محمد عباس محمد عرابي - قوة المعني في العربية للباحث مهند الجبر

قوة المعني في العربية أطروحة علمية تقدّم بها الباحث /مهند ذياب فيصل الجبر إلى مجلس كليّة التربية – جامعة البصرة ،وهي جزء من متطلّبات نيل شهادة الدكتوراه في فلسفة اللغة العربيّة وآدابها بإشراف الأستاذ الدكتور/ فاخر هاشم سعد الياسري عام 1431هـ

وفيما يلي عرض لموضوع هذه الأطروحة من خلال ما ذكره الباحث :

أولا مكونات الدراسة :

ذكر الباحث أنه قد سار الاهتمام الدلالي في اللغة العربية بقوة المعنى من خلال جانبين هما :

الأول : يتعلق بخصائص اللفظ المفرد مع ما يحويه من دلالات بيانية جاءت على أمثلة صيغ صرفية ، متضمنة للدلالات الصوتية ، وأخرى معجمية تشير إلى قوة المعنى وأثره في اختيار وتحديد الألفاظ المفردة ، وفق أبنية تواضعت عليها اللغة بشكل يشعر بقوة المعنى المعبر به ،وبيانًا لذلك كانت مكونات الدراسة على النحو التالي :

الباب الأول : الجانب الدلالي

تناول أدلة قوة المعنى في المجال الصرفي على النحو التالي :

وقد تضمن هذا الباب أبرز القضايا المتعلقة بجانب البنية وما تحمله من دلالة المعنى على وفق الظواهر الصرفية التي تشير إلى قوة المعنى على مستوى المفردة ،

واشتمل على فصول ثلاثة :

الفصل الأول:

تناول ظاهرة الزيادة في أبنية الأفعال ، وهي ظاهرة تشكل نظاماً دلالياً يدعو للوقوف طويلاً وبحذر على مبنى الصيغة الواحدة وما احتملته من معالم دلالية تشير إلى تباين الدلالة في المعنى الواحد ، فضلاً عمّا يتصل بالمزيد من اللفظ من الدلالة الصوتية ، وأثر الحرف المزيد على دلالة البنية الوضعية ، ثم انقسم هذا الفصل ليشمل الزيادة القياسية ، والأخرى غير القياسية بزيادة أصوات الحروف ؛ لتشير تلك الزيادة إلى قوة في المعنى بحسب زيادة ذلك الصوت .

*الفصل الثاني :

تناولا ظاهرة أخرى من ظواهر قوة المعنى ، وهي التناوب في دلالة الصيغ المختلفة ، والمعبرة عن المعنى بدلالات اشتقاقية مختلفة تشير إلى اهتمام السياق الكلامي بالصيغة المنابة دون ما يوازيها من الصيغ الأخرى في مجال المراتب المتفاوتة بأقدار المعنى المعبر به بألفاظ مختلفة ، فتناول الفصل الثاني تناوب الفعل وما يشتق من صيغ الأسماء من المصدر واسم الفاعل ، في مقابلة دلالية بين الفعل والاسم ، وتناوب التعبير بالفعل واسم الفعل ، وكذا الأمر في تناوب الأفعال نفسها على مستوى الأزمنة ، وتعليق المعنى بقوة الزمن عن الصيغ القياسية في سياق التعبير .

*الفصل الثالث :

تناول دلالة قوة المعنى في ظاهرة تناوب المشتقات أنفسها ، فتارة يكون سياق المعنى مع تعبير المصدر ثم يحول إلى تعبير اسم الفاعل ، أو تناوب مشتقات اسم الفاعل فيما بينها ، ثم تغاير التعبير من صيغة اسم الفاعل إلى صياغة اسم التفضيل ، وذلك كله يكون عائداً إلى دلالة الاقتضاء في السياق التعبيري إلى تحقيق المعنى على أبلغ وجه ، وآكد في الدلالة من الصيغ التي يتناوب فيها اللفظ مع غيره ، فقد أصابت العربية من تلك الظواهر ثروة لغوية واسعة تشعبت أصولها وتغايرت أبنيتها في تناسق أقسام التعبير الكلامي للبنية التي يختارها على وفق نظرية الاقتضاء للمعنى وقوته ، ولا يرتاب الباحث المتحقق من تلك الدلالة في صحة ما يعوله على البناء والتركيب في تحصيل المراد من قوة المعنى المقتضية لطرائق البناء الصرفي المختلفة .

ولا تقتصر قوة المعنى على التحول في صيغ الأبنية من مظهر إلى آخر ، وإنما تتعدد المظاهر وتتنوع المجالات التي يشملها الاستعمال العربي للمفردة ، وقد رصد الصرفيون مظاهر عديدة تشير إلى دلالة المبنى على قوة المعنى ، إلاّ أنهم اقتصروا على بعضها ، وقد اقتصر ابن جني في دلالة قوة اللفظ لقوة المعنى على التحويل في بعض الصيغ ، كلفظ (اقتدر واكتسب) ، أو بتضعيف عين الفعل ، وتابعه على ذلك ابن الأثير في مثله السائر من دون أن يزيد عليه شيئاً .

ولسعة الدراسة المتناول في هذا الباب حاول الباحث جاهداً التصدي لصعوبات التنظيم في الوقوف على أبرز مظاهر قوة المعنى في المجال الصرفي ، في انتقاء الظواهر الدالة على مبتغى الدارس ، ولا ننسى في ذلك فضل علمائنا ، وإشاراتهم القيمة في رفد العربية بمجالات البحوث الدلالية ، ولاسيّما مبحث الاستعمال في اللفظ المفرد ، وملاحظة أثره في مستوى الدلالة في البناء الواحد والتركيب العام .

الثاني :

وهو يشكل هذا الجانب المحور الآخر الذي تتناوله الأطروحة على شكل برز فيها جانب التأثير الدلالي فيما توحيه أدلة التركيب من قوة المعنى المؤثرة في توجيه أنظمة الكلام على وفق مدلولات المعنى التي تسير بالسياق الكلامي إلى نظام بياني يكشف عن الطرائق التي أوحتها العربية نحو تقوية المعنى ، وأولتها الجانب الكبير من مظاهرها الدلالية ، في تكوين الظواهر التركيبية التي تشير إلى قوة المعنى من طريق توكيده ، والمبالغة فيه ، على وفق المظاهر التي أخرجتها العربية باتباع أنظمة التوكيد على مستوى التركيب للجملة وفق نظام معين يشير إلى المساحات التعبيرية التي تخرج الكلام على هذه الهيأة في الدلالة على المعنى .

أو يتبع التركيب نظاماً تتفاوت فيه أقدار المعاني ؛ تبعاً لتفاوت أنظمة الجملة على نحو يتيح للسياق ، وأصول الكلام المقامات البيانية في ضوء تلك المساحات اللغوية التعبيرية ، على نحو يشير إلى الأسرار البليغة والمنضوية تحت أنظمة التراكيب المختلفة .

الباب الثاني المجال التركيبي

تناول الباب الثاني من الأطروحة قوة المعنى في المجال التركيبي ، من خلال إبراز الظواهر العربية التي اتبعها في تقوية المعنى بطرائق التركيب المختلفة ، وأساليب التعبير المتفاوتة ، ومن حيث إنه لا يمكن الإحاطة بالأساليب العربية ، والاستعمالات اللغوية في الوقوف على كامل دقائق اللغة ، وتمام مقاصد المعنى ؛ فهو ضرب من المستحيل ؛ لهذا تناول الدراسة في هذا الباب إلى طريقة الانتقاء من أنظمة الكلام ما يشير إلى قوة المعنى على وفق إمكانيات اللغة المتاحة في سياق التعبيرات المتفاوتة من التراكيب التي تشكل ظاهرة وقف عليها الدراسة اللغوي ؛ للتعبير عمّا يعتري صدر العربي من قوة معنى أحالها لسانه إلى تراكيب وأنظمة كلامية عبرت عن مدلولاته النفسية ؛ إذ تشكل اللغة وسيلة التعبير النفسي ، بعدّها ظاهرة تناولها الباحثون بشيء من الاهتمام للوقوف على حقيقة الكلام ، ولم يقتصروا في بحثهم عن الأساليب الحديثة في اللغة ، وإنما طبقوا هذه النظرية – مع ما تحمله من جدليات الاحتجاج – على الجذور العربية ، على نحو ما نجده من المؤلفات الحديثة التي تشير إلى الأثر النفسي في تناول اللغة بشكل آخر ، يدفعنا للقول بضرورة الدراسة في المجالات النفسية للغة ؛ فهي تملك إمكانيات لا يمكن حصرها بجانب واحد ، وإنما تحتاج إلى دراسة على شكل ظاهرة تدعونا للقول بضرورة الحاجة للكشف عن أسرار اللغة ومكنوناتها النفسية ، ولاسيّما وأن أغلب الأساليب العربية تشير إلى الأثر النفسي في تحقيق المعنى على أقصى غايات التحقيق ، كأسلوب القسم والنفي والاستفهام والتعجب ، وغيرها من الأساليب الأخرى التي ابتكرتها اللغة في التثبت من المعنى .

الباب الثاني :أثر التحقيق للمعنى ، والتثبت في مرتبة القوة له

جاء الباب الثاني متناولاً أثر التحقيق للمعنى ، والتثبت في مرتبة القوة له من خلال ثلاثة فصول :

الفصل الأول:

تناول الفصل الأول زيادة الحروف وأثرها في زيادة مرتبة المعنى ، ولاسيّما الحروف التي تترك أثراً في تقوية المعنى على مستوى التركيب

الفصل الثاني:

انتقلت الدراسة في هذا الباب إلى الفصل الثاني ؛ ليشير إلى أبرز الأساليب والظواهر العربية التي تؤدي إلى توكيد المعنى ، وتحقيقه بأبلغ صورة ، وأقوى مؤدّى.

الفصل الثالث:

شاطر الفصل الثالث الفصل الثاني في دلالة القوة للمعنى عن طريق النظر إلى ظاهرة الاتساع في المعنى الواحد ؛ ليشمل مجموعة من المعاني المرادة في التركيب ؛ ليدل الاستعمال الذي ضم تلك المعاني على قوة تلك التراكيب ؛ لاحتمالها إرادة المعاني مجتمعة في السياق ، من دون القول بالفصل في إرادة المعنى الواحد ؛ لما يشكله هذا القطع من إجحاف في أقدار التراكيب المحتملة لتلك المعاني المجتمعة .

*أسباب اختيار الباحث لموضوع بحثه :

بين الباحث أن اهتمامه بالنص القرآني وما ينبثق عنه من الدلالات الموحية بتطور العربية نحو جماليات الأسلوب ، وفن القول هو الذي دفع الباحث إلى تخصيص موضوع الأطروحة بجانب قوة المعنى من خلال رصد الاستعمالات التي أفاض بها السياق القرآني على وفق الظواهر العربية ؛ الأمر الذي جعله يتلمس ذوق القرآن الكريم وقوة تعبيره ؛ مما دفعه إلى تغليب الشاهد القرآني ، الذي يقع في قمة هرم العربية ، وقد قابله الباحث بشيء من الموازنة مع فصيح الشعر والحديث والمثل ؛ للخروج بنتيجة الإقرار على دلالة أعلى المراتب التي يحققها الاستعمال العربي في مستوى معنى المفردة تارة ، وللتراكيب تارة أخرى .

نتائج الدراسة :

توصل الباحث لعدة نتائج ذكرها على النحو التالي :

كان لمظهر الزيادة في العربية دورٌ بارز في تحقيق قوة المعنى على مستوى المفردة ؛ إذ تعد الزيادة ظاهرة من مظاهر دلالة الزيادة في مرتبة المعنى المعبر به ، فضلاً عن ذلك فإن لهذه الزيادة مقتضيات إطالة الصوت الدالة على موافقة تلك المرتبة من حيث الشكل والوظيفة ؛ إذ الأمر بينهما فيه توافق بزيادة المعنى وفق زيادة مقتضيات المفردة ؛ لتحقيق تلك المرتبة من الدلالة ؛ إذ وجد الباحث أن في زيادة صيغة البناء (أفعل) قوة في مرتبة المعنى قياساً بالصيغة المجردة ، ثم لاحظنا أن استعمال بعض اللغويين دلالة التساوي بين الصيغتين من حيث المعنى أمر فيه نظر ؛ ذلك لأن طبيعة الاستعمال للزائد في شواهد العربية الفصيحة ولاسيّما استعمال القرآن الذي يمثل قمة الهرم في بلاغة القول الفصل من حيث الدلالة في نفاذ المعنى ، كان يشير إلى أن استعمال التركيب للزائد من صيغة (أفعل) فيه دلالة على زيادة المرتبة في المعنى من حيث التوكيد له ، فضلاً عن استعمال المزيد بالهمزة كان يشير إلى تمكين الفعل للتأثير على علاقة المزيد بلفظ المفعول ، في كون التعدية بالهمز تكون أسرع في الوصول إلى المفعول من المجرد أو المضعف .
كان لدلالة استعمال المضعف دور في الإشارة إلى قوة المعنى في اللفظ المزيد بصوت المضعف ، الذي أشار إليه ابن جني سابقاً بقوة اللفظ لقوة المعنى ، فضلاً عن دلالة تكرير الصوت المضعف على قوة معنى اللفظ وشدته .
كان لزيادة صوت الألف في صيغة (فاعل) أثر في الدلالة على استطالة مرتبة المعنى في اللفظ الدال على تمكين الزيادة في إضفاء دلالة المشاركة ؛ ليكون الحدث بها دالاً على اشتراك شيئين في مرتبة ذلك الحدث .
وتجلت قوة المعنى بدلالة الصيغة المزيدة بأكثر من حرف كصيغة (افتعل) و (استفعل) ، فضلاً عن إفادة الزيادة في صيغة الافتعال تلك التأثيرات بحكم مجاورة الأصوات وإخضاعها لقانون المماثلة أو المخالفة ؛ ليلائم تركيب البنية قوة الدلالة في التعبير عن المعنى بتلك الصيغة ، وكان لصيغة (استفعل) الأثر الدلالي في إضفاء معنى القوة في دلالة الحدث المزيد بأصوات الحروف الثلاثة ؛ ليدل الحدث بزيادتها على قوة مرتبة المعنى ؛ إذ الصيغة المزيدة بتلك الحروف أبلغ وآكد في المعنى من الصيغة المجردة منها ؛ لاحتمال الصيغة المزيدة معاني متعددة على سبيل الاتساع في دلالة الصيغة ، وتحقيقاً لدلالة معنى الطلب حقيقة أو مجازاً ؛ إذ يكون الطلب بها على سبيل الالتماس والسعي فيه ، والتسبب لوقوعه ، والمبالغة في الدلالة عليه . ثم أن من دلائل قوة هذه الصيغة أنها مازالت تستعمل في اللهجات الحديثة ؛ محافظة على فصاحتها في الألفاظ حيناً ، أو بمصاحبة بعض التطورات الدلالية في الاستعمال من نحو لفظ (استقل فلان الطائرة) ، والمعنى على الأصل هو قلب الدلالة أي : استقلته الطائرة ، وهذا التطور ملائم لدلالة الصيغة على قوة المعنى ،على وفق مرتبة المبالغة في الاستفعال بالحدث.
وهناك نوع آخر من الزيادة في العربية تختلف عن الزيادة المقيسة في الأبنية ، وقد أسميناها بزيادة الحروف اللواحق ؛ إذ وجد الباحث أنها غالباً ما تزاد لتؤدي وظيفة دلالية في اللفظ ؛ لزيادة المعنى والمبالغة فيه مبالغة تشير إلى قوة معنى اللفظ الذي ألحقت به ، وأشهر تلك الحروف هي : زيادة التاء في بناء اللفظ ؛ ولا تفيد بزيادتها تلك إرادة التأنيث بالمعنى الحقيقي ، وإنما هو طريق في العربية يشير إلى بلوغ الغاية في الوصف ، ودلالته على قوة ذلك المعنى سواء أكان ذلك الوصف لمذكر ام لمؤنث ، والذي ظهر لي أنه على الرغم من استعمالها مع صفة التأنيث إلا أنها دلت على قوة المعنى في إفادة المبالغة بالوصف ، والذي يعزز ذلك أنه يلجأ في الصفة المشتركة بين الإناث والذكور إلى زيادة هذه التاء ؛ لغرض المبالغة في مرتبة معنى الوصف . وغيرها من أحرف اللواحق التي تؤدي غرض القوة في المعنى في زيادتها البنائية للمفردة .
ومن الظواهر الأخرى في العربية التي تفيد البناء قوة في مرتبة المعنى هي ظاهرة التناوب بين أبنية الأفعال والاسماء ؛ إذ تشكل هذه الأبنية باستعمالاتها المتناوبة ظاهرة لغوية بارزة في إثراء اللغة العربية بالمعاني والدلالات المختلفة ذات المراتب المتناوبة في التعبير عن المعنى الواحد ؛ إذ يتفاوت قدر المعنى المعبر به بحسب ما أنيب له من استعمال على نحو ما نجده في التناوب بين الأصول وما اشتق منها أو ما تفرع من تلك المشتقات من دلالات تفيد المعنى الجديد قوة تفوق المعنى الذي ناب عنه ، وقد تابع الدراسة فيه الكشف عن المعنى ومدى تفاوت مراتبه في القوة مبالغة أو توكيداً ، عن طريق تناوب أبنية الأسماء والأفعال ، وما يضيفه المناب من دلالة اقتضاء السياق له لتقوية المعنى المراد ، ولاسيّما أن أكثر البيانيين قد أشاروا إلى أن الاسم المناب في الاستعمال عن الفعل يكون أكثر دلالة على بلوغ المعنى من خلال دلالة الاسم على الثبوت ، بخلاف الفعل الذي يدل على التجدد في الحدث
لاحظ الباحث أن قوة المعنى في اختيار الصيغة المنابة يشير إلى دقة التعبير في قصد المناب ، لاسيّما في الاستعمال القرآني من نحو اختيار صيغة الفعل مع الرزق ؛ ليدل على ملاءمة الحال في إنابة الفعل الدال على التجدد والحدوث من دون الاسم ، وغير ذلك من الاستعمالات التي وقفنا عليها والدالة على قوة المعنى وفق دقة التعبير عن مقتضى الحال .
إنابة اسماء الأفعال عن الأفعال فيه دلالة على قوة المعنى المراد التعبير به من دون لفظ الفعل ؛لتحصل دلالة الحدث والثبوت مجتمعين في لفظ اسم الفعل ،فضلاً عن دلالة تلك الأسماء على الإيجاز والاختصار ، والمبالغة ، ووجه الاختصار والإيجاز بتلك الأسماء هو إيرادها للواحد والمثنى والجمع بلفظ واحد وبصورة واحدة ، أما وجه المبالغة فيتجلى بإرادة دلالة الفعل مع دلالة الاسم في التعبير الذي يضم اسم الفعل دون ذكر الفعل صراحة .
التناوب بين الأفعال أنفسها : إذ يشكل هذا التناوب ظاهرة دلالية بارزة لاسيّما في الاستعمال القرآني ، ويشير إلى مظهر من مظاهر الإعجاز التعبيري والبياني فضلاً عن القصد الدلالي الذي يوحي بقوة المعنى للمعبر به بالصيغة المنابة ، ومن نحوه تناوب أزمنة الأفعال التي تشير في استعمالها إلى دقة التعبير التي يقف وراءها قوة المعنى للتعبير عن المقصود ، فهو حين يؤتى بدلالة الماضي منابة عن المضارع إنما يكون قد استعمل الصيغة التي تدل على ثبات الحكم واستقراره دون التعبير بصيغة المضارع التي يشار بها أيضاً إلى دلالة الماضي بقرائن السياق ؛ لتحيل المعنى من دلالة التجدد والحدوث إلى دلالة الاستقرار وثبات الحكم بشكل يضفي قوة في مرتبة المعنى المعبر به ؛ إذ وجد الباحث أن التعبير عن الماضي بصيغة المضارع المعدولة وفق قرائن السياق آكد وأبلغ في تأدية المعنى مما لو عبرّ به صراحة بلفظ الزمن الماضي .
وشبيهاً في قوة تلك الدلالة ما استعملته العربية في إنابة صيغتي المبني للمعلوم والمبني للمجهول ، وظاهر الدلالة في قوة معنى تلك الظاهرة أنها تتعدى ما وصفوه بدلالة الجهل بالفاعل ، أو الخوف منه أو عليه ؛ لتشكل أثراً دلالياً واضح المعالم في إضفاء العناية بالمذكور تارة مع صيغة المعلوم ، أو الاهتمام والعناية بذكر الحكم المتعلق وقوته ، أو قد يشير الاستعمال في البناء للمجهول المناب عن المعلوم إلى ظاهرة بلاغية تدل على تحقير ذلك المجهول ، وغير هذه الاستعمالات الكثير مما يطول به المقام دلالة على إرادة قوة المعنى بحسب مقتضى السياق للصيغة المنابة .
التحويل إلى بناء (فعُل) بضم العين ، وهو من الظواهر الدلالية في العربية يشير في غالبه إلى عناية السياق بدلالة اللفظ وقوته ، وقد أثبت الاستعمال لها معنى التعجب بصيغة (ما أفعله) ، إلا أن التعبير بين هاتين الصيغتين يكون بفارق المعنى ؛ ذلك أن التعجب بصيغة (ما أفعل) وصف حال ، أما الوصف بـ(فعُل) فإنها تفيد تطور الحال وتحوله ، فضلاً عن دلالة الصيغة على الحدث دون الصيغة المقيسة في التعجب بـ(ما أفعله) ، كما أن التعجب بـ(ما أفعله) قابل للانقضاء بعد زمن التعجب ، على حين أن التعبير بصيغة (فعُل) يكون دالاً على الاستمرار والثبات في ذلك الوصف المتعجب منه ؛ مما يدل على قوة المعنى وزيادة مرتبته في تلك الصيغة المتحولة إلى دلالة هذا المعنى .
يشكل التعبير بظاهرة تناوب المشتقات المجال الدلالي الواسع استدلالاً على قوة معنى السياق الذي يرافقه تناوب صيغة المشتقات ، مع اختلاف معاني ومقاصد المشتقات أنفسها ؛ إذ التباين والتناوب من بناء لآخر يؤدي بلا شك الى الانتقال من معنى لآخر أجدر وأبلغ منه في التعبير ، لاسيّما فيما اتفقت المباني فيه على جذر لغوي تشتق منه تلك الأبنية ، كتناوب المصادر ذات الجذور الواحدة ، من نحو اختيار المصدر المزيد على المجرد ؛ دلالة في زيادة مرتبة المعنى ، وكذا الأمر في اختلاف حركة البناء في المصدر والجذر الواحد ، كاختلاف بناء (الضّر) بالضم والفتح ؛ إذ وجده أن استعمال (الضّر) بالضم أكثر تخصيصاً وتوجيهاً للمعنى المقصود من الصيغة المفتوحة التي تشير في الغالب من استعمالها إلى التعميم دون التخصيص .
ومن هذه الظاهرة إنابة اسم المصدر عن المصدر وهو استعمال واسع في العربية بيّنُ الدلالة على زيادة المعنى وقوته في الصيغة المنابة ، فيما لو عبر بالمصدر نفسه لم يتحقق احتمال السياق زيادة في المعنى واتساعه ، فضلاً عن دلالة اسم المصدر على الاهتمام بما نقل عن الحدث على غير إرادة الذات .
ومن مظاهر الإنابة الدالة على قوة المعنى عن طريق الاتساع في التعبير بالمصدر الميمي المناب عن المصدر الصريح ، وهذه الدلالة من الظواهر الدقيقة التي تكشف عن طرائق العربية في اختيارها الألفاظ الملائمة على وفق ما تنسجه من معاني المفردات ، لاسيّما تلك التي يشترك فيها الاشتقاق ، وما تثيره تلك الاشتقاقات من دلالات تشير إلى التطور الدلالي في الألفاظ الموضوعة للدلالة على المعاني المتفاوتة في الأقدار ؛ تبعاً لتفاوتها في مراحل تطورها فاستدعت إلى إيجاد صيغ بديلة أو شريكة في اللفظ تشير فيها إلى معاني جديدة تستعملها متى ما ضاق عليها التعبير بالمصدر الصريح ؛ ليعبر بما يستعمله من بناء ينسجه من لفظة ، ويزيد عليه ما توحيه دلالة السياق من معاني تفيد الكلام قوة وتوجيهاً .
ثم لم تجد العربية من الغريب التشابه بين الصيغة للفظ المصدر الصريح ، وتطابقه مع بعض المشتقات كاسم الزمان واسم المكان ، ولعل هذا الأمر يطلق اقتراحاً في تيسير العربية بتسمية اسم الزمان والمكان والمصدر الميمي ببناء (مفعل) ؛ إذ لا فاصل بين تلك المشتقات سوى ما يضفيه المعنى من دلالة السياق من التفريق بينها ؛ فضلاً عن تفاوت أقدار المعاني بها .
ومن مظاهر قوة المعنى اشتراك المصدر واسم الفاعل في التناوب بين سياقات الكلام ؛ ليشير هذا التناوب إلى ظاهرة دلالية مقصودة في إبراز جانب القوة في المعنى ، وقد لاحظ الباحث أن هذه الظاهرة باتت واضحة في تراكمات هذا الاستعمال في النص القرآني لبعض المشتقات المنابة عن المصدر إلى اسم الفاعل ؛ ليدل على قوة معنى المعبر به ، كالطاغية والعاتية والخاطئة والخاوية والباقية ، وقد استعملها مجتمعة في سورة الحاقة استعمالاً دالاً على قوة معنى الصيغة المنابة .
ومن مظاهر قوة المعنى التي وقفنا عليها في ظاهرة التناوب هو تناوب أبنية اسم الفاعل مع المشتقات ، كتناوب أبنية اسم الفاعل بحسب زيادة المعنى فيما اشتق منه ؛ إذ (قادر) أبلغ وأقوى في المعنى من (قدر) وبالتالي فإن ما يشتق من المزيد من اسم الفاعل يكون أقوى في المعنى ممّا اشتق منه في المجرد ؛ إذ يكون (مقتدر) أبلغ وأقوى في المعنى من (قادر) ، وهكذا بقية الصيغ التي يشتق منها اسم الفاعل من الفعل المزيد يكون أقوى تعبيراً في مرتبة المعنى من المجرد .
وكذا الأمر في تناوب اسم الفاعل وصيغ المبالغة التي تشكل ظاهرة جلية في بيان أقدار المعاني ، وتفاوت مراتبها بتفاوت الصيغ المنابة ؛ فيكون الوصف في (غفور) أقوى وأبلغ في تأدية المعنى من (غافر) ، على حين تسجل صيغة (فعّال) أقصى مرتبة في دلالة التعبير ؛ فـ(غفّار) أبلغ وأقوى من (غفور) و (غافر) ، ثم أن وصول المعنى غايته في صيغة (فعّال) يدلنا على أنه يتجوز في هذه الصيغة ما لا يتجوز في غيرها ؛ إذ يشترط في صياغة أوزان المبالغة أن تصاغ من مصادر الأفعال الثلاثية المتعدية إلاّ (فعّال) فإنها تصاغ من اللازم والمتعدي .
ومن مظاهر قوة المعنى في الصيغة المنابة هو تناوب اسم الفاعل والصفة المشبهة ، وهذه الظاهرة تشير إلى العلاقة الوطيدة بينهما وفي الوقت نفسه يشير الاستعمال الدلالي لهما إلى علاقة طردية ؛ لتحقيق قوة الدلالة عليه مع التعبير بصيغة الفاعل .
ويشكل تناوب اسم المفعول واسم الفاعل ظاهرة دلالية تشير إلى دلالة المناب بقوة المعنى من دون الصيغة الأخرى ؛ إذ يشير استعمال اسم المفعول مناباً عن اسم الفاعل إلى اتساع المعاني مع استعمال اسم المفعول المناب عن اسم الفاعل ؛ دلالة على قوة المعنى من طريق الاتساع بالتأويل ، من نحو تعبير القرآن الكريم بالحجاب المستور من دون الساتر ، والصحف المطهرة من دون الطاهرة .

على حين ينوب اسم الفاعل في الاستعمال دون اسم المفعول ؛ ليدل على قوة المعنى من جانب الاهتمام بذات الوصف والمبالغة فيه ، من نحو قولهم : شغل شاغل ، وليل لائل ، وعيشة راضية ، وكل ذلك على سبيل المبالغة في الوصف .

ومن الاستعمالات العربية الأخرى التي تشير إلى قوة المعنى هي أنهم استعملوا صيغة (فعيل) مما تتساوى فيه الدلالة على اسم المفعول واسم الفاعل ؛ دلالة في اتساع المعنى بهذه الصيغة .
تشكل الحروف والأدوات تأثيراً دلالياً واضح المعالم في ضمن التراكيب التي ترد فيها تلك الحروف ، فتتأثر به فيكون لها دلالة معنى لم تكن متحققة من دون سياق الكلام الواردة في تراكيبه ؛ إذ لا معنى للحرف خارج نطاق المساحة التعبيرية ، فضلاً عن مقتضى الوظيفة الدلالية لتلك الحروف ؛ فإنها روابط في التركيب يتوقف معناها على ما لمقام الحال من توجيه المعنى الذي يحتمله وجود تلك الأدوات على سبيل تقوية المعنى من طريق إثباته وتقريره . وعلى هذا الجانب الدلالي في الكشف عن أثر الحرف في تحقيق قوة المعنى وقف الدراسة في تقصي أغلب تلك الحروف التي أحدثت في تراكيبها زيادة في قوة المعنى الذي وردت فيه ؛ لتشكل ظاهرة شغلت مساحات لغوية أعدت لهذا الغرض .
ومن جملة ما يزاد في التراكيب ؛ لغرض تحقيق قوة المعنى عن طريق التوكيد له وإثباته هو ما يتضمنه التركيب من حروف المعاني الزائدة ؛ لغرض تحقيق قوة المعنى ومن ذلك زيادة (إن) المطردة مع (ما) النافية ؛ لتزيد فيه المعنى قوة للأمر المنفي ، وكذا الحال في الزيادة المطردة بين (أن) مفتوحة الهمز مع (لّما) الحينية ، وفي القسم مع (لو) ، وكل تلك الزيادة مؤدية إلى تقوية المعنى وتوكيد الكلام .
وتزاد (ما) في تركيب الكلام ؛ فتزيده قوة في المعنى وتوكيداً في النفس فضلاً عن الأغراض الأخرى التي تؤديها زيادة (ما) في أثناء تركيبها في الكلام ، الأمر الذي يدعو إلى التشكيك في النظر للحد الذي يقاس عليه الزائد من الحروف في جواز إسقاطها من التركيب من دون أن يحدث تغييراً في المعنى ، في حين وجد الباحث زيادتها في مساحة التركيب الذي قصد إليه الكلام ، وهي مع هذا زائدة في الكلام ، من نحو إفادة معنى الحصر بـ(إنما) ، ولقوة الاختصاص الذي أضافته ، ولقوة مرتبة المعنى الذي أضافته (ما) في تركيبها مع (إن) عدّ بعضهم (ما) الكافة نافية ، وإن ذلك هو سبب إفادتها معنى الحصر . والذي يدلنا على قوة المعنى الذي أضافته تلك الزيادة في (إنما) هو أنها تقاس بما يوازي هذا الاستعمال من قوة الاختصاص والحصر بأسلوب النفي بـ(ما) و (إلاّ) ، وهذا تأكيد لمرتبة المعنى وقوة الدلالة التي أضافتها زيادة (ما) في تركيب (إنما) . فضلاً عن الآثار الدلالية الوضعية لـ(ما) الزائدة في تراكيب العربية ، التي حققت مقاصد كلامية لا يمكن إثباتها إلا عن طريق زيادتها ، من نحو تحقيق معنى الجزاء في أثناء زيادتها مع (إذ) ، وتوجيه الدلالة في (حيث) الشرطية المكانية إلى الدلالة الشرطية الزمانية .
وتشكل استعمالات الحروف المشبهة بالفعل حقلاً من الحقول الدلالية التي تؤدي بالمعنى في التركيب الذي تدخله قوة وتوكيداً ، وتشير إلى ظاهرة تفاوت أقدار المعاني بحسب الغرض الذي يخرج إليه هذا التركيب مما يبلغ بالمعنى أقصى غاياته في تحقيق أعلى مراتب القوة في التعبير ، ومن ذلك اقتضاء قوة المعنى الإجماع بين (إن) و (اللام) ؛ لتحقيق أعلى مراتب التوكيد في المعنى ، ويكون هذا التوكيد بمثابة التكرير الذي استغنى عنه التركيب بذكر (إن) و (اللام) مجتمعتين ؛ ليلائم بهذا الاستعمال قوة الإنكار الذي يوازيه تقوية المعنى بهذا الأسلوب ؛ ليخرج إلى أقصى مراتب التوكيد والمبالغة في التحقيق من الأخبار .
ومن نحو اجتماع (إن) مع القسم والطلب ، وهذا النوع من الأساليب التي أخرجتها العربية في تقوية المعنى من ضمن الغرض الذي يخرج الأخبار عن حدّ التشكيك والإنكار ، وحمل الكلام على وفق تلك الأساليب في اقتضاء مرتبة المعنى إلى القوة في الإقرار والتثبيت من الأخبار .

ومن ذلك اجتماع (إن) بضمير الشأن ، وهو أسلوب كلامي فيه دلالة على قوة المعنى للتركيب الذي يزاد فيه ضمير الشأن ، ولاسيّما مع الحروف المؤكدة ؛ فتزيد الكلام توكيداً وتفخيماً بذكر المجهول على سبيل الإبهام ثم تفسيره ؛ ليكون أوقع في النفس . ومن تلك الاستعمالات ما يشير إلى قوة المعنى في التشبيه بـ(كأن) التي اقتطعت فيه الكاف من مراتب التركيب ؛ لتلحق بـ(أن) فيؤدى بها التشبيه المرافق لدلالة التوكيد ؛ وقد عُلل ذلك بإفراط عنايتهم بالتشبيه ، وعلى هذا يكون استعمال التشبيه في قولنا : (كأن زيداً الأسد) أقوى وأبلغ في توكيد التشبيه من (زيد كالأسد) ؛ لتضمن في اجتماعها مع التوكيد وتقدمها في التركيب دلالة قوة معنى هذا الأسلوب .

ومن سبيل ذلك اجتماع (لعل) بدواعٍ تركيبية تقارب معنى الرجاء ؛ زيادة في تحقيق قوة ذلك المعنى ؛ وإفراغاً لدلالة التركيب عليه من مقتضيات الدلالات الأخرى ، على نحو اجتماع (عسى ولعل) في ضمن أساليب العربية ؛ لإفادة تقوية معنى الرجاء والطمع .

ومن الطرائف العربية المتبعة في تقوية المعنى والتوكيد له أنها تأتي بكلامين متفاوتين في تركيب واحد ، فيكون الترجيح للمعنى المستدرك عن طريق (لكن) ، ومن لطائف استعمال القرآن الكريم وخروجه عن مقتضى قاعدة الحكم بإثبات النسبة لما بعد (لكن) ، ليشمل توكيد الحكم لما قبله في قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى } ، إذ كانت نسبة الحكم فيما تقدم (لكن) متفاوتة بين النفي والإثبات ، ثم استدركه بإثبات الرمي له سبحانه من خلال نسبة الحكم إليه تعالى بعدما نسبه ونفاه عن شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ؛ إذ المعنى فيه على منتهى القوة والتسديد في توكيد الحكم لكلا الطرفين ، وعلى ما يبدو أن (لكن) تفيد التوكيد لحكم ما تقدم عليها فضلاً عما تأخر ؛ وذلك أن (لكن) قد ميزت بين حكمين متخالفين ، وأثبت خلاف الحكم الأول بما قررته للثاني
ومن النتائج الأخرى التي وقفت عليها الدراسة هي أن العربية قد استعملت جملة من الظواهر التي اتبعتها في نظام الجملة ؛ وذلك بغية تقوية المعنى والتمكين له على وفق الأساليب التي أخرجتها لتحقيق ذلك الغرض ، ومن أبرز تلك الظواهر هي ظاهرة التكرير . إذ يشكل التكرير مظهراً مهماً من مظاهر قوة المعنى التي يستند عليها المتكلم في إثبات المعنى وتمكينه في التركيب بشكل تأخذ معه النفس حائلاً عما يثير الشك أو ما يدعو إليه ؛ ولهذا الغرض أُطلق على هذه الظاهرة تسمية التوكيد .
وقد لجأت العربية إلى أسلوب آخر يقوم مقام التوكيد اللفظي ؛ إلاّ أنها تعبر به تفضيلاً للمعنى الذي يقتضيه التركيب من اختصار الكلام المكرر والدلالة على ما يدل عليه التوكيد من معنى القوة في التعبير ، وهو انها حملت المصدر المؤكد مقام الذكر في التوكيد اللفظي ؛ ولهذه العلة سمي المصدر بالمفعول المطلق ؛ لدلالته على التحقيق والتوكيد للفظ العامل الذي استغني عن ذكره .
ومن ظواهر العربية في تحقيق قوة المعنى أنها تأتي في تركيب الكلام بضمائر منفصلة تكون الغاية منها وضع الكلام في موضع التحقيق والتوكيد ، وتقوية المخبر عنه بالضمير على سبيل الاختصاص ؛ ولهذه العلة في الدلالة على قوة المعنى يسميه بعضهم بالدعامة ؛ لأنه يدعم به الكلام ؛ أي يقوى ، وللعلة نفسها لا يؤتى بها مع التوكيد فلا يقال : زيد نفسه هو الفاضل .
ويشكل الاعتراض في العربية ظاهرة واسعة ملفتة لنظر المتذوق في أصول اللغة وفنونها ، وهي على سعتها لم تحظ بوافر حظ من المتأخرين سوى ما أشاروا إليه من أن هذه الجملة أو تلك اعتراضية لا محل لها من الإعراب ، ومما يشير إلى أهمية الاعتراض في اللغة والى كونه أبعد مما أطلقوا عليه من دلالة مقترنة بتسمية (الحشو) ، هو ما يقابل هذه التسمية عند البلاغيين بالالتفات ودفع الإيهام ، وعده بعضهم نوعاً من أنواع الأطناب ، له أغراضه البلاغية في تركيب الكلام ، فمن الاعتراض ما يكون فيه المعنى على سبيل الاستطراد والتأكيد ، ومنه ما يكون فيه قوة معناه موازياً لأسلوب التكرير اللفظي ، وما يضفيه من المبالغة بذكر المكرر ، ومما يؤكد قوة المعنى بدلالة الاعتراض أن العربية اعترضت في مراتب كلامها بأساليب التوكيد ؛ فتجعلها معترضة بين تلك المراتب كالاعتراض بالقسم ، أو الجمل المفسرة ، أو المؤكدة بألفاظ التوكيد المختلفة ، مما يدل على أن الاعتراض يشكل مساحة لغوية معتبرة في تحقيق قوة المعنى .
ويشكل القسم أسلوباً من أساليب العربية أخرجته المخرج الذي يفيد الكلام قوة وتوكيداً ، كالقسم بالألفاظ الدالة على أن التركيب يقوم مقام القسم ؛ لدلالة القسم على قوة المعنى المعبر به ، فاستمدت تلك الألفاظ قوتها حملاً على قوة التعبير بالقسم الصريح ، من نحو استعمال ألفاظ القسم ، والحلف واليمين ، وما يقوم مقامها في الدلالة على قوة القسم .أو القسم الصريح بالمقسم به عن طريق ربطه بحروف القسم التي تمتاز بدورها بخصائص مختلفة في الاستعمال ، تشير إلى العناية بهذه الأسلوب ؛ تبعاً لتفاوت أقدار المعاني في توثيق الجواب المراد إخراجه على سبيل القوة في التعبير ، فضلاً عما يتضمنه التركيب من جماليات المقسم به ، على نحو القسم الذي أخرجه استعمال القرآن الكريم المخرج الذي تعلو به مراتب المعاني قوة ووفاقاً بين المقسم به وسياق حال القسم ؛ فيخرج المعنى الذي قدره تركيب القسم ، واختيار المقسم به ، وتباين أجوبة المقسم عليه ؛ ليلائم قوة الملفوظ قوة المعنى ، الذي وضع لأجل إخراجه المخرج المتكامل في التوثيق وتحقيق الصلة .
ومن ضمن ما عقدته العربية من طرائق قوة المعنى هو تقويته بظاهرة الاختصاص عن طريق الاهتمام بالخبر من جهة قصره ، والذي يظهر لي أن هناك فرقاً واضحاً بين الاختصاص بالقصر من طريق النفي والاستثناء ، وبين الحصر بـ(إنما) ؛ إذ ليس مرتبة المعنى واحدة في قولنا : (إنما زيد قائم) ، وقولنا : (ما زيد إلا قائم) ؛ إذ الاختصاص بـ(إنما) كان يسيراً مقارنة بقصره على أسلوب النفي الذي كان فيه الاختصاص أبلغ وآكد في تحقيق مرتبة معنى الأخبار ، وكأنه قد قصر جميع صفاته وأخبر عنه من جانب قيامه ، وكأن ذاته من جهة القيام فحسب .
ويشكل التقديم والتأخير جانباً مهماً من النظام الدلالي في الجملة العربية لاسيّما تخصيص المعنى على جانب من القوة في التعبير ، ويعد من أساليب الانزياح في اللغة والدلالة ؛ لأن الكلمات تتفاوت مراتبها في التركيب تقديماً وتأخيراً ، بحسب ما اقتضته هذه المراتب من معنى التخصيص والتوكيد ، والذي ظهر لي أن مزية الاختصاص والتوكيد لم تكن مقتصرة على المتقدم منهما ، وإنما يستشف أيضاً من التأخير إفادة تلك الدلالة ؛ لأن كلاً من التقديم والتأخير كان له رتبة أزيح عنها للغرض المذكور ؛ فكلاهما يشتركان في دلالة قوة المعنى على الاختصاص .
ومن طرائق التخصيص في العربية أنها تلجأ إلى التعريف بالمبتدأ والخبر معاً ، بعد أن كان الأصل في المبتدأ المعرفة ، والأصل في الخبر النكرة ، وهو سبيل متبع ؛ لتوجيه الاختصاص والقصر بما يخبر عنه .
ومن ذلك الاختصاص بما يشبه النداء أو بإضمار فعل فيه معنى التخصيص ؛ إذ استعملتها العربية في ضمن دلائلها على قوة المعنى بما يشير في سياق التركيب إلى التخصيص في الكلام بمخصص قصره المتكلم ؛ ليقصر ما يتكلم به على مقصوده ؛ فهو غايتهم في الكلام ، فضلاً عن المعاني التي تخرج إليها الأساليب ؛ كتحقيق معنى الاستغاثة والتعجب .
وقد اتبعت العربية أسلوباً آخر في تقوية معنى التركيب عن طريق ظاهرة الإتباع؛ فهي تعمد في التركيب إلى أتباع اللفظ بلفظ آخر يقاربه في دلالة المعنى أو الوزن ، مما يؤدي إلى إخراج التركيب على ضرب من التوكيد الذي يضفي على دلالة المعنى قوة وجمالًا،،أو أنها تلجأ إلى أتباع اللفظ بلفظ آخر مخالف لدلالة الأول ، والغرض من ذلك إضفاء صفة المبالغة على سبيل التكثير بذكر الشيء ونقيضه . ومن هذه الظاهرة أيضاً قوة المعنى عن طريق إتباع اللفظ بالوصف الدال على زيادة المعنى قوة ونفاذاً ، فيقولون : أبيض ناصع ، وأصفر فاقع ، وأسود غربيب ، ومن قبيل ذلك الأتباع بالوصف الذي هو لازمة من لوازم دلالة الأول من نحو : دابة الأرض ، وطائر يطير ، وغيرها من الأوصاف الملازمة لموصوفها فهي دالة على تقوية معنى ذلك الوصف .
ويشكل الاتساع مظهراً مهماً وواسعاً من المظاهر الدلالية التي أحالت الدراسات اللغوية لاسيّما النحوية والمعجمية منها إلى ضرب من الاستقصاء في المجال الدلالي الذي يمثل الجانب الروحي للغة ،بعد ما كانت هذه الدراسات ضرباً من القوالب اللفظية والقواعد المنطقية .والذي ظهر للباحث أنه ليس كل اتساع دال على قوة المعنى ؛ فمن الاتساع ما يمثل ضرباً من التطور في الألفاظ ودلالاتها ، ولكن الاتساع الدال على قوة المعنى هو ما تعلق في تأدية اللفظ لمعناه المستعمل مع ما يتضمنه من جواز إرادة معنىً آخر يضاف إلى المعنى المعبر به ؛ ليعطي في السياق التركيبي قوة في تحقيق الدلالة بوجوه المعاني المتعددة .
ومن مظاهر قوة المعنى وفق ظاهرة الاتساع في التراكيب التي اتبعتها العربية هو الاتساع بتضمين لفظ معنى غيره ، ويسمى هذا الاستعمال أيضاً تجوزاً في اللفظ أو مجازاً ، كأن يأتي الاسم متضمناً معنى آخر ؛ فيدل الاستعمال على قوة المعنى المعبر به ؛ لأن التركيب وسياق الحال مبنيان على إرادة المعنيين جميعاً ، وكذا الحال في الاتساع الذي يكشف عن العلاقة الوطيدة بين الأفعال والحروف ؛ إذ تستعمل حروف متضمنة معاني حروف أخرى ، يُلجأُ في مثل تأويل الأفعال المرافقة لها بسواها من قبيل تضمين فعل معنى فعل آخر ، فيكون التركيب على إرادة تضمين المعنيين جميعاً ؛ كأن يأتي الفعل متعدياً بحرف ليس من عادته التعدية به ؛ وحينذاك يحتاج إلى تأويل الفعل أو تأويل الحرف ، وظاهر سياق التركيب على دلالة إرادة المعنيين ، مما يشير لنا بأسلوب دلالي في اللغة متبع لتأدية غرض القوة في مرتبة المعنى الذي عبر عنه التركيب بالشكل الذي يخرج إليه .

ومن قبيل ذلك الاتساع بظاهرة التغليب ، كإطلاق لفظ يراد منه معنى لفظين مجتمعين ، وهو مظهر معتبر من مظاهر قوة المعنى عن طريق اتساع العربية في معانيها ، فضلاً عما يقابله من دلالة الاختزال بقدر الألفاظ ؛ ليتسع بالمعاني فتكون المعاني حينذاك محط عنايتهم واهتمامهم .

ويشكل الالتفات ظاهر أسلوبية اتبعتها العربية ؛ لتحقيق أغراض بلاغية تدل في جملتها على اتساع المعنى وإكسابه خصوصية في التعبير ؛ ليدل على قوة مرتبة المعنى المعبر به عن هذه الظاهرة، كأن يأتي بأسلوب الخطاب متضمناً لمعاني الضمائر المتناوبة ؛ فينقل المعنى بانتقال عناصر التركيب بين ضمائر الغيبة والخطاب والتكلم ؛ دلالة على اتساعه في ضم العناصر الضميرية المتفاوتة ؛ تحقيقاً لنكتة بلاغية تشير إلى قوة التركيب بدلالة اختلاف المعنى المراد وانتقاله من حال إلى حال ، فضلاً عما يتضمنه التركيب من تلوين التعبير بصيغ الإفراد والتثنية والجمع ، فهي وسائل تسهم إلى حد كبير في الإشارة إلى قوة معنى التركيب عن طريق الاتساع بمعاني تلك العناصر وتفاوتها مجتمعة في التركيب الواحد .
ومن مظاهر الاتساع أيضاً تحقيقاً لقوة مرتبة المعنى في التركيب هو الترادف في الألفاظ التي اجتمعت في سياق التركيب الواحد ؛ ليشير إلى الاتساع بمعاني تلك الألفاظ ، الأمر الذي أدى بالتركيب الخروج إلى طريق دلالي كشفت عناصره عن قوة المعنى الذي رافق هذه الظاهرة .
ويشكل الحذف في العربية مذهباً من مذاهب الاتساع في المعاني ، وليس كل حذف دالاً على الاتساع بالمعنى ، وإنما مرادنا الحذف الذي لم يتعين فيه المحذوف ، فتضرب له أنواع من التأويل تختلف فيه المعاني باختلاف المؤول ، ومن ذلك الاتساع بحذف الجوابات ؛ لغرض الإبهام في الكلام على سبيل الإطلاق في المعنى دون تقييده بالمقدر ، فيكون المعنى في الحذف أبلغ وأقوى مما لو جاء التركيب بذكر المقدر .
ويسهم الإعراب من خلال علاقته الوطيدة بالمعنى في تحديد اتجاه الدلالة وتباينها بتباين الإعراب ، ولاسيّما وأن من التراكيب العربية ما يتباين فيه التأويل ؛ تبعاً لتباين الإعراب ، الأمر الذي يؤدي إلى تباين في المعنى مع كل تقدير يحتمله ذلك التركيب من إعراب يدل على اتساع المعاني المؤدية إلى قوة معنى التركيب الذي ضم تلك التأويلات المرادة في السياق التركيبي الواحد ، وإن القول بأحد تلك الوجوه والقطع به إنما يكون إجحافاً لأقدار المعاني المتسعة ، وإنما تكون قوة التركيب منعقدة بقوة معنى ذلك الاتساع ؛ إذ قد تكون تلك المعاني مرادة جميعاً ، الأمر الذي دعانا للقول بعدم القطع بوجه من تلك الوجوه الإعرابية .
ويشيع في العربية استعمال الأساليب على غير ما وضعت له ، فتخرج بها إلى دلالات ومعاني يتسع معها التركيب لأكثر من غرض ، الأمر الذي يؤدي إلى خروج المعنى على ضرب من القوة والإبلاغ بالخطاب ، إذ يكون التعجب الذي تضمنه أسلوب الاستفهام أبلغ وآكد في مرتبة المعنى مما لو عُبر عن التعجب بصوره القياسية ، وكذا الحال في التقرير بأسلوب الاستفهام يكون أقوى في المعنى مما لو عبر عن التقرير بـ(قد) .

وكذا الحال في إخراج الأمر على أسلوب الخبر الصريح الذي تضمن دلالة الأمر ، يكون أبلغ وأقوى في المعنى من دلالة الصيغة الصريحة للأمر والنهي ، وغيرها من الأساليب التي تضمنت معاني غيرها ؛ دلالة على قوة المعنى وتفاوت أقدار الكلام والمعاني ، تبعاً لتفاوت الأساليب في التعبير عن مراتب المعنى .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى