محمد كمال سالم - حفلُ التاسعة صباحًا.. قصة قصيرة

في مستهلِ شتاءٍ جديد، كادت الشبورة الصباحية أن تنقشعَ وبصيص من ضوءِ الشمسِ الدافئ يتسلل بين الأبنية القديمة.
والطريق أصبح مهيئًا للزحام المعتاد كلَ يوم،
"وصفاء" في سيارتها تمرُّ من أمام السينما المشهورة المهجورة في حي المنيَل الجميل، تحدِّث نفسها: ما الذي جعلني أسلُك هذا الطريق اليوم ؟وما لبثتْ أن تجدَ إجابةٍ لسؤالها،حتي لمحتُه علي الرصيفِ هناك "معقول" أيمكن أن يكون هو بالفعل؟! أبطأتْ سيارتَها وراحت تتفرسُه مليًا "إنه هو" عادت إلي الخلف قليلًا وصاحت تناديه: (صلاح)، أربكت الطريقَ وراحتْ السيارات تطلق آلات التنبيه، وصلاح يرقب ما يجري دونَ إكتراثٍ ، كررت صفاء النداء عليه: ( صلاح) ينتبه صلاح أخيرًا، يتجه صوبَ من تناديه، ينحني ينظر داخل السيارة وسطَ سخطِ ولعناتِ المرورِ، تخلع صفاءُ نظارتَها الشمسية التي تغطي معظمَ وجهِهِا ليراها، وما أن رآها حتي تغيرتْ ملامحُه وانبسطتْ أساريرُه وضحكَ قائلًا: (مش معقول صفاء) أشارتْ إليه بيدِها وقالت: اركب بسرعة، وانطلقت مسرعةً تُفسح الطريقَ.
إستقرَّ جوارها ينظرُ إليها في سعادةٍ ودهشةٍ ووضعَ حقيبتَه فوقَ ركبتيه وقال: تأخرتِ قليلًا؟ فضحكا ضحكةً مبتورةً وقالتْ: لن نلحق بحفل التاسعة صباحًا في السينما، وراحا يضحكان.
ينظرُ صلاحُ إليها نظرةَ شوقٍ وعناقٍ وصفاء تراقبُه بشغفٍ وهي تراقبُ الطريقَ.
يشيرُ بسبابته لراديو السيارةِ حيثُ أغنيةٍ تصدحُ (ياحبيبي عود لي تاني، خلي عيني تشوف مكاني) وقال: ما تلك الأغنية أما زالت تُذاع؟! قالت: هي مسجلةٌ وليستْ مُذاعةْ.
يتفرسُ صلاح صالونَ السيارةِ الفاخرِ يجولُ بناظريه ثم يقولُ لها: لعمرك، تنتقين سياراتك بمهارةِ خبيرٍ، وأناقتك أيضًا، أنتِ جميلة كما ودعتكِ للمرة الأخيرة.
إبتسمت إبتسامةً واسعةً وقالت: أنتَ أيضًا لم تتغيرْ إلا تلك النظارة الطبية و......،
هو،و....ماذا؟ أكملي...
يضحكان.
سارا طويلًا ثم انعطفتْ لتركن السيارةَ وهي تقول: لنر إذا كان هذا المكان يحتفظُ بشئٍ من الماضي ولنحتسي شيئًا.
وفي ركن قصيٍّ خلفَ نافذةٍ زجاجيةٍ لكازينو عريقٍ وسطَ العاصمةِ جمعتهما طاولةٌ يكملا حديثهما...
صفاء: تبدَل مزاجُك وأصبحَ قهوة سادة بدلًا من الشاي بالحليب؟
هو: مرارتُه أصبحتْ تناسبُ تلك الأيامَ بقسوتها، أوتعرفين؟ ظللت مدةً طويلةً أترددُ حولَ بيتكم في المعادي رغم علمي ويقيني أنه لا جديد هناك، أراقبُ الشرفاتِ أبحثُ عن ضوءٍ ثري خلفها قد ألفته زمنًا،وستائر حريرية ناصعة هفهافة جاءها نسيمٌ مشتاقٌ كحالي يداعبُها ويختلسُ النظرَ إليكِ.. وفي كلِ مرةٍ كنتُ لا أجدُ سوي أطلالٍ وغبارٍ يعلو نوافذَها الموصدةَ.. تمامٌ مثُل الغبارِ الذي يعلو السينما المهجورة هناك.
هي: أكسبتكَ الأيامُ شاعريةً لطالما بحثتُ عنها في أيامنا الخوالي "تضحك".
هو: كنتِ سماءَ حياتي، أنظرُ إليها في عليائها ولا أستطيعُ بلوغَها ولا أستطيعُ الفكاكَ منها تظلني أينما ارتحلتُ.
هي: إرتضيتَ أن تكونَ ظلي تتبعني حتي في أحلامي، حبيبًا ورفيقًا،ولكنك كنت تستعذبُ عذابَك وعذبتني.. لم تقل لي يومً "أُحبك" وفي النهاية ماوجدتني إلا وقابضةً علي الريحِ أو كمن يدخرُ الماءَ للأبد فإما أن يتبخرَ أو يصبحَ آثنًا.
هو: أنا مازلتُ قابعا هناك،حيث الأطلالِ علي ضفافِ النيلِ علي الرصيفِ، أجرُّ أذيالَ الماضي، أرقبُ انحسارَ الماءِ في مجرى النهرِ يقلقني حتي يفيضَ ويروي غابات الأملِ، اتعجلُ فصولَ الصيفِ أحفزها للرحيل حتي يأتيني الشتاء يدثرني ويخلو طريقي من المارة إلا من نفسي تصحبني الذكرياتُ.
ثم يستطردُ: ولكنكِ أتيتِ إلي موعدنا أخيرًا.. يبتسم لها،،
هي: متأخرة ثلاثين عامًا" تضحك في انكسارٍ وتابعت: لم تتغيرْ، أكسبتَكِ مشيتكِ الوقورة والشيبُ في رأسك بهاءً فوق وسامتكِ.
هو: مازلتِ جميلة تثبُ روحكِ البريئةِ من مقلتيك التي رسم خطُ الزمن تحتهاحُسنًا بديعًا.
هي: عليَّ الإنصراف، كنت أوصلُ إبنتي للجامعةِ أوصلني القدرُ إليكِ
هو: أنا أيضًا، طريقي قريبْ من هنا حيث الوزارةِ أُنهي إجراءات معاشي.
يسحبُ حقيبته من علي الطاولةِ يناولها أشياءَها لينصرفا، فقالت له: ألن تعطيني رقمَ هاتفكَ حتي أطمأن عليك؟!
هو: آه.. كدت أن أنسى هذا.. يخرج هاتفه من جيبِه، يمليها الرقمَ، حفظته في هاتفها وقالت: سأرن عليك حتي تسجلَ رقمي..
هاتفه يرنُّ والنغمة كانت ( ياحبيبي عود لي تاني) تفاجأت،،ضحكا معًا ثم ابتسما إبتسامةً قسمتها العبراتُ.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى