[HEADING=3]هل اللغة مجرد ناقل للمعنى الدال على محدد فقط كما يظن الكثيرون، أم اللغة أيضا هي صورة حية لذات المتكلم؟ ومن خلالها تعرف هل هو خشن أم لين؟ هل هو مقدام أم جبان؟ هل هو سطحي أم عميق؟ لاشك أنه ليس من فراغ كانوا يقولون: "تكلم حتى أعرفك".[/HEADING]
ولا شك أن اللغة تنقل صورة لواقع المتكلم تستشف منها صور الطبيعة حوله ومفرداتها وانعكاساتها على الإنسان. يزداد الوضع وضوحا مع اللهجات؛ فالخصوصية بها تعطيك رؤية كاملة عن طباع الناس في منطقة ما؛ فلكل لهجة تراكيبها ولكْنتها وتعبيراتها الخاصة وطريقة تفاعل الجسد وتعبيرات الوجه مع المنطوق أثناء الكلام..... وكل هذا له دلالاته التي تتعدى منطقة اللفظ إلى مدلولات المعنى التواصلي لو تم التعمق في دراسته دراسة متكاملة. ولم تستطع لغة أن توحد اللهجات واللكنات في لسان واحد مهما فعلت، حتى اللغات العقائدية المقدسة لم تجد أمامها إلا الاعتراف بتعدد الألسنة. إذن هل يمكن أن نسأل: " هل المفردة شيء من اللغة أم كل اللغة؟ ..."
واللهجة المصرية لها خصوصيتها فهي تحمل في داخلها مخزونا من المفردات ينتمي لأكثر من لغة؛ فهي لهجة قوم لهم امتداد حضاري تكلم أكثر من لغة وعرك أكثر من لهجة عبر زمن ممتد، وعلى كل المستويات المادية والروحية والإنسانية، ورغم الروابط الكبيرة التي ضمنت وحدة الوطن المصري؛ فهو يتكامل بالتنوع العملي من مجتمع إلى مجتمع والتعدد العرقي، وقد ظلت هذه ميزة ملازمة للمصريين عبر الأزمنة والحضارات المختلفة.
من هنا جاءت أهمية بعض الأعمال التي كتبت باللهجة المصرية -والتي في داخلي شخصيا أراها لغة وليست مجرد لهجة-، فليست الكتابة بالعامية مجرد تمرد على الفصحى أو مجرد التخلص من ضوابطها النحوية والإملائية، وإلا فإنها كتابة في أحسن حالتها مسخا لن تقبله الفصحى ولن يعبر عن العامة . لكن الكتاب المجيدين من مبدعي المصرية كان همهم كتابة نص يعبر عن المخزون الثري للشخصية المصرية، والذي حفظته في ذاكرتها الشعبية أو انعكس على لسانهم.
وديوان "عارف يارب" للمبدع "مسعود شومان". واحد من الدواوين التي تعبر فعلا عن وجدان المصري بلهجته الحميمية والتلقائية التي لابديل لها في كتابة مثل هذه النصوص.
لو وقفنا مع العنوان لوجدناه سؤالا حذفت أداة استفهامه، فلو ترجمناه للفصحى لصار هل تعرف يا رب؟ ولكنه سيكون خسر دلالته في العامية وحاد عن الهدف منه، فهو فيها أحد التراكيب المعبرة عند المصريين عن منتهى الحميمية بين طرفي المحادثة والتي غالبا ما يأتي بعدها تفريغ لشحن مخزونة داخل النفس من خصوصيات المتحدث، والتي يعتبرها أسرارا يخفيهاعمن حوله، وهو لايريد أن يسر بها لغير من يكلمه لشدة قربه. وهذا لم نعرفه من أهداف السؤال بالفصحى بقدر ما ندركه في العامية؛ خاصة حين يقولها المتحدث بطريقة معينة ويحذف أداة الاستفهام فتكون الجملة فيها شيء من المرونة والليونة والإيحاء بأهمية ما سيتبع من مقرب يقربك. والحذف في اللهجة المصرية له دلالة على التواصل الداخلي بين الناس ولو لم تعبر عنه الألسنة. وهل أقرب من الرب للمصري، أول من بحث عن الخالق وتخيله في أشكال كثيرة فيها من الألفة ما يغني نفسه، ثم نسج حوله الأساطير وأنشأ له المعابد والعبادات والطقوس؟
وينتقل بنا الديوان إلى متن القصائد والتي تستمر في فرد لوحاتها عن الإنسان المصري وأهتماماته، يقدم لنا الديوان عشرين نصا كل نص يعرض حالة إنسانية مستفيدا من التقنية السردية والتي مرجعها لشاعر الربابة الشعبي الذي يقدم لنا حكاياته، كما استخدم الحوار أحيانا. والحقيقة أن الغرض من هذه الكتابة ليست شرح كل القصائد التي قدمها العمل، لكن الوقوف على ملامح الضرورة التي جعلت الكتابة بالمصرية هنا أدت دورها الذي لايؤديه سواها
. وأول صورة ترسمها هي للحزن الوجودي عند المصري " عارف يا رب /أنا كنت أقوم الصبح /وعينيا عايمه فى الدموع /عاجز عن الكلام /ومش قادره حروفه تشيلنى" إن الشكوى من الزمن من متلازمات الإنسان المصري، لكنها ليست شكوى محب النكد، بل شكوى الإنسان صانع الحياة والمهتم بها؛ لذا فهو كما يقول في تعبيره العامي أيضا "شيال هموم"، لكن ما هي اهتمامته؟ إنه مهتم بدفع الخطر الذي يكاد يغرق الحياة من حوله إن وجد " يارب /البير ابتدا فى الهياج /والرمل مش قادر عليه" وهو لا يستطيع له دفعا لقلة حيلته " جسمى قِدِم والجبال تِقْلِت /قلت اردم البير بس ما قدرتش /عياط كتير لناس كتير تايهين" وهنا يظهر معدن المصري المهتم بمن حوله ويتضح إحساسه بهم في استعارة أحاسيسهم للتوسل بها لربه.
يبدو المصري في حالة تصوف مع الحياة يتوحد مع ناسها وكائناتها الحية ونباتاتها وروائحها؟ فحين تسأل المعلمة الولد عن عمل والده؟ لايرد ردا مبتورا ، لكنه كوريث لحضارة قامت على التأمل والتفلسف، يتأمل عصفورين يبنيان حياتهما ليكونا معادلا موضوعيا لأبيه وأمه، ثم يعلن عن مهنة أبيه العطار، لكن إذا كان أبوه " عينه تعرف تقدّر الزهره من لونها" فإن أمه لاتقل عن أبيه معرفة بالحياة والحب والأسرة؛ هي من قبلت أباه زوجا "بإززة ريحان /لسه لحد الآن مونسه طرحتها" وتعبير الونس من أكثر التعابير الشائعة في الحياة المصرية المتعلقة بالترابط الاجتماعي.
إن البنت التي أحست بنفسها بلغت الحلم ويحتاج صدرها حمالة هيأت نفسها أيضا للعطاء " كدا الحنين ابتدا /طب اعمل إيه فى الحنان اللى فايض /قلت أعمله بحرين
/واسيب بقية المراكب للهوا والميه" لكنها تخشى أن تفارق ارتباطها بأمها " يارب مكسوفه أقول لامى /أقول لها ولا إيه؟ /أقول لها .. ما أقولهاش؟ /خايفه لا تحرمنى م النوم على حجرها /واروح ساعتها بلاش /وتعرف إن بياع السفندى اشتهى الشجر اللى طاب جوايا" إن هذا النص من النصوص التي تعبر عن وعي المصري بالذات، سواء بنفسه من الداخل، أو بمحيطه من الخارج كما يعبر عن معرفة المرأة المصرية لتوزيع الأدوار في الحياة وتقبل دورها بقابلية للكرم دون خدش أو تفريط.
إذا كان الديوان يعرض لوحات معبرة عن الإنسان المصري واهتماماته وطبائعه، فإن ملامح الحياة الزراعية بنباتاتها وفاكهتها وطيورها وأسواقها ومهنها المرتبطة بهذه الحياة لا تخفى عن القاري، فصور كالعصافير التي تبني أعشاشها على الشجر ومهنة العطارة وبيع الفاكهة المرتبطة بالنباتات، وتشبيه البنت لصدرها الناضج بثمرات اليوسفي، كما ترصد في الديوان ملامح الطبيعة مثل الترع والنهر والمراكب، ومفردات لا يؤدي معناها بديل في لغة أخرى . حتى الحزن المرتبط بالفقد، لين مرتبط بالحياة "يارب.... عايزه أقول له /الشجر بيبكى من يتمه /والملايه كرمشت فوق السرير /والمانجه ما طلعتش من يومها /وآدى حال الجنينه نجيلها لم السحالى والعنب حصرم /والله والجلابيه ما اتنشرت بقالها سنين /يقطع زمان الرفرفه وسنينه /قلبى واجعنى وانت تحت الرمل" فالمقطوعة تصور جواب سيدة لزوجها المتوفي ورغم هذا كأنها تلقي عليه تعويذة تبعثه من موته بمفردات الحياة الحميمة معه ومع طبيعة وطنه الذي يفيض بأشكال العطاء. وتبدو إيقاعات النصوص هادئة كمواويل المصريين وغنائهم وهم يعملون ويتلقون حوادث حياتهم في صبر " كلمتكم عن مرهم اسمه الصبر /وكنت قاصد بكره /غلطان يا ليل لما قصدت خيولك /عندى شوية شوق قديم للنور". ولأن الصبر مكون من مكونات الوجدان المصري؛ فلا ترصد صخبا موسيقيا في النصوص أو إيقاعات صاخبة أو زخرفية رغم ثراء المشاهد بالدراما والخلفيات بالمنمنات، فقد استعاض الشاعر بالتشكيل البصري والرسم بالكلمات وهو أقرب لطبيعة المصري الفنية حيث على امتداد تاريخه تقديم فنون النحت والتصوير والعمارة على فنون الكلام " عارف يارب /أنا كنت زعلان قوى /حتى شوف البحر خاسس
/والحجاره كلها اتعرِّت وبان عليها العمر /كانت هنا أورطة مراكب /وعنيا كانت حته م الصارى /ساعة نزول الشبك /بامد دراعى وياهم والحزن يملا عنيا والسمك فى الطاسه"
إن المقطوعة السابقة كلها بنيت على معرض من الصور بعد فعل الأمر "شوف" والذي جاء في صورة رجاء وليس في صورة طلب بالتنفيذ القسري، فتحولت المقطوعة رغم شدة دراميتها من صراخ الموسيقى إلى هدوء العرض المتأني بالصور وكأنك أمام الفلاح الفصيح الذي يلح بالحكمة لينال حقه بالعدل. وترصد في الديوان الصورة الروحية العالية للمصريين والتي بدأت منذ العنوان "عارف يارب"......... ثم طوفت داخل المقطوعات ترصد علاقة أهل هذا الكلام بالسماء " كان فيه دموع فالصو وعامله نفسها دمعات /ودموع بتوصل روحى بالسموات /ودموع كأن عيالها قطر الندى /ودموع تشوفها تفهم القناديل /ودموع بتحفر للحنان نهرين /ودموع بتمسح نفسها وتصهرج /والنور بعكاز الضلام يعرج /هو انت إيه يا حزن؟" إن هذا الحزن المتعلق بالذات العليا بالسموات، وبأولياء الله في الأرض، منتظرا من يكتب "على الخشب "سيرى باسم الله مرساها ومجراها"/ويحفر بالضوافر سهم بيشاور على القلبين" متوحدا مع هموم الأحياء، متواصلا بالخطابات مع الموتى لهو المصري أول من سعى لفلسفة وجوده وموته وشيد لكليهما الصروح.
إن من أنشد " خليه يغنى للماجور والفرن /ويقول حكاوى الفلاحين فى الجرن /ويلبس الجلابيه واللاسه /ويفهم الشوك اللى جرح رجليك /أبدأها من قلبك وقول أغانيه /لسه الشجر محتاج تطل عليه /والضل مش ليك لوحدك /فما تجرحوش بالشمس." لابد أن يكتب بالمصرية، المصرية التي تثبت بمثل هذا الديوان أنها لغة للشعر إذا كتب بها شاعر يعرفها ويعرف أهلها، لا متشاعر يتداعى بالإيقاع الصارخ ويرص متساهلا بلاوعي ولامضمون.
ولا شك أن اللغة تنقل صورة لواقع المتكلم تستشف منها صور الطبيعة حوله ومفرداتها وانعكاساتها على الإنسان. يزداد الوضع وضوحا مع اللهجات؛ فالخصوصية بها تعطيك رؤية كاملة عن طباع الناس في منطقة ما؛ فلكل لهجة تراكيبها ولكْنتها وتعبيراتها الخاصة وطريقة تفاعل الجسد وتعبيرات الوجه مع المنطوق أثناء الكلام..... وكل هذا له دلالاته التي تتعدى منطقة اللفظ إلى مدلولات المعنى التواصلي لو تم التعمق في دراسته دراسة متكاملة. ولم تستطع لغة أن توحد اللهجات واللكنات في لسان واحد مهما فعلت، حتى اللغات العقائدية المقدسة لم تجد أمامها إلا الاعتراف بتعدد الألسنة. إذن هل يمكن أن نسأل: " هل المفردة شيء من اللغة أم كل اللغة؟ ..."
واللهجة المصرية لها خصوصيتها فهي تحمل في داخلها مخزونا من المفردات ينتمي لأكثر من لغة؛ فهي لهجة قوم لهم امتداد حضاري تكلم أكثر من لغة وعرك أكثر من لهجة عبر زمن ممتد، وعلى كل المستويات المادية والروحية والإنسانية، ورغم الروابط الكبيرة التي ضمنت وحدة الوطن المصري؛ فهو يتكامل بالتنوع العملي من مجتمع إلى مجتمع والتعدد العرقي، وقد ظلت هذه ميزة ملازمة للمصريين عبر الأزمنة والحضارات المختلفة.
من هنا جاءت أهمية بعض الأعمال التي كتبت باللهجة المصرية -والتي في داخلي شخصيا أراها لغة وليست مجرد لهجة-، فليست الكتابة بالعامية مجرد تمرد على الفصحى أو مجرد التخلص من ضوابطها النحوية والإملائية، وإلا فإنها كتابة في أحسن حالتها مسخا لن تقبله الفصحى ولن يعبر عن العامة . لكن الكتاب المجيدين من مبدعي المصرية كان همهم كتابة نص يعبر عن المخزون الثري للشخصية المصرية، والذي حفظته في ذاكرتها الشعبية أو انعكس على لسانهم.
وديوان "عارف يارب" للمبدع "مسعود شومان". واحد من الدواوين التي تعبر فعلا عن وجدان المصري بلهجته الحميمية والتلقائية التي لابديل لها في كتابة مثل هذه النصوص.
لو وقفنا مع العنوان لوجدناه سؤالا حذفت أداة استفهامه، فلو ترجمناه للفصحى لصار هل تعرف يا رب؟ ولكنه سيكون خسر دلالته في العامية وحاد عن الهدف منه، فهو فيها أحد التراكيب المعبرة عند المصريين عن منتهى الحميمية بين طرفي المحادثة والتي غالبا ما يأتي بعدها تفريغ لشحن مخزونة داخل النفس من خصوصيات المتحدث، والتي يعتبرها أسرارا يخفيهاعمن حوله، وهو لايريد أن يسر بها لغير من يكلمه لشدة قربه. وهذا لم نعرفه من أهداف السؤال بالفصحى بقدر ما ندركه في العامية؛ خاصة حين يقولها المتحدث بطريقة معينة ويحذف أداة الاستفهام فتكون الجملة فيها شيء من المرونة والليونة والإيحاء بأهمية ما سيتبع من مقرب يقربك. والحذف في اللهجة المصرية له دلالة على التواصل الداخلي بين الناس ولو لم تعبر عنه الألسنة. وهل أقرب من الرب للمصري، أول من بحث عن الخالق وتخيله في أشكال كثيرة فيها من الألفة ما يغني نفسه، ثم نسج حوله الأساطير وأنشأ له المعابد والعبادات والطقوس؟
وينتقل بنا الديوان إلى متن القصائد والتي تستمر في فرد لوحاتها عن الإنسان المصري وأهتماماته، يقدم لنا الديوان عشرين نصا كل نص يعرض حالة إنسانية مستفيدا من التقنية السردية والتي مرجعها لشاعر الربابة الشعبي الذي يقدم لنا حكاياته، كما استخدم الحوار أحيانا. والحقيقة أن الغرض من هذه الكتابة ليست شرح كل القصائد التي قدمها العمل، لكن الوقوف على ملامح الضرورة التي جعلت الكتابة بالمصرية هنا أدت دورها الذي لايؤديه سواها
. وأول صورة ترسمها هي للحزن الوجودي عند المصري " عارف يا رب /أنا كنت أقوم الصبح /وعينيا عايمه فى الدموع /عاجز عن الكلام /ومش قادره حروفه تشيلنى" إن الشكوى من الزمن من متلازمات الإنسان المصري، لكنها ليست شكوى محب النكد، بل شكوى الإنسان صانع الحياة والمهتم بها؛ لذا فهو كما يقول في تعبيره العامي أيضا "شيال هموم"، لكن ما هي اهتمامته؟ إنه مهتم بدفع الخطر الذي يكاد يغرق الحياة من حوله إن وجد " يارب /البير ابتدا فى الهياج /والرمل مش قادر عليه" وهو لا يستطيع له دفعا لقلة حيلته " جسمى قِدِم والجبال تِقْلِت /قلت اردم البير بس ما قدرتش /عياط كتير لناس كتير تايهين" وهنا يظهر معدن المصري المهتم بمن حوله ويتضح إحساسه بهم في استعارة أحاسيسهم للتوسل بها لربه.
يبدو المصري في حالة تصوف مع الحياة يتوحد مع ناسها وكائناتها الحية ونباتاتها وروائحها؟ فحين تسأل المعلمة الولد عن عمل والده؟ لايرد ردا مبتورا ، لكنه كوريث لحضارة قامت على التأمل والتفلسف، يتأمل عصفورين يبنيان حياتهما ليكونا معادلا موضوعيا لأبيه وأمه، ثم يعلن عن مهنة أبيه العطار، لكن إذا كان أبوه " عينه تعرف تقدّر الزهره من لونها" فإن أمه لاتقل عن أبيه معرفة بالحياة والحب والأسرة؛ هي من قبلت أباه زوجا "بإززة ريحان /لسه لحد الآن مونسه طرحتها" وتعبير الونس من أكثر التعابير الشائعة في الحياة المصرية المتعلقة بالترابط الاجتماعي.
إن البنت التي أحست بنفسها بلغت الحلم ويحتاج صدرها حمالة هيأت نفسها أيضا للعطاء " كدا الحنين ابتدا /طب اعمل إيه فى الحنان اللى فايض /قلت أعمله بحرين
/واسيب بقية المراكب للهوا والميه" لكنها تخشى أن تفارق ارتباطها بأمها " يارب مكسوفه أقول لامى /أقول لها ولا إيه؟ /أقول لها .. ما أقولهاش؟ /خايفه لا تحرمنى م النوم على حجرها /واروح ساعتها بلاش /وتعرف إن بياع السفندى اشتهى الشجر اللى طاب جوايا" إن هذا النص من النصوص التي تعبر عن وعي المصري بالذات، سواء بنفسه من الداخل، أو بمحيطه من الخارج كما يعبر عن معرفة المرأة المصرية لتوزيع الأدوار في الحياة وتقبل دورها بقابلية للكرم دون خدش أو تفريط.
إذا كان الديوان يعرض لوحات معبرة عن الإنسان المصري واهتماماته وطبائعه، فإن ملامح الحياة الزراعية بنباتاتها وفاكهتها وطيورها وأسواقها ومهنها المرتبطة بهذه الحياة لا تخفى عن القاري، فصور كالعصافير التي تبني أعشاشها على الشجر ومهنة العطارة وبيع الفاكهة المرتبطة بالنباتات، وتشبيه البنت لصدرها الناضج بثمرات اليوسفي، كما ترصد في الديوان ملامح الطبيعة مثل الترع والنهر والمراكب، ومفردات لا يؤدي معناها بديل في لغة أخرى . حتى الحزن المرتبط بالفقد، لين مرتبط بالحياة "يارب.... عايزه أقول له /الشجر بيبكى من يتمه /والملايه كرمشت فوق السرير /والمانجه ما طلعتش من يومها /وآدى حال الجنينه نجيلها لم السحالى والعنب حصرم /والله والجلابيه ما اتنشرت بقالها سنين /يقطع زمان الرفرفه وسنينه /قلبى واجعنى وانت تحت الرمل" فالمقطوعة تصور جواب سيدة لزوجها المتوفي ورغم هذا كأنها تلقي عليه تعويذة تبعثه من موته بمفردات الحياة الحميمة معه ومع طبيعة وطنه الذي يفيض بأشكال العطاء. وتبدو إيقاعات النصوص هادئة كمواويل المصريين وغنائهم وهم يعملون ويتلقون حوادث حياتهم في صبر " كلمتكم عن مرهم اسمه الصبر /وكنت قاصد بكره /غلطان يا ليل لما قصدت خيولك /عندى شوية شوق قديم للنور". ولأن الصبر مكون من مكونات الوجدان المصري؛ فلا ترصد صخبا موسيقيا في النصوص أو إيقاعات صاخبة أو زخرفية رغم ثراء المشاهد بالدراما والخلفيات بالمنمنات، فقد استعاض الشاعر بالتشكيل البصري والرسم بالكلمات وهو أقرب لطبيعة المصري الفنية حيث على امتداد تاريخه تقديم فنون النحت والتصوير والعمارة على فنون الكلام " عارف يارب /أنا كنت زعلان قوى /حتى شوف البحر خاسس
/والحجاره كلها اتعرِّت وبان عليها العمر /كانت هنا أورطة مراكب /وعنيا كانت حته م الصارى /ساعة نزول الشبك /بامد دراعى وياهم والحزن يملا عنيا والسمك فى الطاسه"
إن المقطوعة السابقة كلها بنيت على معرض من الصور بعد فعل الأمر "شوف" والذي جاء في صورة رجاء وليس في صورة طلب بالتنفيذ القسري، فتحولت المقطوعة رغم شدة دراميتها من صراخ الموسيقى إلى هدوء العرض المتأني بالصور وكأنك أمام الفلاح الفصيح الذي يلح بالحكمة لينال حقه بالعدل. وترصد في الديوان الصورة الروحية العالية للمصريين والتي بدأت منذ العنوان "عارف يارب"......... ثم طوفت داخل المقطوعات ترصد علاقة أهل هذا الكلام بالسماء " كان فيه دموع فالصو وعامله نفسها دمعات /ودموع بتوصل روحى بالسموات /ودموع كأن عيالها قطر الندى /ودموع تشوفها تفهم القناديل /ودموع بتحفر للحنان نهرين /ودموع بتمسح نفسها وتصهرج /والنور بعكاز الضلام يعرج /هو انت إيه يا حزن؟" إن هذا الحزن المتعلق بالذات العليا بالسموات، وبأولياء الله في الأرض، منتظرا من يكتب "على الخشب "سيرى باسم الله مرساها ومجراها"/ويحفر بالضوافر سهم بيشاور على القلبين" متوحدا مع هموم الأحياء، متواصلا بالخطابات مع الموتى لهو المصري أول من سعى لفلسفة وجوده وموته وشيد لكليهما الصروح.
إن من أنشد " خليه يغنى للماجور والفرن /ويقول حكاوى الفلاحين فى الجرن /ويلبس الجلابيه واللاسه /ويفهم الشوك اللى جرح رجليك /أبدأها من قلبك وقول أغانيه /لسه الشجر محتاج تطل عليه /والضل مش ليك لوحدك /فما تجرحوش بالشمس." لابد أن يكتب بالمصرية، المصرية التي تثبت بمثل هذا الديوان أنها لغة للشعر إذا كتب بها شاعر يعرفها ويعرف أهلها، لا متشاعر يتداعى بالإيقاع الصارخ ويرص متساهلا بلاوعي ولامضمون.