د. سيد شعبان - سبيل أم عباس!

سرى نبأ في كفرنا انزلق من لسان هنومة الداية تلك التي تدب في الحواري وتتسمع الوشايات، يقولون عنها: أذنها ملقاط وفمها الذي به ناب من فضة وآخر ذهب يشبه الإذاعة ترغي من راديو فتوح القهوجي؛ وإن ماء سبيل أم عباس مبارك؛ تأتى به جنية من سحابة تنتظرها أعلى جبل المقطم من جهة قلعة الجبل، على أية حال تبعتها حافي القدمين؛ يكاد ثوبي الممزق بدعني عريانا شأن كل أطفال الحارة؛ مشينا في صف وراء آخر؛ موكب يزداد نسوانا وأطفالا، يعبر الغورية وينطلق صوب حارات شارع المعز؛ تخيلوا حتى الكلاب والقطط تتسارع لتدرك شربة ماء مباركة؛ جمع أشبه بمولد سيدنا الأخضر، من يدري بسره؛ صاحب معجزات تروى؛ خرجنا من درب سعادة إلى درب المهابيل؛ اجتزنا شارع النحاسين، ضربنا العطش، نخاف مجرى العيون الذي تسكنه حية ذات سبعة ذيول، في رقبتها جرس يصلصل كلما اقترب الناس منه، بلغ بنا التعب درجة الهذيان؛ عطش وجوع وتوهان في دروب المحروسة؛ حبشي طويل على رأسه طاقية، يمسك بكوب الماء، يسقى النسوان أولا، نغمشة وطرقعة؛ واختيال وتمايل؛ ينثر قطرات الماء فتسحر منها ذات النهد الرماني؛ ينساب شعر بنت الرومية، تمنى كل واحد ممن سكن درب المهابيل أن تقطر من ريقها الشهد في فمه، ينسى الجوعى بطونهم ويسيل ريق العطاشى من شفاه أشبه بالحجر.
يطوف الحيارى وما دروا أنهم شبعوا ولا ارتووا؛ يقهقه الحبشي أبو طاقية، يا أم عباس سبيلك كوزه انخرم!
تصيح هنومة الداية: كوز أم عباس من ذهب فيه حلقة ذهب وحلقة مرمر؛ يرميها الدراويش بحجر وراء حجر، تخرج من حارة الزياتين محروسة من العين، ترمي الحبشي بحصوة كانت عند أبو الخير؛ جمل المحامل برك في الحجاز؛ حملوه حصى وتمرا وصية من سيدنا الأخضر؛ كلوا التمر وارموا الحصى في كل حارة، اجروا في البلاد واغمسوا النوى وارووه من سبيل أم عباس!
سرنا من الدرب الأحمر وقد اختلط رمله وطينه بدم المماليك المذبوحة يوم قفز الحصان الأشهب من أعلى سور القلعة والأتابك يفترس لحم الفريسة ويشد نفسا من النارجيلة؛ تولول العجوزة وتئن هنومة الداية؛ فكل البراعم في بر المحروسة تحصدهم سيوف العثمانلي والبربر في بلد ظلت قرونا منكوبة.
حتى لم يعد في وسع الجميع أن يصبروا، بدا لهم أن يرتموا وقد انتظروا في بركة الفيل جوار حديقة الأزبكية؛ يقهقه الحبشي أبو طاقية؛ والمحمر ساكن البيت المدور يتمايل نشوة ويرفع عقيرته ويحلو له أن يدعو على الزيبق ليتسلى ببعض مسامراته ويسبح في أطياف تزايله ليل نهار أن يجف النهر وينتهي الزرع.
شريط أصفر يلتف حول وسط غجرية في حارة برجوان، من جوار السيدة تخرج جموع العجزة؛ فول نابت وأرغفة خبز تشبه قرص الشمس، نفحة وراء هبة من يد أم عباس، نطوف وقد تزودنا وامتلأت بطون الجوعى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى