فاتن فاروق عبد المنعم - مطية

الليلة ليلة رأس السنة والمطر خارج نافذتهما التي وقفا من خلفها يرقبون إلتحام السماء والأرض بالماء، كأنه الودق، العاشقان اللذان اختارا مسارهما معا، ذلك المسار الذي يرفضه المجتمع دينيا وأخلاقيا، بينما تحتفي بذلك الاقتران كافة الأوساط والمحافل في العالم الأول، بل ومماثلوهما يتصدرون سدة دوائر صنع القرار في مواضع شتى على هذا الكوكب فهل ينتظرالرافضون طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل أم ريح صرصر عاتية؟
أنهيا شرب مشروبهما الساخن وتبادلا التقبيل بحميمية وتبادلت أيديهما التموضع بمناطق فتح المغاليق حتى بلغا مرحلة استلقاء أحدهما على بطنه ليعلوه الآخر، ويكتمل اقترانهما وتمام الفعل بكافة تفاصيله بما في ذلك مليءفضائهما بزفرات الإفضاء وارتواء شبقيهما، يسترهما غسق الليل الممزوج بالزمهرير المجلل بفيض السماء، في مزرعة الخنازير التي يعملان بها، وكانت هذه الليلة نوبتجيتهما.
أنهيا الاحتفال برأس السنة، وتبادلا النظر بامتنان، ثم تبادلا الشكوى من صاحب المزرعة الذي يضن عليهما، فلا يحصلان على مستحقاتهما إلا بصعوبة بعد كثير منالشكوى، وهما مضطران لقبول ابتزازه المضمخ باستبداده، لأنهما وقعا على استقالتهما وقت التوقيع على عقد العمل.
تفتقت قريحة أحدهما عن فكرة جهنمية على حد تعبيره للانتقام من هذا المتجبر، ألا وهي أن يرغبا الذكور بالذكور كي يعافوا الإناث فلا يلدن مواليد جدد، ويخسر ويخسر حتى خرابها فلا ينبت بها سوى البوص الذي تختبيء به الثعابين.
يؤازره الآخر في فكرته، فيقول له ننفذها في الصباح.
فيقول الآخر بل الآن، في الصباح يحضر ولا يكف عن التطواف، ومراقبة المكان.
فخرجا معا قاصدين الزرائب التي يقبع بها الخنازير، حتى بلغاها، تغشاهما رائحتها التي تخللت أنفيهما، فتمعر وجهيهما مستاءين.
وقاما باستثارة أحد الذكور حتى استشعرا بلوغه القمة فقاما بتقريبه من دبر ذكر آخر ليفضي إليه فأطلق خنخنة بلغت آفاقا غير بعيدة، رافضا رفضا قاطعا، محاولا التمرد عليهما ليتقرب من الأنثى التي يفضي إليها.
وبعد الكثير من الجهد فشلا في محاولتهما، شعرا بالإرهاق، كيف لهذا القذر البليد أن يتغلب عليهما، فقالا معا لن نمل حتى يتم لنا مرادنا، ثم يتبادلا النكات فيقول أحدهما للآخر:
الخنزير يعيش دور النظافة والطهر، يتأبى علينا ولا يريد سوى الأنثى وهو أقذر الكائنات.
فيتنبه الآخر الذي كان يضحك ثم قال له باستنكار معاتبا: ماذا تقول؟ تعني أن هذا الفعل قذارة، لا يأتيه ولا حتى الخنزير؟
تنبه لمقصد رفيقه فاعتذر بشدة قائلا: لا تعتب علي هذا نابع من البيئة المتخلفة التي نشأنا فيها وتستنكر فعلنا، ونظل نتوارى ونتكتم أمرنا خشية الفضيحة، أرجوك لا تغضب.
صاحب المزرعة، ضخم البنيان، خمسيني العمر، يحضر يتقدمه كرشه الضخم، يسبقه على بعد مترين صوت أنفاسه اللاهثة يشترك معها حفيف ملابسه، رغم أنه يحضر بسيارته لكن يبدو أن صدره بمحتواه يئن من حمولة جسمه التي يرتج لها السقف الخشبي الذي يسير فوقه كي يبلغ مكتبه.
كثيرا ما يرتاب في أمرهما وشكا مكنونه لبعض العاملين معه، فأيدوا ارتيابه الذي نالهم منه تجاههم، فقال له أحدهم: ركب كاميرات خفية دون علمهما.
فقال مشهرا جحوظ عينيه: ولو صدق حدسي؟
أجابوا بصمت اخترقه هسيس الشجر بالخارج.
فقال هو: هذا المكان طاهر ولو كان ما أتوقعه صحيح فلا مكان لهما هنا.
نفذ ما تم الاتفاق عليه، أعطاهما مهمة خارج المزرعة تستهلك اليوم كله.
لم يمضي أكثر من يومين واكتشف فعلتهما معا ليلا، ومؤامرتهما على الخنازير، ورغبتهما في جعل المزرعة قاعا صفصفا، فقام باستدعائهما في مكتبه، حضر الاثنان ونظر إليهما شذرا نقلته عيونه الجاحظة المتجهمة، ووجهه المحتقن، جلس خلف مكتبه محتشدا بغيظه، ودون أن ينبس ببنت شفة فتح ملف تفريغ الكاميرات على شاشة الكمبيوتر أمامهما ليريهما ما تم توثيقه.
انتابهما ذهول مضمخ بخجل يوجب التواري وأطرقا صامتين.
قال لهما موجزا: هذا المكان طاهر ولا مكان لكما فيه.
قال أحدهمابصوت خفيض: لنا مستحقات مالية.
فقال له: مر على السكرتير سوف يعطيكما مستحقاتكما.
مضيا مجللان بعارهما، كاظمين السؤال، كيف رآهما وسكرت أبصارهما فلم يرياه؟!
أخذا يبثان لبعضهما البعض الشكوى وشعورهما بالاضطهاد ويتبادلان الشكوى من كون هذا المجتمع سيظل في القاع، غارقا في تخلفه، يحمل الأشياء أكثر مما تحتمل، وهما المسكنونان بالسلام النفسي الذي عدمه الكثير من دعاة الفضيلة ولا يبغيان السوء بأحد، ولا يرتديان حازما ناسفا ليفجروه في أحد، لهما خصوصية ارتضياها لنفسيهما فلماذا لا يحترموها؟!
بينما في بلاد ما وراء المحيط يحصلون على حقوقهم كاملة، ولهم الحق في تكوين أسرة، وتبني أطفال.
فقال أحدهما للآخر ناظرا إليه كمن عثر على كنز: الاضطهاد.
نظر إليه صامتا،قطب حاجبيه وذم شفتيه، وقد استغلق عليه الفهم.
فقال الآخر والذي بصر بما لم يبصر به رفيقه: الاضطهاد، كلمة تؤتي ثمارها أحيانا.
ماذا تعني؟
نقدم على الهجرة لأمريكا أو كندا، هجرة مسببة، الاضطهاد بسبب ميولنا الجنسية.
يا لها من فكرة.
وسنحصل على الموافقة بسرعة البرق.
ونعيش في النور.
ونكون أسرة.
وننعم ونستمتع بحياتنا، بأريحية وحرية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى