بدوي الدقادوسي - الغريب.. قصة قصيرة

سلمني المعقب الجواز ممهورا بختم الخروج والعودة ، انطلقت للمطار ؛ ستكون مفاجأة أتلهف لمعرفة وقعها عليها‘ كم توسلت باكية ألا أتركها فأنا وحيدها ولكني كنت مصرا على خوض التجربة ، فودعتني ببكاء لم تبكه يوم جاءها خبر أبي .
عامان في الغربة تعلمتُ فيهما كيف أمسح دمعة روحي بنفسي صهرني الألم حتى صرت أكتب شعرا وأنا الذي لم أقرأ ديوانا واحدا طيلة حياتي ، تعلمت أن المادة ليست المكسب الوحيد في الغربة ، هناك مكاسب لا نراها في مظاهر العائدين بل في لهفتهم وحزنهم ، الوجع في الغرباء لغة لا يعيها إلا من ذاق ، وكل غريب للغريب نسيب من يغترب يلقى أذى يُجري دمعه فيشيب .
بذلت جهدا في عملي لو بذلت ربعه في وطني لصرت مليونيرا ، أنشأت وحدة تعاقدات مع شركات تأمين كبرى تحول المستوصف الصغير في ضاحية من ضواحي الدمام إلى مستشفى أهلي مشهور ، كلما طالبت الكفيل بزيادة في الراتب لا أحصل إلا على رد واحد" أبشر وما يصير في خاطرك إلا طيب" ,
حين اطلعت على ميزانية الأعوام الماضية لفت نظري في خانة " دائن " مليونيّ ريال طرف إحدى شركات التأمين ، سألتُ صاحب العمل : لم لم تحصلوا هذا المبلغ إنه مستحق من سنين؟
تألم قائلا حاولت بشتى الطرق وأخيرا استعوضتهم عند الله .
ولو حصلت لك هذا المبلغ هل تكافئني ؟
يا ليت وستكون مكافأتك مجزية ، بعد إسبوع من الشد والجذب أقنعت مدير شركة التأمين أننا نستطيع فتح صفحة جديدة وسنتعاقد معهم بعد أن صرنا مستشفى ضخم تسعى كل شركات التأمين للتعاقد معنا وستكسب ضعف هذا المبلغ أضعاف ، اتفقنا على أن يتم تسوية المبلغ مليون ونصف ، منحني الشيك ، أكاد أطير من الفرحة . ولم أطق صبرا حتى العودة فأبلغت صاحب العمل ، أصابته هستيريا وظل يدعو لي: الله يعطيك ألف عافية ، تسلم الشيك وهو غير مصدق التفت ناحيتي شاكرا أخرج من حافظته مئتي ريال ، قلبتها مذهولا : ما هذا؟
مكافأتك يا ولدي كما هو منصوص عليها في العقد !!!
المدهش أن هذا الرجل حين أحصّل له الملايين ويعطني مائة ريال يشعر أن المئة التي بيدي أكثر من الملايين التي في خزائنه!
طلبت منه إنهاء عقدي وإعطائي تأشيرة خروج نهائي ولكنه قال بهدوء : سأفعل فيك معروفا وأعطيك تأشيرة خروج وعودة لأترك أمامك الباب مفتوحا ,كل الذين جاءوا من قبلك قالوا لن نعود ولكنهم عادوا .
حطت الطائرة على أرض القاهرة وهبط معها قلبي ، هل تغيرت الوجوه أم أنا الذي تغيرت؟ هل اختلفت الأشياء أم أنا الذي اختلفت ؟ سائق التاكسي الذي يقلني من المطار لم يكف لحظة عن الكلام ، يسأل ويجيب ويسب هذا ويلعن ذاك ويطرح الحلول لكل القضايا .
هل تكفي المسافة من المطار للبيت لأنفض عن روحي ما علق بها من شوائب الغربة حتى أعود لأمي كما ودعتها؟
قرعي للباب تعيه مذ كنت بالحضانة ، فتح الباب رجل لم أره من قبل !! يا ربي هل ضللت الطريق عن بيت لو فقدت الذاكرة لن أضل عنه أبدا؟
رفعتُ عيني لأتأكد ولكن ترحيب الرجل بي ونداؤه اسمي زادني ارتباكا ، جاءت بخطوات متثاقلة ، احتضنتني وكان طعم حضنها ليس بنكهة الشوق بل بنكهة الوجل .
ادخل حبيبي حمدا لله على السلامة ، الأستاذ عبد الفتاح جوزي ،هربت للمطبخ لتعد الطعام احتفاء بعودة وحيدها وأنا مذهول : لم لم تخبرني بزواجها ؟ ومتى وأين ظهر هذا العبد الفتاح في حياتها ؟ جلست ضيفا في بيتي ، على المائدة حضرت الدهشة وغابت الشهية ، آويت لغرفتي ومازال يطاردني حزن وألف سؤال . جاءتني بالشاي :اشرب الشاي واسترح وغدا لنا ألف ساعة تحدثني عن كل لحظة عشتها بعيدا عن حضن أمك . لم تكمل جملتها حتى جاءها صوت الرجل فانتفضت مسرعة وهي تقول : حاضر .
فشل النوم في مغازلة عيني خرجت للصالة تمددت على الكنبة وباب غرفتها قبالتي تنبعث من تحت عقبيه تأوه مكتوم وضحكات وأصوات متقطعة والدم يغلي في عروقي .من هذا الحيوان الذي تبوأ فراش أبي ؟ وددت لو هاجمت الغرفة وألقيت به في الشارع ، الباب يُفتح ببطء متلصص إنها هي أعرف أنها ستنتظر لحظة نومه وتأتي ، ارتبكت حين رأتني بالصالة تصنعت النوم لأرفع عنها الخجل ، جلستْ بجوار رأسي مسحتْ شعري وهي تتفحصني : حمدا لله على سلامتك يا حبيبي
الله يسلمك
مالك متغير ؟
لا شيء
ابني حبيبي وأنا عرفاه ، أنت زعلان عشان أنا اتجوزت
اعتدلتُ ، صوبتُ عيني كفوهة مسدس في وجهها . من هذا الحيوان الذي احتل مكان أبي وبيتي ؟
زوجي على سنة الله ورسوله .
زوجك ؟! بورقة تافهة يستبيح هذا الغريب شرفي وشرف أبي وينام على فراشه؟
ولدي ! أنسيت من أنا ؟ ترملت في عز شبابي وحرصت على ألا أتزوج ولا أجرح مشاعرك ،انتظرت اليوم الذي تتخرج فيه وأستريح ؛ فقررت أنت السفر ضاربا بتوسلاتي عرض الحائط ، وكأنك صورة من أبيك الذي لم يجلس معي إلا أسبوع بعد الزفاف ثم عاود السفر للعراق ولم أكن أراه إلا أيام كل عام .
ولكنك قبلتِ الزواج منه وأنت تعلمين أنه يسافر
- ماتت أمي وتكفل جدك بتربيتنا أنا وخالتك كان فراشا بمدرسة ولكنه مثال للعظمة عجزه عن تجهيزنا جعله يوافق على أبيك لأنه مؤدب وقال لأبي أريدها بشنطة هدومها فقط .
- تركت أبي يوم دخلتي وأنا ألمح في عينه دمعة كأنه دفنني . ظلت صورته تؤلمني طوال الليل ، حاولت أن أقنع أباك أني متعبة ولكنه أصر على نيل حقه في تلك الليلة فتركت له جسدي وقلبي مع أبي كيف سيبيت بدوني هو وأختي ؟أليس من حقي الزواج بعد سفرك ؟وهل حكمت على أمك أن تعيش حياتها في انتظار عودة المسافر؟
- هرعت لغرفتي ارتديت ملابسي ، حملت حقيبتي ، رمت بجسدها على باب الشقة تتوسل ألا أخرج ، أقصيت جسدها برفق والبكاء يغلبني : اعذريني يا أمي لا مكان لي بمصر .
- اتجهت لمكتب السفريات سألته عن أول طائرة للدمام
ناولني التذكرة استقليتُ تاكسي ر اخترق بي زحام الطريق بصعوبة صوب المطار .


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى