عبد الغني سلامة - زوجات المشاهير

نساء كثيرات لا نعرف عنهنّ شيئاً، كان لهنّ الفضل الأول في شهرة ونجاح أزواجهن.. منهن من ظُلمن وغيّبن قسراً، وأخريات فضّلنَ البقاء بعيداً عن الأضواء.. مقابل سيدات طغت شهرتهن لدرجة كبيرة فغطت على أزواجهن؛ مثل أنديرا غاندي، بنازير بوتو، مارغريت تاتشر، الملكة إليزابيث، وغيرهنّ..
صاغ المجتمع الذكوري مقولته الظالمة «وراء كل رجل عظيم امرأة»، كرشوة للمرأة لتقنع بدور هامشي (خلف الرجل)، حتى لو كانت مبدعة أو مخترعة.. ليظل عالم النجاح والشهرة مقتصراً على الذكور.. ومع ذلك، بين تلك الحالتين، سنجد سيدات تشاركن مع أزواجهن النجاح، أو قدّمنَ لهم الدعم والرعاية، وصبرنَ على كل شيء ليفتحنَ لأزواجهنّ أبواب المجد.. ضمن علاقة تشاركية تكاملية.
كمثال على الحالة الوسطية العادلة نوعا ما، نذكر السيدة «مرسيدس»؛ وهى حفيدة مهاجر مصري، تزوجت من الروائي العالمي «ماركيز»، وعاشا في فقر شديد، لدرجة أنه بعد إنجاز مخطوطة روايته الأشهر «مائة عام من العزلة» لم يكن لديه مال لإرسالها بالبريد إلى دار النشر، فرهنت «مرسيدس» مصاغها لتوفير تكلفة البريد.. فكان لها الفضل بأن تصبح الرواية الأكثر مبيعاً في التاريخ، ما أهّل ماركيز للفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1982.
الحالة الثانية: «أليسيا هاريسون»، زوجة عالم الرياضيات الأميركي «جون ناش»، الذي رغم عبقريته عاش حياته يعاني من متلازمة نادرة، تجعله يتخيل أشخاصاً مسيطرين عليه، وأنّ مؤامرة كبرى تُحاك ضده.. لكن زوجته ساندته، وتفهّمت حالته المرضية والوساوس والأشباح التي تظهر له، إلى أن حاز جائزة نوبل عام 1994 في الاقتصاد، ويقول الأطباء أنه شُفي تدريجيًا دون أدوية، بسبب الحب والحميمية في علاقته مع زوجته.
جميعنا نعرف عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، لكننا لا نعرف شيئاً غن زوجته «جين وايلد»، التي نذرت حياتها لخدمته؛ حيث عانى «هوكينغ» من مرض التصلب الجانبي الضموري، الذي جعله مشلولاً تماماً.. دعم زوجته لم يقتصر على الرعاية الجسدية، بل شمل قراءة المصادر، وكتابة أفكاره، وصياغتها، وحتى مناقشتها، وطباعة كتبه..
الأمر ذاته فعلته الفرنسية «سوزان بريسو»، زوجة الأديب الكبير طه حسين، التي رافقته وخدمته حتى وفاته عام 1973، وأوصلته إلى أرقى مراتب العلم. قال عنها عميد الأدب العربي: «كانت صديقتي، وأستاذتي، منها تعلمت الفرنسية، واللاتينية، واليونانية، وتعلمت من أدبها، وكانت تقرأ لي، وتكتب أفكاري..».
وربما العلاقة الأجمل كانت بين الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي وزوجته المصرية الأديبة رضوى عاشور، والتي اتسمت بالعاطفة المتقدة والتقدير المتبادل، ودعم كل طرفٍ للآخر.
أما «ميلندا»، زوجة «بيل غيتس» أغنى رجل في العالم، فهي التي كانت وراء قراره بالتخلي عن نصف ثروته للأعمال الخيرية، وشجعته على مغادرة مناصبه التنفيذية في «مايكروسوفت» للتفرع للأعمال الإنسانية.
أما علاقة البولندية «ماري» كوري» بزوجها الفرنس «بيير كوري» فهي إشكالية نوعا ما؛ فقد كان زوجها عالما فذا، وهو الذي احتضنها ودعمها، ومعاً اشتركا في البحوث، لكن لجنة جائزة نوبل اختارت الزوج فقط لمنحه الجائزة، حتى أنها منعت «ماري» من حضور حفل تسليم الجائزة، بسبب الثقافة الذكورية التي كانت تحظر مشاركة النساء، أو منحهن الجائزة! وبعد عودته من النرويج صفعته بغضب، واتهمته بأنه سرق إنجازها. وقد توفي بعدها بوقت قصير بعد أن داسته عربة خيول مسرعة.
وبسبب مثابرتها وعزيمتها، واكتشافها عنصري البولونيوم والراديوم وتطويرها استعمالات الأشعة السينية؛ حازت على نوبل مرتين (في الكيمياء وفي الفيزياء)، فكانت أول امرأة تحصل على الجائزة، والوحيدة التي حازت على الجائزة مرتين، وفي مجالين مختلفين. كما فازت ابنتها، وزوج ابنتها بجائزة نوبل فيما بعد.
أما الصربية «ميلفا ماريك»، زوجة العالم الأشهر «إينشتاين» فلها قصة مختلفة؛ يُقال أنها ساهمت في أبحاث «أينشتاين» المبكرة، خاصة تلك التي نشرها في المجلة العلمية الفيزيائية عام 1905، والتي قالت عنها حينها: «انتهينا من بعض الأعمال الهامة التي سوف تجعل زوجي مشهوراً عالمياً»، تلك الورقة شكلت أساس الفيزياء الحديثة.
توقفت مسيرة «ميلفا» العلمية بسبب انشغالها في الحمل والولادة وتربية الأبناء.. إلى أن انفصل الزوجان بعد زواج دام 11 سنة.. «أينشتاين» تزوج بعدها من ابنة عمه «إلسا»، ثم نال جائزة نوبل عام 1922.
أما الأديب الكبير نجيب محفوظ (الحائز على نوبل في الآداب) فقد أخفى خبر زواجه لعشر سنوات، وكان يعلل عدم زواجه أمام الناس لانشغاله برعاية أمه وأخته الأرملة وأطفالها. في حين ظلت زوجته «عطيات» في الخفاء، تعيش لراحته ولتحسين مزاجه في الكتابة ورعاية طقوس معيشته، إلى أن انتشر خبر زواجهما في الأوساط الأدبية. وقد رحلت بصمت كما عاشت بصمت، في يوم إعلان جائزة نجيب محفوظ في الأدب التي خصصتها الجامعة الأميركية بالقاهرة.
هذه العلاقة المركبة والمعقدة بين الزوجين إذا كان أحدهما مبدعاً (أو كلاهما)، تلخصها رواية The Wife للكاتبة «ميغ ويلتزر»، والتي صارت فيلما بنفس الاسم، بطولة «غلين كلوز»، و»جوناثان برايس». يبدأ الفيلم بتلقي الزوج مكالمة من استكهولم مفادها أنه حاز جائزة نوبل، وهنا يرقص الزوجان فرحاً كالأطفال، كانت العلاقة بينهما في تلك المرحلة ممتازة.. لكنها ستتغير أثناء الرحلة إلى السويد لحضور مراسم استلام الجائزة.
أثناء ذلك تستعيد الزوجة ذكرياتها البعيدة؛ تتذكر أيام شبابها حين كانت كاتبة واعدة، وكيف تعرفت على زوجها، الذي نصحها بترك الكتابة للتفرغ للبيت والأولاد.. وأنها استجابت لطلبه، وواصلت دعمها له، فكانت تلهمه، وتصحح أخطاءه، وتطور أسلوبه، حتى أنها تقريبا كانت تكتب الروايات عنه.
بعد تلقيه خبر الجائزة، تتكشف شخصية زوجها الحقيقية، فتتضخم ذاته، ويغدو متكبراً، وينغمس في الحياة المترفة، حتى أنه يتجاهل دورها الرئيس في حياته، وأنها في الحقيقة هي من صنعته.. هنا تستيقظ مشاعر الزوجة المكبوتة، فتشعر بالأسف على ما فاتها، وتبدأ بالتعبير عن غضبها.. يحاول الاعتذار منها، حتى أنه ألقى ميدالية نوبل من شباك السيارة.. لكن دون فائدة، عملياً «نكدت عليه» وسلبته فرحته، لدرجة أنه مات كمداً في غرفته في نفس ليلة استلامه الجائزة.
مشكلة المرأة أنها حُرمت «تاريخياً» من فرص تطوير ذاتها، والمجتمع دوماً يطالبها بالتضحية لزوجها ولأولادها.. وعندما تتنبه لخسارتها «عمرها» يكون الأوان قد فات.

عبد الغني سلامة

2021-09-22




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى