محمد عكاشة - نور..

صيد الضفادع واللعب فى الطين والجلوس بجوار خالتى نور كانوا ملاذى منذ كنت صغيراً فى مدرسة بلدتنا الملاصقة للطريق الذى يجرى عليه عربات مسرعة دون توقف ٬ وصيد الضفادع الذى أصبح عادتى المعروفة لدى العيال - جعلهم ينادوننى بعلى ضفدع ٬ حتى خالتى نور التى كانت بالسنة الأولى بكلية الطب عندما عرفت عنى ذلك - عقدت معى إتفاقاً ٬ وتحدثت معى - تماماً كما يتحدث معى الأولاد ٬ وضعت ذراعها على كتفى ٬ وركزت على ركبتيها ليتناسب طول جسدها مع طول جسدى وقالت ( بص يا على يا ضفدع ) أعرف أنك جن مصور ٬ أنت تمدنى بالضفادع وأنا أمدك بالنقود وأشاحت بيدها وقالت ها موافق . فلأننى كنت جوالاً أبحث عن خفايا الكائنات لأداعبها وأترقبها . وأشكل من الطين وجوه وحيوانات وطيور ٬ وأتركها حتى تجف ٬ وأهش العصافير من على الأغصان ٬ وأصطاد الدبابير وأعلقها بخيط طويل لتطير وتعود إليﱠ ٬ أعوم فى الترع والمصارف ٬ أرمى سلة صغيرة معلقة فى عود بوص طويل على صفحة الماء لألتقط الضفادع وأضعها فى جردل مملوء بالماء ٬ فأداعبها وهى تفتح رجليها الخلفيتين لتسبح وتغطس وتقب ٬ وأقلد نقيقها كى ترد علىّ ٬ وأداعب الكبش لينطحنى ٬ وأعوى كذئب فى حقول الذرة ليهرع المارة ٬ وأتسلق النخيل لأرى السحب عن قرب . لهذا أبيت أخذ النقود من خالتى نور - شريطة أن تجلسنى معها وهى تجرى عملية تشريح جسد الضفدعة ٬ صفقت بكفيها ودفعتنى برفق وهى تضحك وقالت يا سلام ٬ يا على يا ضفدع . ونور كانت سريعة الإبتسام تضحك وسرعان ما تبكى خاصة إذا نهرها جدى أو ينظر لها معاتباً . تجلس فى غرفتها فوق السطح متحررة من طرحتها ٬ تاركة شعرها المجعد منسدلاً على كتفيها , تتكلم بلهوجة وإنفعال وسرعان ما تهدء . أجرى لأضع طبلية واسعة أمام الباب لتفرش عليها ورق صحف قديم . هى ترص عدة التشريح بعناية ٬ وأنا أخرج لها الضفدعة من الجردل ٬ عرفت منها أسماء أدوات الشق والقطع والخياطة . تضع الضفدعة على ظهرها وتثبت أرجلها الأربعة بدبابيس مدببة ٬ علمتنى تعقيم الأدوات لتجفيفها . إرتجفت أعضائى عند أول عملية شق ٬ بعدها بهرتنى خفة أناملها وهى ترسم خطوط على البطن وتشير إلى موضع الكليتين والقلب والأمعاء .


أقول لها أن الضفدعة خائفة ٬ تربت على ظهرى وتقول أنها تفعل ذلك كى تتعلم ٬ شقت البطن بخط طولى لأعلى ولأسفل , وخط عرضى فى المنتصف فبان الغشاء الداخلى الشفاف . شفته فظهر القلب كمضخة قوية لا تهدأ ٬ تنتفض بدقات منتظمة وسريعة ٬ أنظر لعين الضفدعة وللقلب .
قلت لها : متى يتوقف القلب .
قالت إذا ماتت وخرجت الروح
قلت : وأين الروح ٬ أشاحت بيدها ٬ هى التى تحرك القلب كما ترى .
قلت ( عاوز ) أشوفها يا خالتى ألقت المشرط من يدها وصرخت في وجهى يا سلااام . قالتها بتعجب وغيظ ٬ وعندما أحست إننى أوشكت على البكاء شدتنى إلى حضنها وقبلتنى . حينها أحسست بقلبها يدق بسرعة وينتفض كقلب الضفدعة . خيطت شق البطن وحررت الأرجل وتركتها تقفز فى الماء .
ظللت طوال اليوم أتتبعها وهى تعوم ٬ وأرمى لها حشرات لتأكلها ٬ ولكنها انزوت بجوار جدار الإناء حتى انقلبت على ظهرها وماتت ٬ ساعتها ظننت إننى سأرى الروح وهى تنسل من قلب الضفدعة ٬ ولكن لم أرى سوى جسدها تحركه دوائر الماء ٬ فينزوى يميناً تارة ٬ ويساراً تارة أخرى ٬ فررت مسرعاُ إلى السطح صائحاً ٬ الضفدعة ماتت .
أصرخ وتضحك خالتى نور وتشدنى إلى حضنها وتقول كل الكائنات تموت يا على يا ضفدع وأنا أنظر إلى السماء لأرى روح الضفدعة التى فرت من الجسد وطارت كما تطير أرواحنا وتحط كطير هده التعب ٬ طارت لتملأ السماء بأصوات فرحة أو ناحبة أو بأنات وأوجاع يلفها الهواء ويطوحها لتتلاقى فى موعد ما ٬ أو تسقط كبذرة تنبت من جديد ٬ ولأننى كنت عنيداً دفعنى الفضول للبحث عن الروح داخل قلب الضفدعة ٬ وكيف فرت من جسدها بعد عملية التشريح التى قامت بها خالتى نور ٬ وما هى الشبكة السميكة الخيوط التى تصطادها ٬ ولا تستطيع الفرار منها ٬ وماذا حدث لقلب الضفدعة ليتوقف عن الضخ ٬ وفرت منه الروح ٬ فهل فرت الروح من ألم الشق وتمزقت شرايين التواصل بين القلب وبقية الأجهزة التى كانت تعمل بحماس وجدية توحى لك أنها ستظل هكذا .
تسللت إلى غرفة خالتى نور وسرقت منها بعض أدوات التشريح ٬ ووضعت طبلية صغيرة فى غرفتى لأثبت عليها الضفدعة وشرّحتها كما تفعل تماماً وحركت القلب من مكانه ٬ وتأملت التناغم بين الدقات وحركة الرئتين ٬ معتقداً أن الروح كائناً شفافاً لا يُرى ٬ تسرى فى الجسد خفية ولا تدركها الأعين ولكنها تعيش فى الجسد وتنمو بالتلاحم مع أرواح أخرى مثل الهواء والماء والنبات والحيوان ليتحدوا جميعاً فى روح واحدة تنبض بشكل ميكانيكى محسوب بعناية ٬ مع تبادل الأدوار والأعمار ٬ فتتغذى الضفدعة على النبات وتشرب الماء وتستنشق الهواء . وينمو النبات من فناء الأجساد ويشرب الماء ويستنشق الهواء ٬ وحينما حدثت نور فى هذا وعن تحليلى لمعنى الروح - هبت واقفة من مكانها . خاصة عندما علمت أننى شرحت ضفدعة أخرى وظلت حية تعوم وتغطس عدة أسابيع ولم تمت إلى الآن .
شدتنى إلى حضنها ورفعتنى بذراعيها لأعلى ورددت عبارتها المعهودة يا سلام يا على يا ضفدع ٬ ولكنها قالتها هذه المرة ودموع الفرح تبرق فى عينيها . ومرت أعوام أنام فى غرفتها وأذاكر دروسى معها ٬ تجادلنى وأحاورها ٬ أقرأ كل الكتب التى تقرأها فى الطب وعلم النفس والتاريخ والفلسفة ٬ هى كانت دودة (قراية) كما يقول عنها جدى ٬ لهذا ألحت على أبى لأدرس الطب .
ولكنى لم أترك نحت الوجوه التى من حولى ٬ باحثاً عن الروح التى تظهر طافية على وجهى أخوين رغم اختلاف ملامحهما ولون بشرتيهما ٬ وعن الروح فى كل الأشياء الساكنة وعن الأرواح التى تهب علينا كعاصفة أو تهطل علينا كالمطر ٬ أو هجرة الأرواح من بيننا لتتلاقى فى السماء كسرب طير يهاجر فى موعد محدد بدقة وعناية ٬ بالضبط كالميلاد والموت ٬ متأملاً فى طبيعة الروح السعيدة والروح الحزينة ومفتشاً عن سر تآلف الأرواح ونفورها .
هى كانت شغوفة بذكى نجيب محمود ٬ وتحليلاته وأنا كنت شغوفاً بكل الفلاسفة الوجوديين ٬ هى قالت لى : أنت مجنون يا على يا ضفدع منذ كنت صغيراً .
وأنا أرتمى فى حضنها لأحس بدقات قلبها كما كنت أفعل وأنا صغير ٬ رغم أنها تزوجت وأنجبت وهاجمها السرطان . ظلت أعواماً ولكنه أجهز عليها فى ليلة شتوية ممطرة ٬ نبحت فيها كلاب الليل ٬ ومائت القطط خوفاً وريبةً ٬ وأنا الآن أقف أمام جسدها ٬ وهى مستلقية على ظهرها مستسلمة للسرطان الذى تملك من قلبها ٬ والذى كان يدق كقلب الضفدعة .
أقف فى مشرحة مستشفى بنها العام التى أعمل بها ليجمعنى القدر مع خالتى نور للمرة الاخيرة دون جدال .
هى ممددة الآن على منضدة التشريح منتظرة أن أقوم أنا الطفل الصغير الذى كان يجلس بجوارها كى تعلمه كيف يشق بطن الضفدعة وكيف يثبتها ٬ أنظر لجسدها الخمرى وشعرها المجعد وثغرها المنمق ٬ وأشتم رائحة حضنها . أراها جسداً شفافاً يظهر ما بداخله وأتذكر دقات قلبها وحميمتها ٬ من حكايات قديمة على شكل شريط سينمائى مصور وعندما أمسكت بالمشرط ورسمت خطاً طولياً على البطن أتانى صوتها من الذاكرة وهى تقول : يا سلام يا على يا ضفدع - فسقط المشرط على الأرض ٬ وعندما انحنيت لألتقطه أتانى صوتها وهى تضحك لتحثنى على أن أصطاد لها الضفادع مقابل النقود ٬ فارتعشت يدى واصطكت أسنانى ٬ ورجعت بظهرى للباب ٬ وأنا أهمس بكلام قلته لها من قبل عن معنى الروح ٬ وهى كانت ترد علي بكلام عن الحياة وسر البقاء .

محمد عكاشة
مصر


* قصة قصيرة من كتاب: "دقات" الصادر من الهيئة المصرية العامة للكتاب




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى