فاتن فاروق عبد المنعم - هيكل الفخار..

مملوء بالكبر الذي كان سببا في لعنه، أوغر صدره الأمر بالسجود لمخلوق مثله ارتأه أقل منه قيمة وقامة، يذهب ويجيء، يشعل شموع حقده ليكون سببا في الهبوط، ومازالت شموع حقده مشتعلة تحرك مكنونه فبمجرد التطلع للمملكة الجديدة أخذ على نفسه عهدا ليصبح أميرها بل ووسم نفسه بالإله المستحق للعبادة، رسم لنفسه هرما تتماس رؤوسه مع حواف المملكة المستديرة، وعلى قمة الهرم نحت عينه الرانية لسكان المملكة وأقسم بعزة الله الذي يعرفه حقا وحقيقة أن يكون على قمة الهرم منذ أول لحظة، في الخفاء دون أن يدرك سكان المملكة ولابد أن يحين الوقت الذي يسفر عن اعتلائه القمة وهو الصبور الذي لا يتعجل بينما سكان المملكة متعجلين بطبيعتهم، وهو الذي يأتيهم عن أيمانهم وشمائلهم ومن بين أيديهم ومن خلفهم وبنى ملكه من خلال أتباعه.
اكتفى من المؤسسين فقدهم الفردوس وابتدأ عمله بين ذريته، فله نصيب من قلب كل منهم، ولم يكتف بعد، فلا أقل من أن يعبد بينهم، مقعده الوثير والأثير فوق كل صراط مستقيم.
في كل مرة يرتقي مرقى جديد يقوده إلى قمة الهرم، وقمة الهرم لديه تعني أن يكون هو المعبود الوحيد في هذه المملكة، وعينه التي أودعها على قمة الهرم كلما طافت وجالت في أعطاف المملكة ورأت الموحدين فرقا متناثرة هنا وهناك حتى ولو كانوا كالشعرة البيضاء في ثور أسود حسا التراب فوق رأسه أسفا وندما فلا يهدأ وتظل قريحته تتفتق لتفرز الجديد الذي يقوده إلى مبتغاه.
كان ولابد أن يصبح له حزبا قويا ولا أقوى منه حزبا آخر، يأتمر بأمره وينفذ ما يمليه عليه دون قيد أو شرط، فمن شروط الانضمام لهذا الحزب الطاعة العمياء والولاء الكامل له، وهاهو يقبض على ثروات المملكة، فالذهب الذي كان يسكه الموحدين عملة بين أيديهم قبض عليه بيد حزبه واستبدله بورق أخضر يظن من يقبض على بعض منه أنه صار من أثرياء المملكة، بينما هو ليس إلا قرارا ينحصر بين الكاف والنون، كافه ونونه هو وليس كاف ونون الله حسبما يعتقد هو، لم تحن اللحظة المنشودة بعد.
هو صاحب الكلمة العليا في المعاهد والمؤسسات العلمية، أغلب العلماء عباده يأتمرون بأمره، فهم شركاء أصلاء في دفع تلك الأمواج البشرية الهادرة لتصبح عبيدا له، طواعية من كثر، ورغما عن قلة موحدة يضعها دوما في خانة المهطعين، بأيديهم وليس بيده، فقط قبول إشاراته الخفية المقنعة بزيف القول والفعل والصورة التي تنطلي على قطاع غير قليل منهم ولكن تبقى طائفة منهم أيضا لا يأبهون بفعله ولا ينخدعون ولا يرضخون، لا يهمهم من خذلهم أو رماهم بما ليس فيهم فإذا تطلع إليهم عاد ليحسو التراب فوق رأسه كأنه لم يحقق نصرا ما يذكر وعاد إلى حزبه يجتمع بهم ليبحث معهم ما ينبغي عليهم فعله.
على كل الأبواق أن تنعتهم بسيء الصفات، كل سكان المملكة لا ترى عدوا لهم سوى هؤلاء
كان هذا مقترح كبيرهم بالمحفل.
فأجابه وهو يستشيط غضبا لا يهمهم ولا يعنيهم يعشقون الموت كما تعشقون أنتم الحياة.
يلتفت إلى العلماء ويقول لهم مستنكرا أين أشعة عقولكم؟
الصمت يجوب المحفل ويعود بخفي حنين وهم كأن على رؤوسهم الطير.
فيقول في صلف"هل تعرفون لكم ربا غيري في هذه المملكة؟ أم أنا ربكم الأعلى.
يصمتون في خشوع ثم يقولون في ابتهال بل أنت إلهنا المستحق للعبادة.
يقول كأنه يملي عليهم الواجب فعله:
أود أن يهرعوا إلي مهطعين، حبوا على أربعتهم بعد أن نوقد الحروب والفتن والأزمات ثم مرض عضال لا يصل ترياقه إلا لمن يقبل الدخول في ملكوتي.
فيكمل عالم كبير: شفرة تحت الجلد ليصبح كائن رقمي يتم التحكم فيه عن بعد.
فيقول ولا يهمنا كثرة الهالكين المهم أن أقبض عليهم بيدي.
يمضي تجاه الهرم الذي اقترب مرقاه فيه من القمة، يتألم وحده فصورة آدم المخلوق من صلصال من حمأ مسنون وهو ملقى هيكل من فخار أجوف كلما مر به قذفه بقدمه امتهانا واحتقارا فكيف يؤمر بالسجود لهذا الحقير؟ كل ما فعله بذرية هذا الهيكل لم يشفي غليله بعد.
تفشت الجائحة في سكان المملكة من ووهان في شارع يحمل رقمه 666 والملايين تتبعها الملايين إلى القبور، أغلقت دور العبادة وأصبح الآذان صلوا في بيوتكم صلوا في رحالكم، وحل رمضان أصم وأكثر من هذا وذاك توقف الطواف حول البيت العتيق، الانهيارات كافة لا تتوقف، الترياق فقط لمن يقبل به إلها.
كل الأبواق لا تفتأ إعلان الخضوع التام له وانتشرت رموزه في كل مكان ولكن ظلت الشعرة البيضاء في الثور الأسود على ثباتها لا تقبل بشفرته فأمسك عنها شلال الماء وضروع الألبان وكل نخلة طلعها هضيم، الألبان تلقي بالبالوعات والزبد يلقى بالمحيط فخمصت البطون وانتشرت بينهم المجاعات بتبعاتها فقادتهم إلى القبور راضين مرضيين ليتخلصوا من حرارة الجمر الذي يقبضون عليه بأيديهم والزمرة الباقية على العهد تكاد أن تتداعى.
اعتلى قمة الهرم بعد القبول به إلها فأخذ يضحك مليء شدقيه نكاية في كل من يتحداه وهو يرى خراب المساجد وتوقف الطواف وانحسار الشرائع والشعائر ونادى بأعلى صوته متحديا:
هذه مشيئتي فأين مشيئتك؟
كأنه وحده في هذا الكون الذي صدح بصدى صوته، يرتد إليه حسيرا فيعود إلى صلفه الهش فيقول ها أنا أرد اعتباري الذي سحقته بطلب السجود لهيكل من الفخار، كي أثبت له أنه ولا حاجة وأنه طوع بناني، كان صوته نحاسيا يرتطم بالفراغ محدثا ترديد الحروف في تتابع.
ثم يستطرد دعوته فاستجاب لي رغم أن لا سلطان لي عليه ولكنه سهل الانقياد.
يرنو إلى السماء فيقول ليؤكد "ولكني بريء من ذرية هيكل الفخار، لأنني أوقن بوجودك حقا وحقيقة"
يستشعر ضعفه لعلمه بحقيقته التي لا تغيب عن مخيلته فيبكي بعد أن هدأ ريشه المنفوش وتكوم حوله ونكس رأسه مهطعا، ينتبه لانكساره الخاطف فيعود ليصدح بقوته الزائفة فيرفع رأسه للسماء مرة أخرى ويقول بأعلى صوته:
"شفرتي ستحيل ذرية هيكل الفخار إلى رقم، أنا من يحدده وبه أتحكم في ذريته، أحركهم كيفما أشاء وحسبما يترائى لي ثم يعلو صوته النحاسي ويقول والويل لمن لا يذعن"
يرتد إليه صدى صوته حسيرا مرة أخرى، يكاد الخوف من الله يقتله فيجدد التبرء من هيكل الفخار وذريته فيقول نعم زينت لهم أعمالهم ولكنهم كانوا سريعي الاستجابة فلم أسحبهم بسلاسل ولم أقرنهم في الأصفاد.
مازال يوسم أعطاف المملكة بوسومه ورموزه في غفلة منهم ليؤكد على قدرته على السيطرة عليهم وهم مذعنون وظن هو وحزبه أنهم قادرون عليها.
يستمر الوضع ما شاء له الله أن يستمر ويحدث ما لم يحسب له أي حساب.
صباح يوم ما، الأجهزة الرقمية والأسلحة الرقمية ليست إلا قطعا من الحديد، عادت الحروب إلى السيوف والسهام، انهارت الجدر التي كانوا يحاربون من ورائها ليرتد كل شيء إلى أصله ويزحف ذوي العمائم السود من الشرق ليقودوا العالم من جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى