيارات وفي .. وفي .. .
ما تجدر ملاحظته هو أن الاهتمام اللافت بدرويش ، بعد وفاته ، كان من أساتذة الجامعات الأردنية ، فعدا الأسماء المذكورة كتب عنه محمد عصفور " درويش ، السياب ودراسات أخرى " ( ٢٠١٧ ) وأحمد الرحاحلة " تجليات الشعرية عند محمود درويش: دراسات أسلوبية في الديوان الأخير " ( ٢٠١٧) وعماد الطراونة " حكاية محمود درويش في أرض الكلام "( ٢٠١٦ ) وشكري عزيز الماضي " شعر محمود درويش : ايديولوجيا السياسة وأيديولوجيا الشعر " ( ٢٠١٣ ) ، واهتم به في فلسطين نبيل طنوس وفراس حاج محمد وحسين حمزة وغيرهم .... ، وما تجدر ملاحظته أيضا إصدار مختارات شعرية من أشعاره كتلك التي اختارها فخري صالح " على هذه الأرض " ( ٢٠٢٢ ) .
في السنوات الخمس الأخيرة أصدر الروائي إلياس خوري الجزأين ؛ الثاني والثالث من " أولاد الغيتو " وقد حضر محمود درويش فيهما ، كما في الجزء الأول ، حضورا لافتا ، حضر أكثر ما حضر في الحديث عن علاقته بريتا وجماليات قصائده والمثنى فيهما .
وفي ختام المقال أتساءل : هل كل ما بقي من الشاعر علاقته بناجي العلي وريتا اليهودية وبعض أسطر هي المذكورة بالإضافة إلى " سجل أنا عربي " و " عابرون في كلام عابر " ؟
مجرد تساؤل !!
انتهى المقال .
×××××××××××××××××××××
أنظر عادل الأسطة :
- بين ريتا وعيوني ، في كتاب " أدب المقاومة .. " ١٩٩٨ .
- محمود درويش : حذف البدايات وقصائد أخرى / ١٩٩٩ - ٢٠٠٠ .
- محمود درويش عصافير بلا أجنحة ، الأيام الفلسطينية ١٢ / ٨ / ٢٠١٢
- رام الله الشقراء .. النص في سياقه التاريخي ، ٢٠ / ١ / ٢٠١٣ .
- محمود درويش ووليد سيف : التأثر والتأثير ، ٢٥ / ١٢ / ٢٠١٦ .
- القمر سقط في البئر لوركا ودرويش وسيف ، ٨ / ١ / ٢٠١٧ .
- امتياز دياب ومحمود درويش وميلاد الكلمات ، ٢٩ / ٩ / ٢٠١٩ ، مدار نيوز .
- حول كتاب راشد عيسى ينظر مقالي في الأيام الفلسطينية ١٧ / ١٠ / ٢٠٢١ .
- حول كتاب حسن خضر ينظر مقالي في موقع " عرب ٤٨ فسحة ثقافية " ١٢ / ١٢ / ٢٠١٩ .
- زياد عبد الفتاح وصاقل الماس ، الأيام الفلسطينية في ١٥ / ١٢ / ٢٠١٩ .
- حول المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني ، أنظر مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية في ١٢ و ١٩ و ٢٦ حزيران ٢٠٢٢
- حول أسطر أغنية كارول سماحة " ستنتهي الحرب " أنظر مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية في ١٤ /٨ / ٢٠٢٢ و ١٢ و ١٩ و ٢٦ / ٣ و ٢ و ٩ / ٤ / ٢٠٢٣ .
( ملاحظة : أورد دكتور شكري عزيز الماضي في كتابه الصادر في ٢٠١٣ قائمة بعناوين كتب صدرت عن محمود درويش تقارب ٨٣ عنوانا ، وبعد إمعان النظر فيها لاحظت غياب الكتب الآتية :
- فاروق مواسي ، محمود درويش : قراءات في شعره ، ٢٠٠٩ .
- خليل قطناني ، شعرية المكان في ديوان محمود درويش ، مقاربة نقدية ، ٢٠١٢ .
- ليانة بدر ، تغريدة الشاعر ، أثر المكان على الهوية في أعمال محمود درويش ٢٠١٣ ( رسالة ماجستير في جامعة بير زيت )
- عائدة فحماوي ، في حضرة غيابه : تحولات قصيدة الهوية في شعر محمود درويش ، ٢٠١٣ .
- مها عتماوي ، البحر في شعر محمود درويش
- محمود مرعي ، التجريب وتحولات الإيقاع في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢
- عبد الرحيم الشيخ ، رسالة ماجستير في جامعة بير زيت ، الآخر في شعر محمود درويش
- عاطف أبو حمادة ، الصورة الفنية في شعر محمود درويش ، غزة ، ١٩٩٨ .
- محمد صلاح أبو حميدة ، الخطاب الشعري عند محمود درويش ، ٢٠٠٠ .
- عبدالله رضوان ، الآخر في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢
- حسين حمزة ، معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢ .
- صفاء عبد الفتاح محمد المهداوي ، الأنا في شعر محمود درويش : دراسة سوسيوثقافية من ١٩٩٥ - ٢٠٠٨ ، ٢٠١٣ .
- سليمان جبران ، الإيقاع في شعر محمود درويش : نظم كأنه نثر ، ٢٠١٧ .
- نبيل طنوس ، اقتفاء أثر الفراشة : دراسات في شعر محمود درويش ، ٢٠١٩ .
"
الاثنين ٣١ / ٧ / ٢٠٢٣
الأربعاء ٢ / ٨ / ٢٠٢٣

***

52- زكريا محمد ومحمود درويش :

لا يخفى على قراء المرحوم زكريا محمد موقفه من شعر محمود درويش وعمله معه في مجلة الكرمل . لقد أفصح زكريا عن رأيه كتابة ، وتناقل محبوه ما كتب ؛ اقتبسوه أو أعادوا إدراجه .
لن أكتب قصيدة خارجة من رحم القصيدة الدرويشية . لن استخدم مفرداته ومجازاته وصوره ، على الرغم من أنني قاريء لشعره .
وحين عمل زكريا في الكرمل مع محمود عبر عن وجهة نظره لدرويش علنا .
ما سبق صار معروفا مألوفا ، ولكن ألم يتحاورا معا وهما في مركز خليل السكاكيني في قضايا أدبية تسللت إلى نصوصهما ، ما أدى إلى تشابه في بعض الآراء والأفكار والرؤى الأدبية ؟
لا بد من أن يفحص المرء نتاج الشاعرين ؛ الشعري والنثري ، للوصول إلى نتيجة ما قد تؤكد التأثر أو تنفيه ، أو على الأصح التقاطع في النصوص .
في العام ٢٠٠٣ نشر محمود درويش ديوانه " لا تعتذر عما فعلت " ونشر فيه قصيدته " تنسى كأنك لم تكن " وفيها يرد :
" أنا للطريق ... هناك من سبقت خطاه خطاي
من أملى رؤاه على رؤاي ، هناك من
نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية
أو يضيء لمن سيأتي بعده
أثرا غنائيا .. وحدسا
....
....
لكن قيل ما سأقول
يسبقني غد ماض . أنا ملك الصدى .
لا عرش لي إلا الهوامش . والطريق
هو الطريقة . ربما نسي الأوائل وصف
شيء ما ، أحرك فيه ذاكرة وحسا "
وفي العام ٢٠٠٣ نشر زكريا روايته " عصا الراعي " وفيها نقرأ كلاما شبيها حد التطابق .
ولأن العملين صدرا في العام نفسه فلا يقين أو دليل على أن أحدهما قرأ الثاني وتأثر به . ربما تناقشا في الفكرة وصاغها كل منهما ؛ درويش شعرا وزكريا نثرا .
اقرأوا المقطع ٢٨ من رواية زكريا :
" العالم نص واحد
الحياة نص واحد
الإنسان نص واحد .
أنا هامش على متن قديم . هامش على متن معروف . هامش على هامش على هامش . لا أحد ينشيء متنا جديدا . الحياة لا تملك أن تنشيء متونا . المتون كلها وضعت من قبل . لا شيء سوى التعليقات والحواشي . من له أهمية ما ينشيء هامشا . حياتي أنا هامش على متن من سطرين "
( من محاضرتي التي سألقيها في نابلس في ٢١ / ٨ / ٢٠٢٣ ، بمناسبة رحيل الشاعر في ٢ / ٨ / ٢٠٢٣ )
مساء الخير
خربشات عادل الاسطة
١٣ / ٨ / ٢٠٢٣ .

***

53- خواطر حول الغموض في شعر درويش

يكتب الدكتور عادل ابو عمشــه في المقدمة التي صدر بها مختاراته من شــعر الانتفاضة (180 قصيدة ل 100 شاعر) ما يلي :

"هذا الوضوح وهذه المباشرة التي ميزت عددا غير قليل من قصائد الانتفاضة كانت على العكس من ذلك في دواوين الشعراء الفلسطينيين في أوائل الثمانينات حيث غلفوا كثيرا من دواوينهم بغلاف رمزي لا يكاد يستشف منه شيء، وربما كانت دواوين محمود درويش (ورد أقل، هي أغنية وحصار لمدائح البحر) أمثلة على ما نقول " (ص 30).

وكنت كتبت، ذات نهار، مقالا نشرته في جريدة القدس بتاريخ 31/5/1992 تحت عنوان "ليس دفاعا عن محمود درويش" ذهبت فيه غير المذهب الذي سار فيه الدكتور ابو عمشة. وظلت ظاهرة الغموض الملصقة بأشعار الشاعر تبرز أمامي وأنا أقرأ اشعاره أو وأنا ادرسها بين الفينة والفينة، وتحديدا قصائد
"ورد أقل"، وكنت أتساءل عن الغموض فيها، الغموض الذي لا يستشف منه شيء تحديدا، اذ ما من شك في أن المرء يلمس بعض غموض في اشعار درويش. وكانت تساؤلاتي تزداد كلما اصغيت الى الطلبة الذين يشكون، في أول قراءة لهم للنص، من عدم وضوحه .

لقد درست ، ذات نهار، قصيدة "أنا يوسف يا أبي" . وتساءلت، كما سألت الطلبة ، ان كان المرء حقا لا يستشف منها شيئا !! ووجدتني أقول للطلبة: يتمثل الشاعر في هذه القصيدة قصة النبي يوسف عليه السلام. وليست القصة بمجهولة، فقد وردت في العهد القديم "تكوين"، كما أن هناك سورة في القرآن
الكريم تقص قصة يوسف مع اخوته وأبيه وزوجة الوزير. وتمثل درويش لها ليس تمثلا كاملا، فقد وقف عند جانب معين منها هو ما فعله اخوته به - أعني اخوة يوسف-، ولم يأت الشاعر على "ما هو" ابعد من ذلك، فلم ترد في القصيدة اية اشارة الى سفر يوسف الى مصر واقامته في بيت العزيز ومراودة زليخة له وما نجم عن ذلك من سجنه أولا، والافراج عنه ثانيا، ثم تعيينه وزيرا ثالثا …الخ. لقد اكتفى درويش ، اذن ، بجانب واحد من القصة هو موقف اخوة يوسف منه وانعكاس ذلك نفسيا عليه.

شخصيا لا أرى ان هناك أدنى غموض في هذه القصيدة التي تكونت من عشرة اسطر شعرية نظمها الشاعر موظفا تفعيلة فعولن. لقد عبر من خلالها عن ألم يوسف وحسرته لما فعله اخوته به دون أن يكون له ذنب في ذلك، ويشعر قاريء النص ان مبدعه اعاد صياغة هذا الجانب من القصة شعرا، موظفا صورا جديدة لا تبدو في نصي العهد القديم والقرآن، وان كان يقتبس من القرآن (إني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين).

وسألت الطلبة من هو يوسف الذي يتكلم في هذه القصيدة. ووضعت احتمالات عديدة هي :

- قد يكون يوسف هو يوسف لا غير ، فانطقه الشاعر متمثلا حالته .

- وقد يكون يوسف هو الشاعر الذي يرى اخوانه الشعراء يحسدونه .

- وقد يكون يوسف هو الانسان الفلسطيني الذي يشعر باضطهاد اخوته من أبناء آدم، وتحديدا من اخوانه العرب الذين يرون فيه عبئا عليهم يريدون التخلص منه.

- وقد يكون يوسف قاريء النص الذي يشعر باضطهاد ما بين آهله وعشيرته، وهذا القاريء قد يوجد في أي مكان وفي أي زمان.

ولم تكن احداث ايلول 1996 ، في حينه - اي في حين تدريس النص - لأعقب على اذاعة النص بصوت مرسيل خليفة من دار الاذاعة الاسرائيلية التي كررت اذاعته يوم آلم بالاسرائيليين المقيمين في مقام النبي يوسف ما ألم لترى في يوسف محمود درويش الجنود الاسرائيليين الذين كانوا هناك. وهذا أمر ما اعتقد فلسطيني انه يمكن، ذات نهار، أن يكون.

وما من شك في أن قراءة النص استعانة بما هو خارج النص، وتحديدا بمعرفة القليل عن الشاعر والقضية الفلسطينية وعلاقة الفلسطينيين بالعرب في زمن نظم القصيدة، ما من شك في ان هذا سوف يرجح الحالة الثالثة، ليصبح يوسف هو الفلسطيني واخوته هم العرب. لقد نظم الشاعر القصيدة بعد الخروج من بيروت، ونشرها مع مجموعة قصائد تعبر عن تلك المرحلة، واختار عنوانا لافتا للنظر ليتصدر صورة الغلاف للديوان الذي ضمها وهو "ورد أقل". ولقد قال درويش ما يريد قوله عن الراهن من خلال استلهام التراث وتمثله ولكنه، في الوقت نفسه، عبر عن تجربة انسانية تتكرر مع اي انسان على هذه الارض، وبذلك اضفى على القصيدة بعدا انسانيا.

واخترت لطلبة مساق الادب الفلسطيني الحديث قصيدة "رأيت الوداع الاخير" وطلبت منهم أن يبدوا رأيهم فيها، ونظرت الى وجوههم آملا أن أرى فيها ما يوحي باستعداد واحد منهم للاجابة، فما رأيت. ولعلهم وجدوا الصعوبة كلها في السطر الشعري الاول الناص:

رأيت الوداع الاخير : سأودع قافية من خشب

ولعل عبارة " قافية من خشب" قد حيرتهم وأعجزتهم عن فك مغاليق النص، ولعلها صرفتهم عن النظر الى باقي الاسطر الشعرية التي بدت واضحة وضوحا تاما. وكم دهشوا عندما قلت لهم : الأمر بسيط ولا يحتاج الى إمعان نظر، فالقصيدة ليست احجية او لغزا. وسألتهم : بم توضع جثة المرء ؟ وتابعت : أليس النعش الذي يصنع من خشب هو نهاية مطاف المرء؟ وثمة تشابه ، اذن، بين النعش والقافية التي
هي نهاية البيت الشعري. ومحمود درويش- كما تعرفون- شاعر وله صلة وثيقة بالقافية، وقد اصيب، ذات مرة، بنوبة قلبية فقد، على اثرها، الحياة لدقائق، وذكرته هذه بنهايته، وتخيل جثته في تابوت، فكتب من هذا ولم يقل كلاما عاديا يقوله المرء العادي: سأودع نعشا من خشب وانما قال : سأودع قافية من خشب!

وكنت ، ذات صباح، أسير في الشارع متجها صوب الجامعة، واذا بأحد الطلبة يسألني : يا أستاذ ماذا تفهم من قول محمود درويش عندما يخاطب الشهداء:
تصبحون على وطن ؟
فأجبته : الأمر بسيط جدا.؟ نحن نقول للمقربين منا حين نذهب الى ا لنوم: تصبحون على خير، ولا يكون الخير، كما يرى الشاعر وأرى وكما ينبغي ان يكون، الا اذا كان هناك وطن، وبدلا من أن يقول الشاعر: تصبحون على خير، وهذا تعبير مكرور مألوف عادي جدا يقوله أي انسان، قال درويش : تصبحون على وطن، تاركا المجال لمخيلتنا حتى تنشط وحتى لا تظل خاملة كسولة من ناحية، وحتى يقول كلاما متميزا يليق به من حيث هو شاعر من ناحية ثانية . ولم يقل الشاعر عبثا المقطع التالي من قصيدة "تعاليم حورية" :

وأنشأ المنفى لنا لغتين:

دارجة .. ليفهما الحمام ويحفظ الذكرى

وفصحى .. كي أفسر للظلال ظلالها !

وألاحظ أن كثيرا من الذين يكتبون أو يتحدثون عن ظاهرة الغموض في شعر محمود درويش ينظرون الى القصيدة كما لو أنها معنى فقط، ولا يرون فيها ضربا من القول يتكون من عناصر عديدة يعتبر المعنى واحدا منها، ولذلك اجدني أقول للطلبة، بداية كل فصل دراسي، حين ادرسهم نصا شعريا حديثا، ان القصيدة تتشكل من المعنى والموسيقى والصورة الشعرية واللغة الشعرية، وقد يعجب المرء بقصيدة معينة لجمال ايقاعها، تماما كما يعجب بقطعة موسيقية يصغي اليها لا تقول ، علىصعيد المعنى،
كلاما مفهوما.

ويلاحظ، من خلال الامثلة التي اوردتها، أن سبب الغموض، في أشعار الشاعر، يعود الى عدم لجوئه الى قول المعنى بأسلوب مباشر، والى التعبير عنه بالقول غير المباشر، وذلك باللجوء الى لغة الظلال او الصورة الشعرية. وهكذا نراه يبتعد عن استخدام المفردات الدارجة التي يفهمها الحمام، ويكثر من استخدام لغة الظلال البعيدة عن المعنى القاموسي تاركا للقاريء استناج معناها من خلال السياق. وقد لاحظت هذا بكثرة في شعره، وتتبعت مفردة (قمر) لأجد أنها وردت أكثر من (150) مرة، قبل اصداره ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا ؟" ، بمعان مختلفة، وهذا ما أعكف، الان، على دراسته، وهو ما أنجزه، بايجاز، الناقد شاكر النابلسي في كتابه عنه "مجنون التراب"، وقد يعود سبب الغموض في شعر درويش الى ثقافته الواسعة واطلاعه على كتابات أدباء من غير العرب، فهو قاريء جيد لآداب الأمم الاخرى ابتداء من أساطيرها وانتهاء بنصوص روائييها المعاصرين، وهذا ما يبدو واضحا من خلال
كتاباته النثرية مثل الرسائل التي كتبها وأرسلها الى سميح القاسم. وما من شك في أن هذه الثقافة ستجد طريقها الى شعره، بوعي منه أو بغير وعي. ويذكر الشاعر نفسه، في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون ونشرها في العدد الثالث من مجلة "مشارف" (تشرين الأول 1995) انه "من الذين يدققون في مصادرهم التاريخية" عندما يكتب قصيدة في التاريخ، فقد قرأ، عندما كتب قصيدة "احد
عشر كوكبا" قرابة خمسين كتابا عن الاندلس، كما اطلع في فترة انجازه قصيدة "الهندي الاحمر" على عشرين كتابا عن تاريخ الهنود الحمر وأدبهم، بالاضافة الى قراءة نصوصهم الادبية وخطبهم. انه يقوم بدراسة لأن المعلومات ضرورية للشعر . (ص102)

ويحتاج المرء، بناء على ذلك، حين يود ان يفهم قصيدة الشاعر، الى الالمام بالموضوع الذي كتبت فيه، الماما كافيا. ومن هنا، مثلا، نجد نحن فرقا واضحا بين قصيدتي الشاعر "سنختار سوفوكليس" من ديوان "احد عشر كوكبا" و "من روميات أبي فراس" من مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيدا؟". وتبدو ظاهرة التواصل، للقراء العرب، مع القصيدة الاولى، مختلفة عنها مع القصيدة الثانية، باستنثاء اولئك القراء المتخصصين في الثقافة الاغريقية او المطلعين عليها اطلاعا جيدا. ويعود السبب في ذلك الى المام القاريء العربي ، بشكل عام، بالمادة التاريخية للقصيدة الثانية التي - أي المادة التاريخية - هي جزء من تراثه الذي درسه في المدارس، وهذا ما لم يتحقق للمادة الفكرية الادبية لقصيدة
"سنختار سوفوكليٍس" الا لقاريء مثقف ثقافة واسعة كما ذكرت. وسوف يتبدد الغموض، في أثناء قراءة القصيدة الثانية، عندما يطلع المرء على النصوص التي كتبها (سوفوكليس) ويعرف ماذا يعني للشاعر. وهذا يعني ان الغموض، هنا، لا يعود الى كون شعر الشاعر مجرد طلاسم وألغاز، وإنما يعود، كما ذكرت ، الى عمق فكر الشاعر واتساع ثقافته.

هل يعني ما سبق أن أشعار الشاعر كلها قابلة للفهم اذا ما وسع المرء من أفقه وألم بعلم البلاغة واطلع على المادة التاريخية والأدبية والفكرية التي قرأها الشاعر؟

شخصيا لا أعتقد ذلك، وأرى أن هناك غموضا ما يبقى، ولكنه ليس بالكثير. وفي قصائد الشاعر، وهذا ما يميزه عن كثير من شعراء الحداثة، يحضر الموضوع او الفكرة. ثمة موضوع في كل قصيدة، تقريبا، يعرفه القاريء وان لم يفهم القصيدة كلها من ألفها الى يائها، اذا أراد ان يقرأها كما كان يقرأ الشعر القديم. ويعترف محمود درويش نفسه بهذا، ويرى ان ثمة غموضا لا يستطيع هو تفسيره. يسأله عباس بيضون في المقابلة المشار اليها سابقا السؤال التالي :

"- شعرك واضح الى حد الغموض بل الى حد الاستغلاق احيانا. في بعض شعرك لا نصدق ان شاعرا يعتقده قراؤه قريبا الى هذا الحد يضعهم، ودون أن ينتبهوا غالبا، في حالة من ابهام كامل كمثل قولك: "أعرف ما يحزن قلبك المثقوب بالطاووس".

فيجيب درويش :

"من شروط العمل الشعري أن تكون العلاقة بين الصورة والايقاع وبقية العناصر محكمة". وما من مقاييس لذلك. ما من معايير لتحديد كمية الملح في القصيدة وكمية السماء وكمية القمر. هنا يأتي دور الموهبة والناقد الذي يختبيء داخل الموهبة. لا بد من علاقات دقيقة وتبادلية بين عناصر القصيدة. ثمة احيانا سريالية محببة اذا اتسع النص لها فلا بأس من الخروج لوضع وردة أو زهرة أو نبتة أو آلة موسيقية على مسمع من القصيدة. لكنها تأتي الى القصيدة من الشارع، من غرفة الجيران. "القلب المثقوب بالطاووس" بالنسبة لي صورة في منتهى الوضوح. لكني لا أعرف كيف أفسرها. نعرف كيف يفرش الطاووس غروره ويطلق بذلك احتفالا لونيا. اذ ذاك يثقب أي قلب. أما كيف يحدث ذلك فلست أعرف ! إنما الصورة أعجبتني " (ص 93).

ويسأله ايضا :

"أفهم من ذلك أن تجد الصورة معادلا يمكن تخيله .. لكن الاستغلاق هنا نابع من كون الصورة لا تملك هذا المعادل".

فيجيب :

"الصورة ليست دائما ذات مرجع ذهني. قد أكون راجعا من حديقة الحيوانات والطاووس. أعني ألوانه، مروحته اللونية، اخترقتني.." ويتابع "وليس عندي دفاع علمي عن هذه الصورة".

وبعد، فهذه مجرد خواطر حول ظاهرة الغموض في شعر هذا الشاعر الذي تغرينا أشعاره بألف قراءة وقراءة!!.

***

54- محمود درويش: القراءة وإساءة القراءة

في ١٤/ ٩/ ٢٠٢٣ أدرجت الشاعرة والصحافية سهام داوود على صفحتها قصيدة محمود درويش «سيناريو جاهز» ومعها صورته وصورة أخيه وكتبت:
[كتبها بعد حوار سياسي عميق مع شقيقه نصوحي درويش - في إحدى زياراته القليلة نسبيا إلى بيت والدته (لضرورات التأشيرة غالبا) حضرت النقاش الذي كان يجريه دائما مع شقيقه هذا بالذات - عاد في الزيارة اللاحقة حاملا نسخة من جريدة «الأيام» التي نشر على صفحاتها هذه القصيدة.. مد يده بالصحيفة إلى شقيقه قائلا، «خذ هذه قصيدتك».
وفهمنا قصده حالا. أنشرها بذكرى رحيل نصوحي الثانية]
ولما قرأت ملاحظتها أشرت إلى زكي درويش عله يبدي رأيا، فلم يبد، وكتبت لها:
«بناء على ملاحظتك هذه فإن القراءات العديدة للقصيدة تحتاج إلى إعادة نظر فيها. حين يقرأ المرء القصيدة بعيدا عن ملاحظتك ينصرف ذهنه إلى تأويل مختلف تماما، ولذلك قدم رشاد أبو شاور للقصيدة قراءة ترى أن من في الحفرة هما فلسطيني وإسرائيلي.
هل هناك مقابلات مع الشاعر تؤكد على ملاحظتك؟ من القراءات مثلا قراءة ترى أن الشخصين هما فلسطيني وإسرائيلي وأن الأفعى هي إيران».
فأجابت:
«- لا. ولست بحاجة لكي أبحث. لست بحاجة إلى تعزيز ما أكتب من وقائع/ حقائق».
إجابتها جعلتني أعقب:
«- لك ذلك ولكن إن كان هناك ما يعزز ملاحظتك فإنها تكتسب قوة وتضعف القراءات المختلفة الرافضة لموقف درويش في القصيدة كما فهمته القراءات».
فعادت وكتبت:
«- هما فعلا فلسطيني وإسرائيلي وهذا كان موضوع الحوار بينه وبين شقيقه. لماذا فهمت بشكل مختلف من منشوري؟»
الجدل بيني وبينها دفع مجدي عاشور إلى أن يعقب:
«- لا أظن أنه من الممكن تأويل الأفعى وكأنها إيران. هل محمود سطحي إلى هذا الحد ليفكر في إيران ولدينا مليون أفعى في صراعنا/ تعايشنا المشترك في الحفرة التي وجدنا فيها أنفسنا؟؟».
أما الكاتبة حنان باكير فكتبت:
«- فهمت القصيدة/ السيناريو بينهما على أنهما فلسطيني وإسرائيلي».
بعد يومين أدرجت سهام داوود القصيدة بصوت الشاعر وأضافت:
[ألقى الشاعر القصيدة بعدها بفترة قصيرة في آخر أمسياته في «رام الله» - في ١ تموز ٢٠٠٨، وكنت حضرتها بدعوة منه - وكانت ضمن احتفالية رام الله المدينة بمئويتها وكان عنوان الاحتفالية: «وين ع رام الله»-]
فعقبت: «العدو هو الإسرائيلي. هذا واضح تماما».
ووافقت سهام بإشارة إعجاب.
ولما كتبت في الأسبوعين الأخيرين عن كنفاني وحبيبي وعن القراءة وإساءة القراءة فقد تساءلت عن نصيب درويش منها، وله فيها نصيب أتيت عليه في مقالات كثيرة ولم أستثن نفسي.
ترى ما هي أسباب إساءة قراءة أشعار الشاعر؟ أمردها القصائد أم القارئ أم الشاعر؟ وإن كان هو مسؤولا عن سوء التفاهم فأين تكمن مسؤوليته؟
من خلال متابعة حثيثة لمسيرة درويش وأشعاره وما كتب عنها خلصت إلى الآتي:
تفوق إساءة قراءة أشعار درويش إساءة قراءة كنفاني وحبيبي، وأهم سبب في ذلك هو طبيعة الجنس الأدبي، فالشعر يحفل بمجازات واستعارات وصور قد توجد في الرواية ولكن بشكل أقل، وفيما عدا ذلك يتشابه الأدباء الثلاثة إلى حد ما. صحيح أن كنفاني كان في مواقفه السياسية أكثر وضوحا، ربما بسبب موقعه الذي حتم عليه اتخاذ مواقف حاسمة لا تردد فيها ولا ضغوط للمساومة والمناورة. وهكذا لم يكن لديه ازدواجية في كتاباته الأدبية والسياسية، فقرئ سياسيا وأدبيا دون إرباك.
بالإضافة إلى ما سبق فإن بعض التغييرات التي يجريها الشاعر على بعض قصائده، كحذف بعض الأسطر أو الإهداء أو إعادة صياغة قصائد ما أو استبدال كلمة بأخرى (قصيدة «تحت الشبابيك العتيقة» و»أحد عشر كوكبا»)، وخطأ الدارس في قراءة مفردة ما (كأن تقرأ كنبة نكبة) أو التنقل بين الضمائر أو إسقاط القارئ معطيات زمنه على النص المقروء ترك أثرا واضحا على قراءات عديدة (قراءة قصيدة «رحلة المتنبي إلى مصر» التي كتبت في ١٩٨٠ ونشرت في مجموعة في ١٩٨٣، واعتماد المجموعة وزمن نشرها أوقع الدارسين في تأويل القصيدة كما لو أنها كتبت في حرب بيروت ١٩٨٢ أو بعدها).

***

55- محمود درويش : القراءة وإساءة القراءة

في ١٤ / ٩ / ٢٠٢٣ أدرجت سهام داوود على صفحتها قصيدة محمود درويش " سيناريو جاهز " ومعها صورته وصورة أخيه وكتبت :
[" كتبها بعد حوار سياسي عميق مع شقيقه نصوحي درويش - في إحدى زياراته القليلة نسبيا إلى بيت والدته ( لضرورات التأشيرة غالبا ) حضرت النقاش الذي كان يجريه دائما مع شقيقه هذا بالذات - عاد في الزيارة اللاحقة حاملا نسخة من جريدة " الأيام " التي نشر على صفحاتها هذه القصيدة .. مد يده بالصحيفة إلى شقيقه قائلا : " خذ هذه قصيدتك " .
وفهمنا قصده حالا . أنشرها بذكرى رحيل نصوحي الثانية ]
ولما قرأت ملاحظتها أشرت إلى زكي درويش عله يبدي رأيا ، فلم يبد ، وكتبت لها :
" بناء على ملاحظتك هذه فإن القراءات العديدة للقصيدة تحتاج إلى إعادة نظر فيها . حين يقرأ المرء القصيدة بعيدا عن ملاحظتك ينصرف ذهنه إلى تأويل مختلف تماما ، ولذلك قدم رشاد ابوشاور للقصيدة قراءة ترى أن من في الحفرة هما فلسطيني وإسرائيلي .
هل هناك مقابلات مع الشاعر تؤكد على ملاحظتك ؟ من القراءات مثلا قراءة ترى أن الشخصين هما فلسطيني وإسرائيلي وأن الأفعى هي إيران".
فأجابت :
" - لا . ولست بحاجة لكي أبحث . لست بحاجة إلى تعزيز ما أكتب من وقائع / حقائق".
إجابتها جعلتني أعقب :
" - لك ذلك ولكن إن كان هناك ما يعزز ملاحظتك فإنها تكتسب قوة وتضعف القراءات المختلفة الرافضة لموقف درويش في القصيدة كما فهمته القراءات " .
فعادت وكتبت :
" - هما فعلا فلسطيني وإسرائيلي وهذا كان موضوع الحوار بينه وبين شقيقه . لماذا فهمت بشكل مختلف من منشوري ؟ "
الجدل بيني وبينها دفع مجدي عاشور إلى أن يعقب:
" - لا أظن أنه من الممكن تأويل الأفعى وكأنها إيران . هل محمود سطحي إلى هذا الحد ليفكر في إيران ولدينا مليون أفعى في صراعنا / تعايشنا المشترك في الحفرة التي وجدنا فيها أنفسنا ؟؟ " .
أما الكاتبة حنان باكير فكتبت :
" - فهمت القصيدة / السيناريو بينهما على أنهما فلسطيني وإسرائيلي".
بعد يومين أدرجت سهام داوود القصيدة بصوت الشاعر وأضافت:
" ألقى الشاعر القصيدة بعدها بفترة قصيرة في آخر أمسياته في " رام الله " - في ١ تموز / يوليو ٢٠٠٨ ، وكنت حضرتها بدعوة منه - وكانت ضمن احتفالية رام الله المدينة بمئويتها وكان عنوان الاحتفالية :" وين ع رام الله )) - ]
فعقبت : " العدو هو الإسرائيلي . هذا واضح تماما " .
ووافقت سهام بإشارة إعجاب .
ولما كتبت في الأسبوعين الأخيرين عن كنفاني وحبيبي وعن القراءة وإساءة القراءة فقد تساءلت عن نصيب درويش منها ، وله فيها نصيب أتيت عليه في مقالات كثيرة ولم أستثن نفسي . كتبت مرة مقالا عنوانه " القراءة وإساءة القراءة : جدارية محمود درويش ثانية " ( الأيام الفلسطينية ١٢ / ٣ / ٢٠١٣ ) توقفت فيه أمام قراءتي سطرا من جدارية درويش في العام ٢٠٠٠ ، أسأت فيها القراءة ، ثم قدمت قراءة جديدة أدق وأصوب .
أولى كتاباتي عن إساءة القراءة لأشعار درويش كانت في ١٩ / ٩ / ١٩٩٦ " والشاعر أيضا ينسى " ( الأيام ) وثانيتها كانت في ٤ / ٩ / ٢٠٠١ " قراءات أشعار محمود درويش : ملاحظات "( الأيام ) ، وثالثتها كانت في ٢٩ / ١٢ / ٢٠٠٧ " درويش وأثر الفراشة : العمى والبصيرة ( الأيام ) ، وكان الشاعر ، حين يقرأ تأويلات لشعره لا تروق له يخاطب في شعره النقاد ، طالبا منهم ألا يسيئوا تفسيره " [ إلى ناقد : ] لا تفسر كلامي / بملعقة الشاي أو بفخاخ الطيور " ( ديوان " حالة حصار " ٢٠٠٣ ) و " يغتالني النقاد أحيانا يريدون القصيدة ذاتها/ والاستعارة ذاتها / ... يغتالني النقاد أحيانا /وأنجو من قراءتهم ،/ وأشكرهم على سوء التفاهم / ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة " ( أثر الفراشة ٢٠٠٧ ) وقد توقفت أمام المقطعين في غير مقالة ودراسة ( " العودة إلى قراءات محمود درويش ٧ / ١ / ٢٠١٨).
ترى ما هي أسباب إساءة قراءة أشعار الشاعر ؟ أمردها القصائد أم القاريء أم الشاعر ؟ وإن كان هو مسؤولا عن سوء التفاهم فأين تكمن مسؤوليته؟
من خلال متابعة حثيثة لمسيرة درويش وأشعاره وما كتب عنها خلصت إلى الآتي:
تفوق إساءة قراءة أشعار درويش إساءة قراءة كنفاني وحبيبي ، وأهم سبب في ذلك هو طبيعة الجنس الأدبي ، فالشعر يحفل بمجازات واستعارات وصور قد تنوجد في الرواية ولكن بشكل أقل ، وفيما عدا ذلك يتشابه الأدباء الثلاثة إلى حد ما . صحيح أن كنفاني كان في مواقفه السياسية أكثر وضوحا ، ربما بسبب موقعه الذي حتم عليه اتخاذ مواقف حاسمة لا تردد فيها ولا ضغوط للمساومة والمناورة . وهكذا لم يكن لديه ازدواجية في كتاباته الأدبية والسياسية ، فقريء سياسيا وأدبيا دون إرباك .
بالإضافة إلى ما سبق فإن بعض التغييرات التي يجريها الساعر على بعض قصائده ، كحذف بعض الأسطر أو الإهداء أو إعادة صياغة قصائد ما أو استبدال كلمة بأخرى ( قصيدة " تحت الشبابيك العتيقة " وفيها حذف الإهداء و " أحد عشر كوكبا " وفيها استبدل لفظة بأخرى ) ، وخطأ الدارس في قراءة مفردة ما ( كأن يقرأ لفظة الكنبة النكبة ويفسر النص كله على أساس المفردة كما قرأها لا كما هي في القصيدة ) أو التنقل بين الضمائر أو إسقاط القاريء معطيات زمنه على النص المقروء ترك أثرا واضحا على قراءات عديدة ( قراءة قصيدة " رحلة المتنبي إلى مصر " التي كتبت في ١٩٨٠ ولم يكتب الشاعر فيها عن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ونشرت في مجموعة في ١٩٨٣ ، واعتماد المجموعة وزمن نشرها أوقع الدارسين في تأويل القصيدة كما لو أنها كتبت في حرب بيروت ١٩٨٢ أو بعدها وفسرها على أنها تأتي على الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي).
الاثنين
١٨ / ٩ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٤ / ٩ / ٢٠٢٣ )
( ملاحظة :
الأمثلة على إساءة القراءة لأشعار درويش تبدو واضحة في المقالات والدراسات المشار إليها وفي كتابي " جدل الشعر والسياسة والذائقة ؛ دراسة في ظاهرة الحذف والإضافة والتغيير في شعر محمود درويش " وفي دراستي " إشكالية قصيدة القدس " في كتابي " القدس في الأدب العربي).

عادل الأسطه

***

56-محمود درويش وقصيدته " القربان " :

قبل ثلاثة أيام أدرجت في صفحتي الرئيسية قصيدة محمود درويش " القربان " مرتين ؛ مرة يقرؤها بصوته وثانية نص القصيدة . وكنت مهدت للإدراج بربطها بغزة ، متسائلا إن كانت هي القربان .
لفت انتباهي تعليق كتبه توفيق أبو سعدة يخص القصيدة - إن كانت شعرا - ويخص تلقيها أيضا ، نافيا أن تكون شعرا ومتسائلا إن كان لها فهم واحد . إنه يرى أنها لن تصمد للزمن ،فهي تتكيء على عكازات ما إن تزول حتى تزول القصيدة . ( اقرأوا التعليق في صفحة Adel Al-osta ) .
شخصيا عدت إلى القصيدة لكي أكتب عنها تحت عنوان " هوامش من وحي ما يجري في غزة : هل غزة هي القربان ؟" .
بعد قراءتين سريعتين للقصيدة التي ظهرت في العدد 66 من مجلة " الكرمل " ( ٢٠٠١ ) تذكرت قصيدتي محمود درويش " أحمد الزعتر " ( ١٩٧٦ ) و " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) .
من هو القربان في القصيدة ؟
هذا هو ما سأجتهد لتأويله في ضوء القصيدتين المشار إليهما ، قارئا نص الشاعر في ضوء نصوصه الأخرى .
مرة قدمت ورقة لمؤتمر النقد الأدبي في جامعة اليرموك ( ٢٠٠٠ ) عنوانها " قراءة في سطر شعري لمحمود درويش " ، وأظن أنها من الأوراق الجادة المعتبرة ، والسطر هو " وتحذر الفقراء من لغة الصدى والأنبياء " ، وهو من قصيدة " نشيد إلى الأخضر " من ديوان " أعراس " ( ١٩٧٧) .
خربشات ٢٥ / ٨ / ٢٠٢٥

***

57- محمود درويش وتخليص الشعر مما ليس شعرا

و حين يقارن المرء الصيغة الأولى لقصيدة محمود درويش نشيد إلى الأخضر » التي ظهرت ، ابتداء ، في مجموعة « أعراس » ( (۱۹۷۷) بصياغتها التي ظهرت في طبعات المجموعة نفسها اللاحقة، مثل طبعة دار العودة الخامسة الصادرة عام ۱۹۹۳، أو طبعة الأعمال الكاملة الصادرة عام ۱۹۹۹ (ط)، يلحظ المرء خلو القصيدة من الأسطر الشعرية التالية:
" وأنا أكتب شعرا، أي - أموت الآن، فلنذهب أصول الشعر وليتضح الخنجر ولينكشف الرمز . الجماهير هي الطائر والأنظمة الآن تسمى قتلة » .
وإذا ما اعتمد المرء على المقابلات التي أجريت مع الشاعر لإيجاد تفسير لهذا الحذف ، فإنه يكرر مقولة الشاعر التي وردت في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون، وكانت نشرت في العدد الثالث من مجلة « مشارف » الصادرة في حيفا في تشرين الأول من عام ۱۹۹۵، وفيها بقول درویش:
ليس للشاعر أن يقدم برامج سياسية للقارئ. وهذا التمييز يسمح لي بإعادة النظر في قصائد كتبتها وقصائد أكتبها الآن. باعدام قصائد كاملة بحثا عما أسميه الخلاص الجمالي من الأزمة التاريخية المعاصرة» (ص۹۲).
وليست هذه هي المرة الأولى التي يقول فيها درویش هذا، فلقد كتب، من قبل، مقدمة لأعماله الكاملة الصادرة عام ۱۹۸۷ عن دار العودة، أتى فيها على ظاهرة الحذف في أشعاره، ومما ذهب إليه :
«لا أخجل من طفولتي الشعرية، ولكن الطفولة شيء، والمراهقة شيء آخر، وهذا هو المبرر الوحيد على قطع بعض أجزاء من جسدي الشعري». (ص).
ويتضح أن درویش أخذ في فترة لاحقة يخلص الشعر مما ليس شعرا، لأنه لا يريد أن يقدم برامج سياسية للقارئ. كان، من قبل، يقتطع أجزاء من جسده الشعري لأنه رأی فيها حماقات، وليس بالضرورة أن تكون الحماقات حماقات سياسية، فقد تكون أيضا حماقات شعرية، ومن يطلع على الأشعار التي حذفها درويش يدرك أن الحذف لم يكن دائما ذا أسباب سياسية. لقد كان تخليه عن مجموعته الأولى عصافير بلا اجنحة» (١٩٦٠ ) يعود لأسباب فنية جمالية، فيم حذف أكثر قصائد «أوراق الزيتون» (۱۹۹۹) لأسباب جمالية وعقيدية سياسية، وأخذ في فترة لاحقة يتخلص من القصائد التي يكون فيها للشعار السياسي حضور بارز، وهذا ما يقوله هو مرارا، وما قاله بوضوح في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون:
لم أدرج " عابرون في كلام عابر " في مجموعة شعرية لحرصي كما قلت دائما على تخليص الشعر مما ليس شعرا. أعني مما ليس في صلب العملية الشعرية. وتمييز النص الشعري مما يرسم له من وظائف اجتماعية، أي تخليص الشعر من السياسة المباشرة، دون أن ننسى أن ليس في الوسع قراءة نصي الشعري، بشكل عام، من دون الرجوع إلى مستوى سياسي، فهو مستوى أدافع عنه ولا أعتذر عنه».
وكلام درویش هذا صحيح وغير صحيح. صحيح حين يقرأ «عابرون في كلام عابر» معزولة عن بقية شعره، وحين ينظر أيضا في الأسطر الشعرية المقتبسة في بداية هذه المقالة ، وغير صحيح حين يمعن المرء النظر في الأعمال الكاملة التي أشرف الشاعر على طباعتها، وصدرت في طبعاتها الأخيرة. ومن يقارن «عابرون في كلام عابر » و الأسطر المحذوفة من " نشيد إلى الأخضر " بقصيدتي « بيروت » (۱۹۸۰) و «مديح لظل العالي» (۱۹۸۳/۸۲) يلحظ أن المستوى السياسي في الأخيرتين ذو حضور لافت للنظر، حضور يفوق الحضور السياسي في " عابرون في كلام عابر" والحضور السياسي في الأسطر الوارد اقتباسها. فهل تخليص الشعر مما ليس شعرا هو الدافع إلى حذف «عابرون..» والأسطر الثلاثة ؟ ولماذا حذف الشاعر هذه الأسطر ولم يدرج «عابرون..» في أعماله الكاملة، علما بأنه أدرجها في كتاب نثري واختار عنوانها عنوانا له؟
ذلك السؤال الذي يثار، ويقدم درويش، باستمرار، إجابات توضح سبب عدم إدراجه نصه في أعماله الكاملة، وسبب كتابته هذه القصيدة، وآخر الإجابات تلك التي وردت في المقابلة التي أجراها معه ( يعقوب بيتسر ) والشاعر محمد حمزة غنایم، وفيها يقول درویش : هذه القصيدة لم تكتب كقصيدة. هي قصيدة كتبت بدافع من الغضب اللامحدود عندما شاهدت في التلفزيون الفرنسي كيف يقوم جنود إسرائيليون بتحطيم عظام فتية فلسطينيين بالحجارة. هذه أشهر صورة في العالم، وهي ترمز إلى ما نتعرض له من قمع. كتبت ذلك النص کاحتجاج، كما لو كانت
حجرا، لكنها لم توجه ضد اليهود الإسرائيليين، إنها ضد المحتلين. هذه قصيدة انتفاضة، وهي لا تعكس صوتي الخاص، بل هي الصوت الجماعي لشعب غاضب ومقاوم للاحتلال. ومن الطبيعي أن يطالب المحتل بالانصراف ( مجلة الشعراء، عدد ۸، ربيع ۲۰۰۰، ص۲۹۲ ).
ولا أريد أن اناقش خطورة هذا الكلام لذي لا يعد درویش فيه نفسه فلسطينيا، قدر ما أريد أن أشير إلى أنه كتب قصيدة " بيروت " وقصيدة « مدح الظل العالي » في ظروف مشابهة. كانت بيروت تدمر، وكانت الطائرات الإسرائيلية تقصفها بالقنابل الفراغية، وكان هذا أيضا أمام عدسات التصوير، فلماذا إذن لم يحنف هذه من أعماله الكاملة ؟ أعني « مديح الظل العالي » التي ( عاد وأضاف إلى عنوانها الرئيس عنوانا فرعيا هو «قصيدة تسجيلية» ولماذا لم يدرج «عابرون...» ویکتب أمامها «قصيدة انتفاضة» وهذا مما أشار إليه في المقابلة التي اقتبسنا نصا منها قبل اسطرة قراءة القصيدة . من حق درویش أن يغير ويبدل في بناء قصيدته، وهو حين يفعل ذلك إنما يتبع سنة سنها الشعراء العرب الأقدمون منذ الجاهلية، وقد أشار إلى ذلك أحد الشعراء القدامى حين قال:
نثقفها حتى تلين فنونها ، فيقصر عنها كل ما يتمثل
ومن حق الدارس أن يتوقف أمام هذه الظاهرة. ومن حق هذا أيضا أن يثمن موقف الشاعر الذي لا ينكر ما يقدم عليه. ودرويش، حين يفعل هذا، إنما يمكننا من تطبيق مناهج نقدية أخرى إضافية لم يطبقها الذين درسوا أشعاره، و أعني هنا تطبيق المنهج التكويني الذي يدرس النص في مراحله العديدة، منذ مرحلة تشكله في ذهن صاحبه حتى صيغته النهائية لتي ارتضاها الشاعر، وقد يفيد هذا في دراسة البنية الأولى والنهائية للنص، والفقرات المحذوفة وأسباب حذفها، وحالة الشاعر النفسية في أثناء الصياغة الأولى وحالته النفسية في أثناء الصياغة النهائية، ولغة الشاعر والتطور الذي طرأ عليها، وخاصة حين يكتب نصه بعد سنوات، ومواقف الشاعر الفكرية وما ألم بها من تغيرات.
في كتابه «معايشة النمرة وأوراق أخرى » يأتي جبرا إبراهيم جبرا على رسائل الأدباء وضرورة الاهتمام بها، ویری أن دراستها مهمة جدا، ويبدي بعض الأسباب لذلك، ومما يورده :
" يكتب الأديب رسائله مدفوعا بحماسات اللحظة الآنية، أو حاجاتها، أو ضروراتها، دون أن يفكر بأن ما يكتبه لصديق أو قريب أو حبيب سيجد طريقة يوما إلى النشر . أي أن معظم ما يكتبه الأديب من رسائل يحمل النبرة الشخصية الآنية، ونحن ، كقراء ودارسين فيما بعد ، نجد في هذه الأكتوبات الذاتية والتي قد تكون في الأكثر عجالات لم يعطها صاحبها الكثير من التأني والروية، قيمة عامة بما تتكشف عنه من إشارات ومفاتيح ودقائق تساعدنا على المزيد من فهم الفترة التي عاشها الأديب، وفهم الوشائج لخفية وغير المنطوقة بين يوميات حياته وتفاصيل ابداعاته » (ص۲۱).
والعبارة المهمة هي: «أي أن معظم ما يكتبه الأديب من رسائل يحمل النبرة الشخصية الآنية»، وهي عبارة يمكن أن نفيد منها ونحن نقف أمام ظاهرة الصبغ العديدة للنص الدرويشي، وهنا تحديدا نص « نشيد إلى الاخضر ».
إن الصيغةالأولى ، الصيغة التي وردت فيها الأسطر الثلاثة التي حذفت فيما بعد، هي صيغة ذات نبرة آنية. لقد كتب الشاعر قصيدته عن حدث عاشه لحظة كتابته، وكان شاهدا عليه. لقد تطابق الزمنان الكتابي والشعري - أقصد هنا الزمن المكتوب عنه في النص - أي زمن الأحداث -، وقد أشار الشاعر إلى هذا، حيث أن زمن كتابة الشعر كان يتزامن وزمن الموت والدمار " وأنا أكتب شعرا - أي أموت الآن» ، فيم أعاد النظر في النص بتمعن وتأمل وروية، زمن لا حضور للموت فيه، زمن يمكنه من تخليص الشعر من السياسة حيث لا تطغي هذه عليه، وهي لا تشعره بأنه قد يموت، الآن، بانفجار أو قذيفة، وهنا لا يتزامن زمن الكتابة والزمن الشعري. انتهى الثاني ومر دون أن يموت الشاعر موتا بيولوجيا، وإن كان مات موتا نفسيا في حينه. لقد حل محل الزمن الكتابي وما كان يجري فيه زمن آخر يمكن الشاعر من التفكير بشيء آخر غير الموت، زمن يمكنه من التفكير بالجمال، وهكذا حنف الشاعر أسطره ، وليس هناك من شك في أننا ونحن ندرس القصيدة نأخذ بالحسبان الزمنین، زمن الكتابة الأولى وزمن إعادة الصياغة، وهذا يجعلنا نخوض في تفاصيل عديدة.
شهد زمن الكتابة الأولى الحرب الأهلية في لبنان، وكان الشاعر هناك، في بيروت، قريبا من الفدائي الذي يقاتل، وكانت الأنظمة العربية صامتة على ما يجري. أما الشاعر الذي لم يكن يحمل السلاح، ولم يكن قادرا على إيقاف المجازر، فلم يقو إلا على كتابة الشعر، وإنجاز هذا أمام الفعل النضالي ليس إلا ضربا من الموت النفسي. ولأن الفدائي إنسان بسيط، وقد تكون ثقافته محدودة، فليس أمام الشاعر إلا أن يكتب شعرا واضحا يقول فيه الحقيقة عل الفدائي بترداده يواصل الدفاع والمقاومة، وهذا ما لا ينجزه الشعر الرمزي، ومن هنا صرخ الشاعر :
" فلتذهب أصول الشعر.. ولينكشف الرمز. "
ولم يكن أمام الشاعر، في حينه، وهو في بيروت، إلا الانحياز للثورة وقول الحقيقة كما تبدت له. ولم يكن الزمن الذي أعاد الشاعر فيه النظر في القصيدة مشابها للزمن الأول، ولم يكن في حالة مواجهة النظر في القصيدة مشابها للزمن الأول، ولم يكن في حالة مواجهة ساخنة تدفعه إلى قول ما قال يوم كانت الثورة تحاصر وبيروت تدمر ومخيم تل الزعتر يباد أمام سمع الدنيا وبصرها. ولأن المرء لا يعرف بالضبط متى أجرى الشاعر التغيير، ومتى حذف الأسطر، فإن المرء لا يستطيع أن يتمادى في تفسيره ويتهم الشاعر بأنه ماشى النظام العربي وهادنه ، حتى يسمح له هذا النظام بالدخول إلى بلده. ولأن المرء لا يعرف أيضا إن كانت أشعار الشاعر تخضع للرقابة وتمنع من دخول هذا القطر العربي أو ذاك لعبارات كهذه، فإن المرء لا يستطيع أن يتهم الشاعر أو الناشر بالنفعية، وأنهما إنما أقدما على ما أقدما عليه حتى يسمح بتسويق الديوان في الأقطار العربية. وكتب درویش عموما تحفل بعبارات تهاجم النظام العربي بعبارات أقسى من هذه المحذوفة وأشد وقعا. ومع ذلك يبقى السؤال قائما، لماذا أقدم الشاعر على حذف هذا المقطع الأنه أراد أن يخلص الشعر مما ليس شعرا؟
إن قال المرء نعم، فقصائد درويش التي اختارها لتشكل أعماله الكاملة ما زالت تحفل بعبارات مثل هذه؟؟ فيما أنجزت من دراسات عن الشاعر حول ظاهرة الحذف والتغيير، في السنوات السبع الأخيرة، توقف أمام هذه الظاهرة توقفا فيه قدر من المساءلة، ومع ذلك فإنني أعتقد أنني لم أقل كل شيء، وإن كان ما كتبته يشكل أساسا مهما للخوض في هذا الشأن، ولعل دارسين آخرين بكملون ما يرونه نقصا.
عادل الأسطة

***

==============================

- ج1
1- أتذكر السياب
2- ظلال الشاعر: محمود درويش وإلياس خوري
3- شتـاء ريتـا الطـويـل...
4- عكا ودرويش وأنا!..
5- يا شاعري محمود.. وداعاً
6- امتياز دياب ومحمود درويش: "ميلاد الكلمات" ٢٠١٩
7- أدب العائدين: حيرة العائد/ محمود درويش ثانية..
8- أحلام مستغانمي ومحمود درويش
9- محمود درويش والسجن
10- صورة الفنان في شبابه: محمود درويش كما صوره معين بسيسو

***

- ج2
11- محمود درويش .. امرؤ القيس والمتنبي وأبو فراس "في ذكرى ميلاده"
12- شتـات: كل ما كان منفى
13- محمود درويش: مفهوم جديد للبطولة
14- سقط الحصان عن القصيدة سقط القطار عن الخريطة
15- سقط الحصان عن القصيدة (2) صهيل الخيول على السفح
16- طللية البروة... طللية الوطن
17- "لا القوة انتصرت ولا العدل الشريد"
18- هل قرأ الشاعر محمود درويش القاصة سميرة عزام؟
19- محمود درويش والقدس وسؤال المجندة
20- القدس ثانية… وماذا بعد؟… ماذا بعد؟

***

- ج3
21 - صدق فراشاتنا… لا تصدق فراشاتنا..
22- إشكالية القراءة ... إشكالية النص قراءة في سطر شعري لمحمود درويش
23- حسن خضر ومقالات درويش في "اليوم السابع"
24- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الأول
25- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الثاني
26- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الثالث
27- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الرابع
28- زياد عبد الفتاح: "محمود درويش... صاقل الماس"
29- هوامش لنهاية العام
30- العودة إلى قراءات محمود درويش

=================

- ج4
31- محمود درويش و ( بابلو نيرودا ) :
32- حزيران.. واتساع رقعة المنفى محمود درويش في نزل على بحر
33- قصيدة نزل على بحر محمود درويش
34- محمود درويش و( نيتشة) وتمجيد الحياة فوق الأرض
35- محمود درويش ونيتشة:
36- محمود درويش و زرادشت ونيتشة
37- في ذكرى محمود درويش: تناسل ريتا في رواية "على شواطئ الترحال"
38- "صورة الفنان في شبابه: محمود درويش كما صوره معين بسيسو"
39- محمود درويش ومراحله الشعرية : ( المقالة كاملة )
40- محمود درويش و(يفتشنكو)

***

- ج5
41- كارول سماحة ومحمود درويش و " ستنتهي الحرب"
42- العـرس الفلسطيـنـي: والدة الشهيد التي تنتظر ابنها
43- ستنتهي الحرب وقد ينتهي النقاش: برتولد بريخت أم محمود درويش؟
44- ستنتهي الحرب: "والله يا أمي إني أكره الحرب"
45- الحرب والانتظار في الأدب السوفيتي: وحدة الأدب العالمي.
46- إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجاً (ملف/6)
47- تخليص الشعر مما ليس شعراً
48- اغتيال محمود درويش نقدياً : شعرية المكان في ديوان محمود درويش
49- محمود درويش بعد خمسة عشر عاما من الغياب :
50- أمنية : محمود درويش

***

58- سيمياء العنوان في ديوان محمود درويش "لا تعتـذر عما فعلـت"

بين يدي الديوان
يتكون ديوان "لا تعتذر عما فعلت" من ستة أقسام يشكل الأول أكثره. لقد حمل عنواناً واحداً هو "في شهوة الإيقاع" وضم سبعا وأربعين قصيدة، لكل واحدة منها عنوان، فيما احتوى كل قسم من الأقسام الخمسة الباقية على قصيدة واحدة، هي: "طريق الساحل"، "لا كما يفعل السائح الأجنبي"، "بيت من الشعر/ بيت الجنوبي"، " كحادثة غامضة"، "ليس للكردي إلا الريح" والثلاثة الأخيرة مخصصة لأمل دنقل و (بابلو نيرودا) وسليم بركات. وقد عرف درويش هؤلاء الشعراء، وكان في السبعينات رثى (بابلو نيرودا) ولم يدرج قصيدة الرثاء في أية مجموعة من المجموعات الشعرية السابقة.
الديوان ودواوين درويش السابقة:
حين يفرغ القارئ من قراءة هذا الديوان، يتذكر مجموعتي درويش "ورد أقل" (1986) و "هي أغنية... هي أغنية" (1986). هنا، في القسم الأول، سبعة وأربعون نصا، وهناك في "ورد أقل" خمسون نصا. هنا تتشكل القصيدة من صفحتين أو ثلاث، وهناك تتشكل من عشرة أسطر. هنا يغلب على القصائد تفعيلة البحر الكامل، وهناك، إلا واحدة، يغلب عليها تفعيلة فعولن. هنا يختار درويش الكلمة الأولى، أو السطر الأول، أو العبارة الأولى عنواناً للقصيدة، وهو ما فعله أيضا هناك. وإذا كان هناك اختلاف فهو، اختلاف يعود إلى تطابق الزمنين: الشعري، والكتابي أو اختلافهما. في "لا تعتذر عما فعلت" يكتب درويش عن أزمنة مضت، فيما كتب في "ورد أقل" عن زمن معيش. أعني أن الشاعر لم يسترجع في "ورد أقل" أزمنة مضت لقد كان يكتب عن الحاضر الذي يعيش، وخلافا لهذا نلحظه في مجموعته الجديدة يسترجع أزمنة مر بها قبل سنوات من الزمن الكتابي الذي يعيش.
أما القصائد الخمس الأخيرة، فهي، طولا، تذكر بقصائد "هي أغنية.. هي أغنية"، ولكنه في القصائد الحديثة لا يكتب في الموضوع الوطني الذي غلب على قصائد "هي أغنية..." إنه يكتب عن شعراء تربطه بهم صلة. يكتب عن بيوتهم، وعن فهمهم للشعر، ويكتب أيضاً عن الطريق والمكان، عن طريق البيت، وعن فلسطين.
عنوان المجموعة:
يختار الشاعر القصيدة السادسة، من القسم الأول، لتكون عنوان المجموعة. والعنوان يتكون من جملة فعلية، ويلاحظ من يتابع عناوين مجموعات الشاعر السابقة أن بعض العناوين كان يتشكل من جملة فعلية، وهو ما يبدو في "أحبك أو لا أحبك" و "أرى ما أريد" و "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، ويلاحظ أيضا أن الفعل ورد في عناوين أخرى، وإن لم يتصدر الجملة، وهو ما بدا في "العصافير تموت في الجليل" و "حبيبتي تنهض من نومها". لقد أصدر الشاعر سبع عشرة مجموعة أربعة منها ذات عناوين تحتوي على جملة فعلية. وأرى أن العناوين ذات الجمل الاسمية عناوين أكثر شاعرية.
هنا يتساءل الدارس: هل درويش هو الذي اختار العنوان أم أنه ترك شخصا آخر يختار العنوان؟ يروى أن الذي اختار عنوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" هو الفلسطيني نبيل خوري.
اجتهادات في قراءة العنوان:
نشرت بعض قصائد الديوان في الصحف، قبل وصوله إلى أيدي القراء، وذكر أنها من ديوان جديد عنوانه " لا تعتذر عما فعلت". ولم ينشر قصيدة العنوان في الصحف.
لقد تساءلت شخصيا: من يخاطب الشاعر في عبارته "لا تعتذر عما فعلت"، وذهبت المخيلة، قبل قراءة القصيدة نفسها، مذاهب شتى هي:
قلت: لعل الشاعر يخاطب الفدائي الفلسطيني بشكل عام، وقد يخاطب القيادة الفلسطينية أيضا. ثمة من يطالب هذين بالاعتذار، ويشجع على هذا الاجتهاد في القراءة ما ورد في أشعار الشاعر السابقة. ورد في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" (1995) قصيدة عنوانها "خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس"، وفيها ترد عبارة "ضحية اعتذرت"، لنقرأ:
"أغلقوا المشهد
انتصروا
عبروا أمسنا كله
غفروا
للضحية أخطاءها عندما اعتذرت
عن كلام سيخطر في بالها،
غيروا جرس الوقت
وانتصروا" (ص156)
ثم ذهبت مذهبا آخر. قلت لعل الشاعر يخاطبني قارئاً لأشعاره أو ناقدا لها. فقد كتب في "حالة حصار" قصائد وجهها إلى القارئ وأخرى إلى الناقد، وطلب من الأخير ألا يفسر كلامه بملعقة الشاي. في القصيدة التي ظهرت في حالة حصار الموجهة إلى الناقد، قلت: الخطاب موجه إلي، وهنا تساءلت: أيطلب الشاعر مني ألا أعتذر لأحد.
أطرف الاجتهادات في تحديد هوية المرسل إليه كان في 11/11/2003، حين ظهرت القصيدة على صفحات بعض الصحف اليومية، ومنها جريدة الأيام (رام الله). في هذه الفترة كانت الصحافة تكتب بكثرة عن صفقة تبادل الأسرى المنوي تنفيذها بين حزب الله (لبنان) وإسرائيل. وورد في المقالات وفي نشرات الأخبار اسم الأسير سمير القنطار المحكوم ما يربو على (500) عام، وهو يرفض الاعتذار عما فعل حتى يطلق سراحه. يومها قلت: هل يعرف الشاعر بقصة هذا المناضل، يوم كتب قصيدته؟ وهل الخطاب موجه إلى سمير القنطار؟
هذه الاجتهادات كلها ممكنة. وهي اجتهادات تبيحها النظريات النقدية الحديثة، وبخاصة تلك التي ما عادت تقول "المعنى في بطن الشاعر"، النظريات التي نقلمت مركز الثقل إلى القارئ الذي غدت علاقته بالنص مهمة، إذ حل محل المؤلف. غير أن هذه النظريات ظلت تصر أيضا على أهمية النص، وهذا هو الذي سيكون الحكم الوحيد. هو الذي سوف يرجح تفسيرا، ويقصي تفسيرا آخر ويستبعده. فما الذي يقوله النص؟
أشير، ابتداءً، إلى أن درويش صدر ديوانه بما يلي:
"توارد خواطر، أو توارد مصائر
لا أنتِ أنتٍ
ولا الديار ديار
[أبو تمام]
والآن، لا أنا أنا
ولا البيت بيتي
[لوركا] "
وقراءة هاتين العبارتين تقول لنا أن ما يمر به درويش الآن، هو ما مر به أبو تمام ولوركا. وأن معنى لوركا وأبي تمام هو ما يعنيه درويش. هنا درويش يخاطب نفسه إذن ولا يخاطب قارئه بشكل عام، وقارئه الناقد بشكل خاص، ولا يخاطب سمير القنطار. إنه يخاطب الآخر فيه، وهذا الأسلوب كان درويش وظفه في كتابه النثري "يوميات الحزن العادي" (1973)، وكان له السبق، على ما أظن، في توظيفه في النثر العربي الحديث. إنه هنا يجرد من ذاته ذاتا أخرى ليخاطبها، وهو يفعل ما فعله أبو تمام، وما فعله الشعراء الجاهليون من قبل، وما فعله أبو نواس في عشرات من قصائده. كان زهير بن أبي سلمى يقول:
دع ذا وعد القول في هرم خير البداة وسيد الحضر
وكان أبو نواس يقول:
دع الربع ما للربع فيك نصيب وما إن سبتني زينب وكعوب
ومثل زهير وأبي نواس وأبي تمام ينهج درويش هذا النهج، لا في الأسلوب فقط، بل بالوقوف على الأطلال. [ أشير إلى أن الشعراء الجاهليين وقفوا على الأطلال، وخاطبوها، وان أبا نواس أيضا الذي ثار على الوقوف على الأطلال، وقف عليها في بعض قصائده].
ويخلص المرء، بعد قراءة قصائد من "لا تعتذر عما فعلت" إلى أن درويش هنا، مثله مثل شعراء الجاهلية، يقف أيضا على الأطلال. وإذا كان في بداية حياته الشعرية يخاطب أمرأ القيس:
" وقفة الأطلال يا شاعرها
في بلادي.. في زماني
أي عار ترتدي هذه الأغاني
عندما تهدي إلى أطلال بئر.. وأوان"
(يوميات جرح فلسطيني، ص59).
فإنه، وقد مرّ بما مرّ به منذ عام 1970حيث ترك فلسطين وعاد إلى زيارتها عام 1996، فإنه يعود إلى بيته السابق، وإلى قريته السابقة ويتذكر الماضي الذي برز في غير قصيدة هنا، وإنه يتلاعب أيضا بالضمائر، لا حبا في التلاعب، بل لأنه الآن يتذكر ماضيه، لأن أناه الآن تذكره بأناة التي كانت، وهكذا تتوارد المصائر، وتتوارد الخواطر، ليقول:
"ويا ضيفي... أأنت أنا كما كنا؟
فمن منا تنصل من ملامحه؟
و:
"قلت: يا هذا، أنا هو أنت
لكني قفزت عن الجدار لكي أرى
ماذا سيحدث لو رآني الغيب أقطف
من حدائقه المعلقة البنفسج باحترام..
ربما ألقى السلام، وقال لي:
عد سالماً (ص 24)
وهنا نتوقف أمام قصيدة " لا تعتذر عما فعلت"
المخاطب/ بكسر العين/ هو أنا المتكلم. أنا محمود درويش. والمخاطب/ بفتح العين/ هو أيضا محمود درويش في اللحظة نفسها. هل سيعتذر محمود درويش عما فعل عام 1970، عندما غادر فلسطين وقامت القيامة يومها لسلوكه هذا، وبخاصة انه هو الذي قال:
وأبي قال مرة:
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر".
يطلب محمود درويش، وهو يكتب النص، من محمود درويش الحالي ألا يعتذر عما فعل. إنه المخاطِب والمخاطَب في اللحظة نفسها، وقد ينطبق سلوكه على سلوك رفاقه ممن رحلوا أيضا، فلم يكن الفلسطيني الوحيد الذي ترك فلسطين، لقد تركها شعراء آخرون مثل راشد حسين، ولكن مجمل القصائد تقول إن درويش يخاطب درويشا.
"لا تعتذر عما فعلت- أقول في
سرّي. أقول لآخري الشخصيّ:
ها هي ذكرياتك كلها مرئية:
ضجر الظهيرة في نعاس القط
عرف الديك
عطر المريمية
قهوة الأم........" (ص25)
وتحيل بعض هذه الأسطر، وبخاصة السطر الأخير إلى قصائد مشهورة للشاعر، أبرزها "احن إلى خبز أمي" و "من روميات أبي فراس".
وهنا في "لا تعتذر عما فعلت" يصف درويش بيته، بيت أمه الذي حل عليه في العام 1996 ضيفا، ويأتي على ذكر عائلته وأصدقائه. فكأنه شاعر جاهلي يعود إلى المكان، فيستثير فيه هذا كوامن الماضي، بل إنه ليتساءل: أهو الآن ذاك الذي كان، وليس من باب التزيين تصدير الشاعر ديوانه بعبارات أبي تمام ولوركا. فهل الذات هي الذات؟ وهل البيت هو البيت. ويكتب درويش مثلهما:
"هل هذا هو؟ اختلف الشهود:
لعله، وكأنه. فسألت: "من هو؟"
لم يجيبوني. همست لآخري: "أهو
الذي قد كان أنت... أنا؟" فغض
الطرف. والتفتوا إلى أمي لتشهد
إنني هو... فاستعدت للغناء على
طريقتها: أنا الأم التي ولدته،
لكن الرياح هي التي ربته.
قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك" (ص26)
وثمة مفارقة ما بين العنوان ونهاية القصيدة. يطلب الشاعر في بداية القصيدة التي اختارها عنوانا، من آخره الشخصي- أي من ذاته- ألا يعتذر عما فعل، ولكنه ينهي القصيدة بالطلب من آخره أن يعتذر لأمه فقط. كورية التي خصص لها قصيدة في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" عنوانها "تعاليم حورية".
ملاحظات:
1- نشرت هذه الدراسة في مجلة الأسوار العدد 27 من العام 2005، وهذا جزء منها، وهناك البقية، وسبب النشر، هنا، أنها هناك تخلو من صفحتين من هذه.
2- دراسات أخرى للناقد حول درويش:
- أرض القصيدة، جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره، رام الله، 2001.
- ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية، مجلة النجاح للأبحاث، 1995. عدد 9.
- محمود درويش: حذف البدايات وقصائد أخرى، مجلة مجمع اللغة العربية فلسطين، عدد2، العام 2000.
- الشاعر من خلال شعره منظرا للشعر، مجلة الأسوار، العدد 25، العام 2003.
- قراءة نصية لأربع قصائد من ديوان "ورد أقل"، الأسوار، العدد 24، العام 2002.
د. عادل الأسطة
٢٠٠٤

***

59- محمود درويش : طللية البروة... طللية الوطن

-1 هل ثمة تردد؟
وأنا في عمان اقتنيت ديوان محمود درويش الأخير " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " (2009) . وأنا أسير مساء الجمعة في شارع المدينة الرئيسي ، وسط البلد ، سألت عن سعره ، وعرفت أنه يباع بسبعة دنانير . هل أشتريه أم أنتظر حتى الغد ، فيبيعني إياه فتحي البس ، صاحب مكتبة دار الشروق ، بخمسة دنانير ، بسعر الجملة كما يبيعني دائماً ما أشتريه من كتب ؟ أيعقل أن أنتظر حتى الغد ؟ أكثر قصائد الديوان كنت قرأتها في الصحف والمجلات ، بخاصة على صفحات جريدة " الأيام " (رام الله) ، ويمكن الانتظار . لكن ثمة قصيدة قرأت عنوانها فقط ولم أقرأها ، وكنت أتطلع الى قراءتها . إنها قصيدة " طللية البروة " .
2- طللية البروة :
لم يكتب محمود درويش عن البروة من قبل - أعني قبل أن يصدر هذا الديوان قصائد لافتة ، والذي ربط بين درويش والبروة في كتابته هو الراحل إميل حبيبي في روايته المشهورة " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( 1974). كان إميل توقف أمام مقطع درويش :
"نحن أدرى بالشياطين التي تجعل من طفل نبياً"
وكتب:
ولم يدر شاعر البروة أن الشياطين هذه تجعل من الطفل نسياً منسياً أيضا .
لماذا لم يكتب درويش ، من قبل ، عن البروة ؟ ألأنه كتب عن الوطن كله ؟ عن فلسطين ؟ عن حيفا ؟ عن الكرمل ؟ عن الأماكن التي عاش فيها ، هو الذي ولد في البروة ، ورحل عنها في العام 1948 ، وحين عاد إليها متسللاً ، مع أهله ، وجدها أثراً بعد عين ، فأقام في الجديدة ، ثم رحل عن هذه إلى حيفا .
3- درويش والسياب :
ما إن نذكر السياب حتى نذكر قريته جيكور ونهرها بويب . كان السياب خلد قريته ونهرها ، وحين ذهب إلى بغداد لم ترق له المدينة ، إذ رأى في شوارعها أفاعي تلتف حول عنقه ، وظل يحن إلى جيكور وبويب فكتب قصائد جميلة عن هذين : القرية والنهر . ودرويش معجب بالسياب ، فقد خصه بقصيدة ، ومقالة نثرية أيضاً . ظهرت الأولى في ديوان " لا تعتذر عما فعلت " ( 2003) والثانية في كتاب " حيرة العائد " ( 2006 ). وكان خيار درويش في النهاية سيابيا لا بياتيا . وقد أتيت على هذا وأنا أدرس قصيدة درويش " من روميات أبي فراس " وأقارن في دراستي بين روميات درويش وروميات البياتي . فلماذا غاب عن درويش الذي قرأ السياب وانحاز له ما قام به السياب حين كتب عن قريته ونهرها ؟ ألأن درويش مهموم بالوطن كله ، ولأن حيفا غير بغدادز، وما تتعرض له الاولى غير ما تعرضت له الثانية ، فلم يكن ، يوم كتب السياب قصائده ، عدو اجنبي محتل يهدد الوطن كله ؟ ربما ولا ندري ماذا كان درويش سيكتب ، لو امتد به العمر ، والتفت إلى التفات النقاد إلى مقارنته بالسياب ، ومقارنة كتابتهما حول قرية كل منهما ، لماذا التفت درويش ، إذاً في آخر دواوينه إلى البروة .
4- طللية البروة وقصائد سابقة :
لكن السؤال الذي يثيره الدارس هو :
- أحقاً لم يأت درويش على البروة في قصائد سابقة له ؟ قد يكون لم يذكرها بالاسم . قد يكون طبعاً أتى عليها في كتابات نثرية متأخرة . ( يحتاج المرء إلى مراجعة كتابه " في حضرة الغياب " ). وربما وجب أن يعود المرء إلى قصيدة درويش في رثاء أبيه " ربّ الأيائل، يا أبي ، ربّها " ليقرأ عن علاقة والده وجده بالأرض التي حرما منها في العام 1948 ، إذ حولها الإسرائيليون إلى كيبوتس ( يتسعور ) ، وقد أشار درويش إلى هذا في رسائله التي كتبها في العام 1986، على صفحات مجلة " اليوم السابع ". وربما وجب على المرء أيضاً أن يعود إلى ديوان درويش " لا تعتذر عما فعلت " ( 2003 ) ليقرأ قصائده عن المكان . أنا كنت ألنفت إلى المكان في أشعاره، ونشرت دراسة مطولة في مجلة " الأسوار " في عكا ، يوم صدر الديوان . وأظن أنني لم أكتب عن البروة تحديداً ، لأنه لم يذكرها ، فقد أتى على صورته في بيت أمه - في الجديدة - وأتى على البئر وأتى وأتى.. ولكنه لم يذكر البروة ، إذا لم تخني الذاكرة ، وإلا لكنت التفت إلى هذا.
وربما يتذكر قارئ " طللية البروة " قصيدة درويش في " لا تعتذر عما فعلت " التي عنوانها " لم أعتذر للبئر "، فهي بذرة " طللية البروة " وفيها أسطر ظهرت فيها - أي في الثانية ، وهي :
"وأمرت قلبي بالتريث : كن حيادياً كأنك لست مني".
5- طللية البروة :
كم مرة توقفت أمام سؤال السلالة وأنا أدرس أشعار درويش ؟
كلما أصدر ديواناً جديداً أخذت أبحث عن بذرته في دواوينه السابقة . كان هو من نبهني إلى هذا في المقابلة التي أجريت معه ونشرت على صفحات مجلة الشعراء في العام 1999 ، حين أتى على سؤال السلالة وبذرة الديوان الجديد ، وإن كنت ، من قبل ، - أي في دراسات سابقة لي عن أشعاره أربط بين قصيدة وأخرى ، بخاصة دراستي " ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش " ( 1993 و 1995 ).
وأنا أقرأ طللية البروة تذكرت " لم اعتذر للبئر " .
كان الشاعر بعد عودته إلى فلسطين ، في العام 1996 ، زار أهله وقريته، وسيكتب ، فيما بعد، قصائد عن هذه الزيارة ، ظهرت في ديوانه " لا تعتذر عما فعلت " ولا أدري كم مرة ناقشت موقف درويش من الأطلال وشعرائها ، في بداية حياته ، وبعد العام 1996 تحديداً . بخاصة حين قارنت بينه وبين امرئ القيس الذي استحضره درويش مبكراً ، وعاد واستحضره ، غير مرة ، بعد ( أوسلو ). لم تتطابق تجربة درويش مع تجربة امرئ القيس قدر ما اختلفت ، وقد عارضه مبكراً حين ربط بين امرئ القيس والوقوف على الأطلال ، ذاهباً إلى أن هذا الوقوف فانٍ ، وأن الوقوف على الأطلال محيّر ومرمد أيضاً ، فدرويش اختار الوقوف إلى جانب أهله ، لا الوقوف على الأطلال . كان هذا قبل أن يغادر حيفا في العام 1970 ، ولم يكن درويش فطن إلى مكر التاريخ ، فقد عاد إلى حيفا والجديدة والبروة ، ووقف على الأطلال ، ليكتب قصائد جميلة جداً ، منها "طللية البروة "
6- رؤية البروة :
في " طللية البروة " يكتب درويش عن زيارته القرية المدمرة التي أقيم على انقاضها ( كيبوتس يتسعور )، ويجرد من نفسه شخصين آخرين ، على عادة الشعراء الجاهليين ومنهم امرؤ القيس، يجرد من نفسه شخصاً آخر يعتبره سائحاً ويجرد من نفسه أيضا ً شخصاً ثانياً يعتبره مراسلاً صحافياً لجريدة أجنبية وهو الآن يريد أن يكون محايداً :
أمشي خفيفاً كالطيور على أديم الأرض كي لا أوقظ الموتى
وأقفل باب عاطفتي لأصبح آخري ، إذ لا احس بأنني حجر يئن من الحنين إلى السحابة.
هكذا أمشي كأني سائح ومراسل لصحيفة /
غربية.
ويبدأ درويش يكتب عن علاقته بالقرية / البروة التي ولد فيها، يتذكر طفولته فيها، وغرفة منزله، وطريق مدرسته ويزن المكان وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول والرحيل. يتذكر حكايته الأولى، حليب أمه، سريره كأنه لا يكبر. وأما الصحافي فلا يرى سوى المصانع التي أقامتها اسرائيل، وحين يخاطب هذا درويش بهذا يرد عليه بأنه لا يرى في المكان الا ما كان قديماً يقول:
والطرق الحديثة هل تراها فوق انقاض البيوت/ اقول كلا. لا اراها لا ارى الا الحديقة تحتها..
لو سئلت أنا: أي القصائد ترشح لدرويش للمنهاج الفلسطيني لقلت: "طللية البروة".
أ . د . عادل الأسطة
2009-05-31
"طللية البروة" -
محمود درويش
من ديوانه الأخير : "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"
أمشي خفيفاً كالطيور على أديم الأرض,
كي لا أوقظ الموتى. وأُقفلُ باب
عاطفتي لأصبحَ آخري, إذ لا أحسُّ
بأنني حجرٌ يئنُّ من الحنين الى السحابةِ.
هكذا أمشي كأني سائحٌ ومراسلٌ لصحيفةٍ
غربيةٍ. أختار من هذا المكان الريحَ...
أختارُ الغياب لوصفه. جلس الغيابُ
محايداً حولي, وشاهده الغرابُ محايداً.
يا صاحبيَّ قفا... لنختبر المكان على طريقتنا:
هنا وقعت سماءٌ ما على
حجرٍ لتُتبزغَ في الربيع شقائق
النعمان...(أين الآن أغنيتي؟)
هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه
إلى الوادي (فأين الآن أغنيتي؟)
هنا حملت فراشات الصباح الساحرات طريق
مدرستي (فأين الآن أغنيتي؟)
هنا هيأتُ للطيران نحو كواكبي
فرساً (فأين الآن أغنيتي؟)
أقول لصاحبيَّ : قفا... لكي أزن المكانَ
وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول
وبالرحيل. لكل قافية سننصب خيمةً.
ولكل بيتٍ في مهبِّ الريح قافية ٌ...
ولكني أنا ابن حكايتي الأولى. حليبي
ساخن في ثدي أُمي. والسرير تهزُّهُ
عصفورتان صغيرتان. ووالدي يبني غدي
بيديهِ... لم أكبر فلم أذهب إلى
المنفى. يقول السائحُ : انتظر اليمامة ريثما
تنهي الهديل! أقول : تعرفني
وأعرفها, ولكن الرسالة لم تصل.
ويقاطع الصحفيُّ أغنيتي الخفيَّة : هل
ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع
الألبان ذاك؟ أقول كلاّ. لا
أرى إلا الغزالة في الشباك.
يقول : والطرق الحديثة هل تراها فوق
أنقاض البيوت؟ أقول كلاّ. لا
أراها, لا أرى إلا الحديقة تحتها,
وأرى خيوط العنكبوت. يقول جففْ
دمعتيك بحفنة العشب الطريّ. أقول :
هذا آخري يبكي على الماضي...
يقول السائحُ: انتهت الزيارة. لم
أجد شيئا أصوِّرُهُ سوى شبحٍ.
أقول: أرى الغياب بكامل الأدوات,
ألمسه وأسمعه, ويرفعني إلى
الأعلى. أرى أقصى السماوات القصية.
كلما متُّ انتبهت, وٌلِدتُ ثانية وعدت
من الغياب الى الغياب.
• من ديوان محمود درويش الأخير :"لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"


***

==============================
الجزء 6
51- محمود درويش بعد خمسة عشر عاما من الغياب
52- زكريا محمد ومحمود درويش
53- خواطر حول الغموض في شعر درويش
54- محمود درويش: القراءة وإساءة القراءة
55- محمود درويش : القراءة وإساءة القراءة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى