حسن عبادي - مش إنت حيدر؟

كان حيدر يكتب الخواطر وينشرها يوميًا على صفحته الفيسبوكيّة، يشارك من هناك وهناك أشعارًا منقولة دون ذِكر مصدرها، وصار فارسًا من فرسان الشاشة الزرقاء ونجمًا لامعًا من نجومها، تفرّغ للتعقيبات وحصد اللايكات، وكيل المديح ع الطالع والنازل. توجّه لشركة إعلام تروّج علامات الإعجاب لمن يدفع وصار بين ليلة وضحاها من المشاهير وأصابه جنون العظمة وآمن بأنّه شاعر عصره.
أهمل شغله اليوميّ، وأصبح شغله الشاغل أن يجدّد بروفايله كلّ صباح، وينهي مساءه قبالة شاشة نقّاله يعدّ علامات الإعجاب، (يليّك) لمَن (ليّك) له ويكيل له المديح، ويتجاهل مَن لم يصبّح عليه ب(تلييكة)، بل ويتصّل به ليعاتبه، ويخاصمه أحيانًا.
شاف حالُه ومش مصدّق، وفكّر أنّه أصبح غضنفر زمانه، توجّه لمطبعة محليّة ودفع لصاحبها اللّي فوقو واللّي تحتو ليصدر كتّيبًا يحمل صوَرِه وموسوم ب"ديوان القرن" ليطبعه على ورق خرومو مصقول، استأجر قاعة أفراح لحفل الإشهار مع طاقم تصوير ومونتاج وإخراج، مكتب للإعلام والعلاقات العامّة، منسّقة زهور، بائعة كعك وعريفة حفل مدفوعة الأجر.
ذهب صبيحة السبت للكوافير، بعد أن اقتنى أغلى بدلة في السوق، تحمل شارة ماركة عالميّة، زيّن البلدة بدعوات للحفل تحمل صورته، دعا زوجته لفنجان قهوة وكعكة في المول المركزي؛ عند الوصول وبعد أن رَكَن السيّارة الفخمة المستأجرة همس لها: "إسّا بتشوفي كيف الناس رايحة تهجم عليّ بدها تتصوّر معي، صرِت (سلِب) مشهور!".
بعد مرور نصف ساعة، دون أيّة بارقة اهتمام من روّاد المول الذي اكتظّ بالمتسوّقين، من البلدة والقرى المجاورة، فجأة تقدّم منه أربعينيّ، فقال لزوجته: "شفتِ؟ هيّاتها الناس بلّشت تهجم عليّ"، وحين وصل طاولتهم، توجّه إليه سائلًا: بالله عليك، مش إنت حيدر الليّ كنت تشتغل معي بالدهان في الكبّانيّة؟


حسن عبادي

(نُشرت القصّة في العدد الأول، السنة السابعة، آذار 2021، مجلّة شذى الكرمل، الاتّحاد العام للأدباء الفلسطينيّين – الكرمل 48)





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى