أشرف البولاقي - فتنة العمى (٢)

أنا لا أحب الأهلي ولا صالح سليم، ولم أعتقد يومًا ما أن نجاة الصغيرة ممثلة جيدة.
ولا بدّ أن أعترف أن الإحساس بتناقص حاسة الإبصار عندي، بدأ منذ سنوات، لكن تفاقمه وإحساسي بدخول متطقة الخطر واقتراب تجربة العمى اشتد وتفاقَم بعد رحيل المرأة التي أحببتها.
لم يكن إحساسًا نفسيًا، ولا شعورًا عصبيًا، لكنه كان واقعًا أمامي في اهتزاز الحروف والكلمات، في زيادة معدل ما يطلِق عليه الأطباء، الذباب الأسود الطائر، أمام عينيّ الاثنتين – مِن قبل كان أمام عينٍ واحدة – في عدم القدرة على قراءة المواد التي كنت أقرأها من قبل بسهولة، في الشعور بالصداع والزغللة، عِلمًا بأنني كنت مِن الذين لا يشكون صداعًا من قبل، بل لا أكاد أعرف الصداع هذا الذي يشكو منه الكثيرون!
وفي إحساسي المتزايد أن النور ينطفئ شيئًا فشيئًا أمامي.
لا يذهبنّ أحدكم إلى الظن أنني بكيت طويلا متأثرًا بفراقها، ومِن ثم فإن كثرة البكاء تضعِف العين وتوهِن النظر، في الحقيقة لم أذرف دمعةً واحدة، ولا أظنني سأفعل ... لكن الأمر بدا وكأنني كنت أستمِد بصري من وجودها في حياتي، أو كأنها كانت هي النور الذي أستضئ به.
لكن اللافت أكثر، أن رحيلها هذا فيه من الرحمة ما فيه، فلو أنها بقيت لغَادرَتني لحظةَ العمى، فما كانت لتتحمل أن تراني أعمى، وما كنت لأتحمل أنا أن أكلّفها شقاء هي في غِنىً عنه، ولقد راودَني سؤال قاسٍ، أتراها غادَرتني لأنها أحست أنني مقبِلٌ على شيء كهذا؟ أذكر أنني مراتٍ كثيرة حدّثتها عن ضعف نظري، وفي رحلة لنا بدولة عربية كانت تلِح عليّ أن نذهب لطبيب عيون شهير، لكنني رفضتُ، هل كانت تعلم أن الاحتمال قائم؟ هل لم تشأ أن تورّط نفسها مع عاشق أعمى أو حبيبٍ كفيف، فآثرت أن ترحل متعللة بحُرمة الحب في الشهر الكريم، أو بانهيار أعصابها بسبب ما تلاقي من ضغوط في عملها بإحدى شركات حجز الطيران؟
ربما، خاصة وأنها تعرف أنني لا أحب الأهلي ولا صالح سليم، ولا نجاة الصغيرة، بينما هي تحبهم جميعًا، الأمر الذي سيجعل من فيلم "الشموع الزفت السوداء" جرحًا في علاقتنا!
حاولت أن أقنعها قبل الرحيل أن تنشيء حسابا على الفيسبوك لنتواصل عليه، لكنه رفضت تمامًا، مؤكدة أن الفيسبوك حرام أيضًا!
في كل الحالات، أنا لا ألومها، وسواءٌ أجاء العمى أم حدثت المعجزة وكنت واهمًا، فلن أنسى أنها كانت النورَ الذي أسير على هديه، والشموعَ البيضاء والخضراء التي كانت تنير حياتي.

ــــــــــــــــــ
#فتنة_العمى


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى