د. علي خليفة - رؤية جديدة لتطور بناء القصيدة في العصر الجاهلي

(1)
لا شك أن الشعر الجاهلي قد ظهر منذ أزمان بعيدة، وتطور بعد ذلك إلى أن استقر فـي الشكل الذي نراه فـي المقطعات والقصائد التي وصلتنا عن العصر الجاهلي. ولا يستطيع أحد الجزم بالفترة التي ظهر فيها أوليات الشعر الجاهلي، ولا كيف كانت هذه البدايات له.
وما نراه فـي كتب النقاد القدماء والمعاصرين أن الشعر الجاهلي الذي نثق بنسبته للجاهليين لا يتجاوز قرنين قبل البعثة النبوية، وأن نشأة الشعر الجاهلي كانت – حسب تخمينهم – من خلال البيت والبيتين، والأبيات القليلة يقولها الشاعر فـي حاجته.
ويضيف النقاد العرب القدماء كابن سلام الجمحي، وابن قتيبة، وابن رشيق أن القصائد قُصِّـدَتْ بعد ذلك على أيدي امرئ القيس، والمهلهل. وبالطبع لا يوجد أي دلائل على هذا الكلام الأخير.
ويرى كثير من النقاد القدماء والمحدثين أن العروض العربي نشأ من خلال الأصوات الناتجة عن سير الإبل، فخرج عنها بحر الرجز، وتفرعت البحور الشعرية الأخرى عن هذا البحر، وأيضًا هذا الكلام مجرد تخمينات غير مؤكدة.
(2)
ويرجح فريق من الباحثين والمستشرقين–مثل شوقي ضيف وبروكلمان –أن الشعر الجاهلي نشأ فـي ظل الاعتقاد بالسحر؛ ولذلك يقولون: إن الهجاء فـي نشأته القديمة كان عبارة عن تعاويذ سحرية للانتقام من شخص أو أشخاص، وكان الشاعر الهاجي يرتدي ثيابًا معينة، ويوجه هجاءه بأسلوب خاص،وأيضًا يقولون: إن الرثاء فـي نشأته القديمة كان أشبه بالابتهالات لأرواح الموتى –المقتولين–حتى تستقر فـي عالمها، ولا تعود للأرض، فتنشر فيها الدمار، وكان للشاعر الراثي– أو للشاعرة – طقوس فـي إلقائه رثاءه وهيئة الملابس التي يلبسها.وبقيت بعض هذه الطقوس حتى بعد تطور القصيدة الجاهلية.
وأنا أرجح أن الشعر الجاهلي كان فـي نشأته مرتبطًا بالسحر والعقيدة الوثنية، ولكن لا يمكننا أن نجزم بالصورة – أو الصور –التي نشأ الشعر الجاهلي عليها؛ لأن أقدم ما وصلنا من الشعر الجاهلي كان ناضجًا، ويشير عنترة لقدم الشعر الجاهلي فـي مقدمة معلقته بقوله:
هل غادرَ الشعراءُ من مُتَـرَدَّمِ
أم هل عرفتَ الدارَبعد تَوَهُّمِ؟
(3)
وهناك افتراض سأذكره، ثم سأعلل له بعد ذلك، ولعلي أكون أول من يذكر هذا الافتراض الذي سأذكره فـي تطور القصيدة فـي العصر الجاهلي. وافتراضي هو أن الشعر الجاهلي قد نشأ فـي ظل العقيدة الوثنية عند العرب فـي الجاهلية، وتطور بعد ذلك، وبقيت للعقيدة الوثنية رواسب فيه، ولا يستبعد أن تكون مقدمة القصائد الجاهلية القديمة تبدأ بذكر بعض هذه الآلهة الوثنية، وتمجيد بعضها.
واختفت هذه المقدمة بعد ذلك بضعف العقيدة الوثنية عند العرب، وما بقي من قصائد تبدأ بهذه المقدمة تم إتلافه بعد ظهور الإسلام؛ لأنه جزء من العقيدة الوثنية التي تعد عقيدة فاسدة حاربها الإسلام، وقضى عليها. ولحرص المسلمين على عقيدتهم تخلصوا من كل رواسبها بما فـي ذلك الأبيات التي كان فيها ذكر لهذه العقيدة، وقيلت فـي العصر الجاهلي.
أما عن شيوع المقدمة الطللية فـي القصيدة الجاهلية مكان المقدمة الدينية الوثنية، فلعل هذا تم فـي مراحل متأخرة فـي الفترة التي تسبق ظهور الإسلام بنحو مائتي عام.
واختيار العرب البدء ببكاء الأطلال يعود لتطور نظرتهم الواقعية للأمور، ولم تعد الأوثان تمثل لهم إلا إرث الأجداد الذي يحرصون على السير عليه، وهذا لا يمنع من وجود قبائل عربية كانت تقدر بعض هذه الآلهة، وتقدم لها القرابين، وتستشير كهنتها فـي شئون حياتها. وحدثنا القرآن عن جوانب كثيرة تخص نظرة العرب للأوثان فـي الجاهلية.
والنظرة الواقعية للعربي التي سبقت ظهور الإسلام جعلته يهتم بالمكان الذي يعيش فيه، ويتنقل دائمًا داخله، وهذه النظرة فرضت عليه أن يجعل ذكر الطلل، وأماكنه، والرحلة عناصر أساسية فـي بدايات معظم القصائد الجاهلية، ويضاف لهذا اهتم الشاعر الجاهلي فـي هذه المقدمات بالغزل بالمرأة التي تعني المكان الدافئ للعربي وسط خضم المخاطر الكثيرة التي يتعرض لها فـي الصحراء، ومنها الحروب المستمرة التي يخوضها فيها.
وافتراضي أن أقدم المقطعات والقصائد الجاهلية كانت ابتهالات للأوثان وتمجيدًا لها؛ بسبب أن أقدم الآداب فـي الأمم القديمة كانت مرتبطة بالعقائد الخاصة بها، فنرى كثيرًا من الحكم والقصص المصرية المدونة فـي البرديات فيها ذكر بعض الآلهة الوثنية التي كان يعبدها المصريون القدماء، والمسرح نشأ عند الإغريق فـي ظل عبادة الإله الوثني باخوس، وحتى بعد أن تطور المسرح اليوناني، وخرج من عباءة الدين؛ ليعالج قضايا واقعية وتاريخية وأسطورية رأينا بعض المسرحيات تمزج فـي موضوعاتها ببن الأسطورة والعقيدة الدينية اليونانية، كما نرى فـي مسرحية "عابدات باخوس" ليوربيديس.
والمسرحيات التاريخية والأسطورية لأيسخيلوس ويوربيديس وسوفوكليس نرى الجوقة خلال تعليقاتها فيها تشير لكثير من الآلهة الوثنية، وتمجدها حتى لأظن أن من أهم أدوار الجوقة فـي المسرح اليوناني القديم هو ذكر الآلهة الوثنية والابتهال لها.
و"كليلة ودمنة" ذات الأصول الهندية، والفارسية–على وجه الخصوص، وقد أعاد صياغتها ابن المقفع – فيها رواسب كثيرة من الديانات الهندية، والفارسية، كذكر التناسخ، والحضور القوي لشخصية الناسك المانوي بها.
هذا مع العلم أن ابن المقفع قد حذف من هذه القصص كثيرًامن معالم الأديان الوثنية التي كانت بها.
ولهذا أزعم أن أقدم الشعر الجاهلي،والذي لم يصل لنا منه شيء لصعوبة التدوين فـي الجاهلية –كانت مقدماته – أو أبيات
منه – تدور فـي إطار العقيدة الوثنية. هذا مجرد اجتهاد قد أكون مخطئًا فيه.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى