د سناء الشعلان - تقاسيم الفلسطيني.. قصة قصيرة

القزم


وُلد (صلاح) بجسد متقزّم حدّ الاختفاء،فأسموه القزم (صلاح)،لم يحظّ يوماً باهتمام أو إعجاب أو عشق بسبب جسده القزم الذي يسجن فيه روحه العملاقة.

ما كانت تعنيه الأعين المزدرية أو قلوب الجميلات التي لا تطرق بابه،إنّما عناه أن يعيش فدائيّاً فلسطينيّاً،وأن يموت شهيداً بعد عمر طويل من النّضال المستأسد.

لكنّ الشّهادة طرقت بابه مبكّرة مستعجلة الاستحواذ عليه،لقد سمع طرقاتها على بوابة روحه في تلك اللّيلة التي كانوا ينفذون فيها عمليّة فدائيّة ضد مواقع صهيونيّة حسّاسة.

كان فرداً في جماعة يرأسها صديقهم المناضل (أبو النّور)،ما كان يتوقّع أحد أن تغتاله قنبلة أرضيّه مكافحة للأفراد،فتبتر قدميه بزفرة واحدة منها.

حاول رفاقه في المجموعة أن يحملوه على أكتافهم ليهربوا به،لكن ذلك يعني تعطيل واحد منهم على الأقل،وإعاقته عن الهرب في الوقت المناسب،وإيقاعه في أيدي جنود العدو الصّهيونيّ،صمّم على أن يتركوه،وأن يلوذوا سريعاً بالهرب دونه،عندما تقاعسوا عن تلبية رغبته هدّدهم بإطلاق الرّصاص عليهم إن لم يسارعوا بالابتعاد عنه قبل أن تدركهم كلاب الجنود التي تقترب أصواتها منهم.

انصاعوا لأمره دامعي العيون والقلوب،وظلّ يحمي ظهورهم برصاصه حتى نفدت ذخيرته،وخرقّت جسده رصاصات العدوّ الصّهيونيّ.

لقد عاد إلى أرضه بعد أشهر من اعتقال جثمانه ليواريه أهله في التّراب بعد أن أُفرج عن جسده المنخّل بالطّلقات النّارية.

لم يكن جسده أكثر من جذع صغير مخرّق بالرّصاص ونهش أنياب الكلاب ورأس ويدين دون قدمين،لكن رفاقه في الفداء صمّموا على أن يدفنوه في قبر طويل يشبه روحه العملاقة ونفسه السّامقة،وهذا ما كان.


الكنعانيّ

الصّهاينة منعوه من أن يمارس متعته الكبرى في الحياة،وهي تدريس التّاريخ الفلسطينيّ لأبناء شعبه،وهدموا المدرسة التي كانت معبد متعته،وشرّدوا طلبته بعد أن قتلوا طالبه(سعد) الذي كان يسمّي نفسه بـالكنعانيّ فخراً بأصوله،ويسمّي الصّهاينة بالمسوخ.كان طالبه النّجيب الأثير الذي يحفظ كلّ كلمة يدرّسها له،كان وريثه الشّرعي في سدانة التّاريخ الفلسطينيّ.

قرّر أن ينتقم لطلبته الشّهداء،خطّط مع جماعة من الفدائيين الفلسطينيين كي يحرق معسكراً عسكريّاً للمسوخ،الخطّة كانت صعبة؛لأنّها تستدعي تجاوز حصونهم وحرسهم،لكنّه عكف نفسه على حسن التّدبير والتّدارس حتى استطاع أن يصل وفريقه إلى الهدف.

راقبهم من خفاء،لم يكن فيهم وجهاً واحداً شمسيّ مثل وجه طالبه الكنعانيّ،فجّر المكان بهم،فاستعرت النّار تأكلهم،شعر بالرّضا كما يشعر الكنعانيّ عندما يطهّر بالنّار أيّ نجس أصابه،تنفّس الصّعداء،وفي البعيد رأى وجه (سعد) الكنعانيّ يبتسم له وهو يتمتمّ بتعويذة كنعانيّة تطرد كلّ غريب عن أرضه وشعبه.


خائن

لا يعرف لماذا يدفعه قائده في الجيش الصّهيونيّ لمواجهة الفلسطينيين الغاضبين بسبب مصادرة أراضيهم من قبل كيانهم الملعون،يقول قائده له إنّه بحكم أصوله الفلسطينيّة قادر على التّفاهم معهم بشكل أفضل،لكنّه يعلم من أعماقه أنّهم يرسلونه إليهم لأنّهم لا يبالون حقيقة بأن يقتله الفلسطينيون الغاضبون مادام منهم ومن جلدتهم،وإن انسلخ عن أصله،وتعرّى من عوده.

اليوم صادروا أرضاً فلسطينيّة على امتداد الجبل الذي تقع فيه بيوت أسرته ومزارعهم،كان يعرف كلّ وجه من الوجوه التي تصدّى لها ليرّدها عن أراضيهم المصادرة.

لم يناده أيٌّ منهم باسمه،تجاهلوه وكأنّهم لا يعرفونه،لم يجرؤ على أن ينطق كلمة واحدة بالعربيّة،شجّوا رأسه بحجر،فهرب منهم لا يطيق صبراً في المكان،كان يجري محاولاً أن يطأ الأرض بخفّة؛إذ كان يعلم أنّ الأرض أيضاً قد لفظته،وتبرّأتْ منه.


حليب سباع

لم يشرب حليب سباع ليكون بمثل هذه الجرأة،بل شرب حليب النّساء الفلسطينيّات؛لقد أُستشهدتْ أمّه وهو رضيع،فتولّت نساء الحارة التي يسكن فيها أمر رعايته وغمره بحنانهن،وتقاسمن جميعاً فرح إرضاعه وإروائه حتى شبّ قويّاً أنوفاً يقول لكلّ نساء الحارة يا أمّي،ويناديه صبيتها وصبيانها بأخي.

رضع الشّجاعة منهن جميعاً،وحمل مدفع (آر بي جي)،ليصبح صقراً يصيد به بغاث الطّير من الجيش الصّهيونيّ،وكلّهم بغاث طير كما تراهم عيناه الصّقريتان.

علق الجنود الصّهاينة صورة له على الواجهات في المدينة كتبوا عليها لإرهابه وتحطيم معنوياته:"هذا المخرّب مطلوب للجيش الإسرائيليّ،سوف نقتله في القريب".

في اليوم الثّاني كانت هناك صور جديدة له وهو يحمل فيها مدفع (الآر.بي.جي) قد ألصقها على صور البارحة،وكتب عليها باستهتار بعدوّه واستفزاز له: " هذا الفدائيّ سوف يقتل الجيش الصّهيونيّ كاملاً،وهم جميعاً مطلوبون له".


جَنين

لم يعرف الجنين الصّغير المنزلق من حنان سادر في رحم أمّه لِمَ شقّ سكين حادٌّ غلالته الفضيّة الشّفافة بعد أن بقر بطن أمّه،فانزلق خارج رحمها الدّبق الدّافئ مشدوهاً عارياً.

لم تتلقّفه يدي قابلة أو قريبة أو حانية قبل أن يسقط من غير علٍ على أُمّ رأسه،انكفأ أرضاً على وجهه،سجد كمن يقبّل الأرض،كانت أمّه تفارق الأرض بزفرات متسارعة بعد أن قطع جنديّ صهيونيّ متوحّش ثديها الأيمن بضربة جديدة من سكينه الوحش،ثم بقر بطنها لينتزع جنينها من مكين أحشائها.

ما عبئ أحد بأمّه القتيلة النّازفة حتى الانطفاء،ظلّت جبهته تلامس الأرض،وقفاه العاري الصّغير النّاعم يتحدّى وجه قاتل أمّه حيث وقف يتلذّذ بمشاهدة نزاعها ونزاع جنينها المنزلق خارج رحمها.

داسته أقدام جنود عصابات الصّهاينة،وكان آخر عهده بالدّنيا نظرة عجلى استرقها من سجوده الإجباريّ على الأرض،وهو يرى أهل قريته في البعيد يغيبون خلف الأفق تطاردهم فلول المداهمين المتوحّشين،والغروب الدّامي يحتضن بأسىً أباه الذي دلف إلى جنون آسر بعد أن خلع عقله في دقائق لفظاعة مرأى مقتل زوجته وجنينهما،كان يردّد دون توقّف:" قتلوا زوجتي (صبحيّة)،وبقروا بطنها".

يحاول الجنين أن يصمّ شفتيه ليستنجد بأبيه الذي يطارد الغروب هارباً نحو البعيد،لكن الموت يعاجله بنزعه من اختناقه بحزنه وألمه،ويرحمه من جحيم قادم اسمه الطّرد من وطنه.


رحيل

منذ هُجّر الكثير من الفلسطينيين قسراً عن وطنهم في عام 1948،وهو يقول لأبنائه وحفدته:" أنا لا أخرج من وطني أبداً،أنا أموت فيه،ولا أخرج منه"،وكلما كان يرّدد هذه الجملة،وكثيراً ما كان يردّدها،كانت جدّتهم تقول:" وأنا أموت مع جدّكم حيث يموت،ولا أفارقه أبداً".كان الأبناء والحفدة يضحكون عندما يسمعون كلام الجدّين العجوزين العاشقين،ويطلبون منهما أن يرويا لهم من جديد قصّة عشقهما وزواجهما التي يعرفها الأقارب والجيران،ويضربون صفحاً عن الخوض في احتماليّة تهجيرهم من أرضهم تشاؤماً من حديث كهذا.

لكن الشّؤم أصابهم سريعاً،وجاء عام 1967،ووجدوا أنفسهم يُطردون من وطنهم بعد أن جُرّدوا من كلّ شيء،خرجوا حفاة معدمين تاركين وراءهم البيوت والمواشي والأرض الحبلى بثمارها والخوابي المكدسّة بحصاد جهدهم،تناوب الرّجال الأقوياء منهم على حمل الجدّين إذ كانا عاجزين عن السّير هرماً ومرضاً.

رفض الجدّان أن يُحملا بعيداً عن وطنهما،وأقسما على أولادهم وحفدتهم أن يخلّوهم وشأنهم،وأن يذهبوا دونهم في حال سبيلهم،لكن الآذان لم تصغِ لهما،وحملتهما عنوة في طريق الرّحيل،احتجّا بشّدة على حملّهم دون رغبتهم،ظلّا طوال الّطريق يقسمون على الجميع أن يتركوهما في وطنهما،ولكنّهما صمتا عن الاحتجاج قُريب حدود الوطن،عندما تفقّد الحاملون سبب صمت الجدّين وجدوهما قد فارقا الحياة قبل خطواتٍ من الخروج من أرضهم،طأطأوا جميعهم رؤوسهم،وقرّروا أن يعودوا من حيث أتوا يحملون الجدّين المتوفّين ليدفنوهما في أرضهما مهما كلّفهم ذلك.


تعويض

سمع خرافة اسمها تعويض أهل غزّة عن الدّمار الذي لحق بهم،لم يحصِ خسائره الماليّة،ولا راعه الجرح الكبير في فخذه،ولا تفقّد حطام بيته وبيوت إخوته ليحصي أثاثاً قد دثر أو بناء قد سوّي بالأرض،بل عجّل إلى بحر غزّة الذي يعشقه،أسبوع كامل أمضاه يصنع تماثيل من رمل البحر على هيئة من فقدهم من أهله.

في صباح اليوم الثّامن أتمّ صناعة حشد من تماثيله الرمّليّة التي تُجسّد من فقد من أسرته.

قبّل تماثيله بإجلال،وصرخ بحسرة: "هيا عوّضوني عن خسارة أولئك أجمعين.هيّا أعيدوا الحياة لهم،فهذا هو تعويضي الوحيد عن خسارتهم".


حَشْر

يقف يتأمّل المستدمرة الصّهيونيّة التي تُدشّن للتّو على رفات أرضه بعد مصادرتها كلّها،لم يتركوا له من أرضه سوى عكّازه المصنوع من إحدى جذوع شجراته الشّهيدة.

أرتال من اللّحم الصّهيونيّ تُكدّس في قوالب من الإسمنت فوق أرضه،من مكانه هنا من أعلى التّلّة يستطيع أن يكشف فضاء المستدمرة بشكل كامل،يحصي عدد البيوت فيها على عجل دون اهتمام.

تهمس له حفيدته بانزعاج:"إنّهم كثر يا جدّي.أليس كذلك؟".

يجيبها جدّها وهو لا يزال يحصي عدد البيوت في المستدمرة: "يجب أن يأتوا جميعاً إلى هنا يا صغيرتي،في هذه الأرض سيحشرون في طريقهم إلى جهنّم".


عُقْم

لو لم تعشقه لحرصتْ على أن تعشقه فخراً به وإعجاباً بنبله واستهانته بالموت ؛فهو ليس الرّجل الذي وُلد حقيقة من أحلامها،بل هو الفارس الملثّم بالكوفيّة الفلسطينيّة الذي لا يقبل حكم النّذل الصّهيونيّ به وبشعبه،ولذلك تزوّجته؛فقد أرادت أن تنجب منه دون توقف كي تمدّ وطنها بالفدائيين،جهدتْ كي تحمل منه لتنسل منها ومن حبيبها الزّوج أبطالاً محرّرين،لكنّه اكتشفتْ أنّها عقيم لا تنجب،الأطبّاء أكّدوا لها عجزها عن الإنجاب،والسّنين العجفاء الممحلة صكّت آمالها بخيبة الأمل الدّائمة،لكنّها تريد أن ينجب زوجها الحبيب فدائيين لوطنه،خطبتْ له إحدى قريباتها لتكون زوجته الثّانية التي تهبه ما عجزتْ عن منحه له،شدّتْ حرائق غيرتها على صدرها لتكتوي بها بصمت وسريّة،وأخذت تنتظر ولادة الفدائبين الصّغار حتى ولو كانوا من امرأة غيرها.


كنيسة

كانوا في طريق عودتهم إلى بيوتهم بعد الانتهاء من صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، يعرفون أنّ أُسرهم في انتظارهم ليتناولوا معهم طعام الغداء طقساً من طقوس اللقاء الأسريّ في غداء يوم الجمعة، كانوا يغذّون الخطى إلى بيوتهم عندما هاجمهم الجنود الصّهاينة، فدفعوهم جميعاً في درب كنيسة القيامة التي فتحت أبوابها لهم كي يختبئوا فيها؛ فهي كنيسة فلسطينيّة قلبها نصفه فلسطينيّ ونصفه الآخر مسلم.

كاهن الكنيسة صمّم على أن يحمي المسلمين المحتمين بالرّب فيها، لكنّ الطّلقات الصّهيونيّة صمّمت على أن تغتالهم جميعاً، الجنود الصّهاينة أطلقوا نيرانهم على كلّ من اعتصم بالكنيسة أو كان فيها، الدّم الفلسطينيّ ظلّ متوحّداً في لحظة إراقته أرضاً، دم فلسطينيّ واحد في كنيسة تحضن مسلماً ومسيحيّاً.

رحل الجنود الصّهاينة وحُمل الشّهداء الفلسطينيون بعيداً عنها، وظلّت الكنيسة مشرعة حضنها للائذين بها .


دواء

حظر التّجول مفروض على مدينة جِنين بأسرها منذ أكثر من شهر، نفد الطّعام والماء والدّواء، وما استسلم الفلسطينيون المحاصرون، ولا وشوا بمكان الثّوار الفلسطينيين المحتمين بهم.

هو طفل في الخامسة من عمره، ولا يفهم تماماً ما يدور حوله، ولكنّه يعرف أنّ دواء أمّه قد نفد، وأنّه دواء مهم يكفل لقلبها أن يستمرّ في القرع، وإن بقيتْ يوماً آخر دونه فسوف تموت، ويعرف كذلك أن لا أحد يستطيع أن يخرق حظر التّجوّل وإلاّ تناوشته الرّصاصات تخريقاً وفتكاً بجسده، ولكنّه لا يخاف الموت إن تعلّق الأمر بأمّه.

يدسّ علبة دواء أمّه في جيبه بسرّية وتكتّم،وينتعل حذاءه الجلديّ الصّغير، يتعلّق بمزلاج رتاج البيت،ويفتحه، فيدلف إلى الشّارع مباشرة.

في لحظات قليلة تحاصره ثلاث دبّابات صهيونيّة،عيون صهيونيّة ترقبه بتخوّف من خلف دروع واقية، يصرخ به جنديّ صهيونيّ بعربيّة عرجاء: " عُد إلى بيتكَ أيّها المخرّب الصّغير".

يستجمع الصّغير شجاعته التي تتدفّق سريعاً في يده الصّغيرة التي تمتدّ إلى جيب بنطاله، وتخرج علبة دواء فارغة، ويقول بنبرة كلّها عزم وإصرار طفوليّ غير قابل للكسر:"يجب أن أذهب لإحضار الدّواء لأمّي كي لا تموت مرضاً".

يخطو خطوة جريئة في دربه دون أن يلوي وراءه، ويعلو صوت رصاص العدوّ الصّهيونيّ الذي يتسابق للوصول إليه ليغتال عزمه الطّفوليّ، تدركه الرّصاصات جميعها في آن في خطوته الثّانية، فينهار أرضاً، ويده الصّغيرة تأبي أن تفلت علبة الدّواء الفارغة.


رجال

كانت تسبّ الجنديّ الصّهيونيّ،وتضربه بنعلها عندما حاول منعها من الدّخول إلى قريتها، نهرها الجنديّ الصّهيونيّ بلغة عربيّة،ودفعها إلى الخلف بقوة،فكادتْ تقع أرضاً، أدركتْ من سحنته ولكنته أنّه خائن عربيّ مجنّد في صفوف العدوّ. أمرها متنمّراً أن تقف بعيداً عن الجنود الرّجال إلى حين تفتيشها من قِبَل مجنّدة صهيونيّة.

ابتسمت المرأة الفلسطينيّة باستهزاء،وحدّقت في عينيه متحدّية، وسألته بتقزّز: " أين هم الرّجال؟"


نضال

يعرف في الحياة إرادة واحدة تسكنه، وهي أنّه يريد أن يحرّر فلسطين من الصّهاينة الذين يسمّيهم أولاد الحرام.لا يفهم الكثير حول التّنظير والجدل السّياسيّ والفكريّ في قضيته، ولا يريد أن يعرف أيّ شيء عن ذلك، هو يختصر الفكر كلّه في جملة واحدة: " سأحارب أولاد الحرام حتى يخرجوا كالكلاب من وطني فلسطين أو يموتوا فيها".

لم يمارس في حياته شيئاً سوى القتال لأجل فلسطين، أشغله ذلك عن الزّواج والعمل والحلم، بل أشغله عن نفسه وعن الهرم إلى أنّ أدرك الموت في عمليّة فدائيّة نسفت جنوداً ومعسكراً، في آخر لحظة له في الحياة قبل أن يسكن للموت حدّث نفسه بسعادة قائلاً:" لقد حاربتهم حتى ماتوا فيها".


حالة خاصّة

منذ ولادته يعاني من إعاقات متعدّدة جعلته عاجزاً عن النّطق، وتأخر عقله جعله يعيش كطائر طاهر في دنيا الخيال والأحلام، لا يعرف من دنياه سوى أمّه وأخيه الصّغير الأصغر الذي يعتني به دون توانٍ.

لطالما تمنّت أمّه أن تسمعه ينطق كلمة واحدة في حياته، وطوّفت به على الأطبّاء والمستشفيات المتاحة على أمل تحقيق هذا الأمل الهارب نحو الاستحالة.

القصف الصّهيونيّ لم يعفه من النّار والحديد يصبها على أمّ رأسه طالما أنّه طائر ملاك يعاني من إعاقات متعدّدة، ولا يشكّل خطراً عليهم أو أملاً أو مكسباً لأهله وشعبه.

سقف بيته وقع على رأسه جرّاء القصف، ظلّ أيّاماً مفقوداً في عداد الشّهداء إلى أن عثرتْ أمّه عليه منزوياً في سرير ملطّخ بالموت في إحدى مستشفيات المدينة.

حضنته، وقبّلته،ورّكزت رأسه بصدرها المعرورق الفائض بالحزن والقلق، ابتسم لها، ونطق كلمة واحدة لا غير خطفها من ألسنة الجرحى والمسعفين والزّائرين: "فلسطين".


ابن أمّه

هو ابن أمّه في الملامح والشّكل والصّوت الرّخيم القادر على إنطاق الحجر إن غنّى أو ترنّم أو تلا القرآن الكريم، لكنّه ليس ابنها في حبّ فلسطين والنّضال ضدّ احتلال وطنه.

هو وحيدها الذي قطّعت عمرها في تربيته بعد موت زوجها شابّاً يافعاً. دلّلته على قدر الموسع المترف، وهي الأرملة الفقيرة المعدمة،حتى غدا لقبه (ابن أمّه) لرخاء العيش الذي يحياه في كنفها.

قبلت منه كلّ تقصير وتقاعس وكسل وإهمال وتواكل عليها، إلاّ أن يخون وطنه فلسطين، فهذا كفر لا تقبل به. لا تعرف كيف ومتى وأين ولماذا أصبح عميلاً رخيصاً لصغار الجنود الصّهاينة، لكنّها تعلم بالدّليل اليقين أنّه كان الواشي الآثم بفدائيين من عائلتهم، وهو من تسبّب في قتلهم على حين غدر وخيانة.

الآن تعلم علم اليقين أنّه سيشي بالكثيرين من الفدائيين الفلسطينيين الآخرين، وهو المطّلع على نشاط الكثير منهم بحكم قربه منهم لأنّ أمّه واحدة منهم. هو الآن في نظرها قد بات فرعاً ميّتاً نجساً مقصوفاً من سنديانة عملاقة طاهرة تصمّم على الحياة والتّغلغل في الأرض.

آن الوقت لبتر هذا الغصن النّخر على الرّغم من أنّه ثمرة قلبها وحصاد عمرها. أبلغتْ عنه فدائيي المنطقة كي يقنصوا رأسه الخائن،وطلبت منهم أن يفعلوا ذلك هناك في الجبل كي لا تراه مشبوحاً أمامها مسربلاً بعاره وخيانته.

في اللّيلة المقصلة صلّت العشاء،ونامتْ ليلها الطّويل آمنة راضية بما فعلتْ، ونسيتْ أنّ لها ابناً مدّللاً خائناً سترحل روحه هذا المساء إلى الجحيم لأنّه ليس ابن أمّه.


ابتسامة

لم تفارقه الابتسامة طوال حياته،فغدتْ عضلاته وجهه منكمشة بتيبّس على ابتسامة عريضة قادرة على ابتلاع أعظم حزن وألم وحرمان وخيبة أمل.

ابتسامته استطاعتْ أن تبتلع ذكرى مشاهد الإبادة في مخيم (صبرا وشاتيلا)، وأن تدفن دموعه في أعماق نفسه وهو يرى أسرته أشلاء لحم محروقة تتعفّن في شوارع المخيم الذي داسه الموت بكلّ جرأة ووقاحة. ابتسامته منعت الأكف الحانية من أن تداعب يتمه، وأن تستجدي الإحسان إليه،كما شكّكت بجدّيته وانضباطه عندما تقدّم متطوّعاً للانضمام في صفوف الفدائيين، ولكنّها في النّهاية أصبحت علامته المميزة الرّافضة لأن يرى أحد دمعة في عيون فلسطينيّة.

الآن ابتسامته تبدو أكبر وهو يطارد الموت المذعور منه،ويمدّ يده إلى فتيل الحزام النّاسف ليمحو عن وجه البسيطة هذا المرقص الليّلي المحتشد حدّ التقيؤ بالجنود الصّهاينة الذين قادوا منذ أيام عاصفة إبادة لمدرسة أطفال فلسطينيّة في قطاع غزّة، تتسع ابتسامته أكثر، ويشدّ الفتيل، ويعلو شهيق الموت، ولا تفارقه ابتسامة الرّضا.



د. سناء الشعلان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى