إيمان الشافعي - سمك في المسجد!!.. قصة قصيرة

بدا لي المكان كرواية قديمة أعيدت صياغة مفرداتها من جديد دونما الحفاظ على مضمونها الأصيل، بينما أتجول في شوارعنا القديمة حاملاً بيدي حقيبة سفري المنهكة من طول الطريق الذي سرت فيه نيفاً من الزمن، قطعته عدواً كأني أصارع حيوانا باطشا، غلبني الشوق والحنين، فلم أفق إلا وأنا أمام صفحة وجهها الممتلئة بالتجاعيد والألم الشرس في ملامحها، تسند كوعها على حافة الجدار، تذهب ببصرها إلى بعيد، كما اعتدت رؤيتها دائماً.. لم يهز كيانها زلزلة الأرض بمجنزرات الغزاة، ولم يحاصر حلمها أبداً ذلك الواقع الجديد الذي ابتلع أحلامنا جميعاً ليتركنا نلفظ أوجاعنا بحثاً عن حلم بديل، نعم كلنا عدا هي.
اقتربت منها، تتفرس في وجهي، تبتسم، تضيء ابتسامتها صفحة وجهها فتقلل من المساحة التي احتلها الزمن منه، تشير إلى أن أجلس لأستريح من عناء السفر، تمد إلى يدها مملؤة بالسكاكر، يسبق فمي يدي في التقامها بفرح طفولي عجيب، ألوك معها ذكريات مضت وحنين.
ـ تسلط عينيها على: ماذا جاء بك من غربتك؟!، يوم سافرت قلت لن أعود.
ـ لم تنسكِ الأيام شيئاً، أنتِ كما أنتِ.
ـ أما أنت فكل شيء فيك تغير، حتى ابتسامتك ماذا عكرها؟ الغربة تفعل بنا الأفاعيل يا ولدي.
ـ الوطن ليس حدودا ومكانا على الخريطة، إنما هو فكرة تنبت في القلب وتزهر في العقل، لم أتغرب يوماً عن وطني وأنا بعيداً عن حدوده، إنما كنت أستشعر بغربتي أكثر وحشه وألماً بينما كانت تضمني أرضه .
ـ لذا هربت؟
ـ لم أهرب، أنتِ تعرفين كم حاولت ولكن دون جدوى.
ـ كلكم حاولتم وكلكم فشلتم وتركتموني وحدي، بعيون تتألق بها دموع تأبى السقوط: لمن أبيع السكاكر إذن؟ أجبني.
ـ لأهل الحي.
ـ عن أي حي تتكلم؟!
أطرقت رأسي في خجل فمنذ وطأت قدماي الأرض، وأنا أشعر ببركان تبتلعني نيرانه، فكل شيء في الحي تبدل، حتى الذاكرة والحلم حاصروها.
قبلت يد العمة و هممت بالوقوف مودعاً.
ـ إلى أين يا بني؟، لم ترو الظمأ إليك بعد.
ـ سأعود حتماً يا عمة، لكن بعدما أحقق حلم راودني طوال سفرتي، أصلي ركعتين في مسجد الحي.
أطرقت العمة رأسها وهمهمت،" يا ويلك من حلمك بالليل سواد وعذاب، وبالنهار نار وسراب ".
ذهبت وكلمات العمة تصحبني إلى هناك، شوقي إلى المحراب طفق يعلو وجهي بابتسامة اللقاء، المشهد مازال حاضراً في ذاكرتي ينبض بالحياة، الجامع تحيطه قارورات المسك، الناس من حوله يبتاعونها في جزل، يؤذن الشيخ مأمون للصلاة فأهرع إليه مع جدي وأبي قبل استشهادهما، كل شيء يحاصر مخيلتي لم يبرحها يوماً .
أتناول جوالي أتصفح الأخبار علني أجد فيها ما تضيع معه ذاكرتي فأهدأ، "سمك في المسجد"، يتصدر صحيفة "عذرا" هذا العنوان، لكن أي مسجد؟،إنه مسجد الحى!، لقد ادعى اليهود عدم وجود أهله فوضعوا أيديهم عليه وحولوه إلى مطعم للأسماك ذاع صيته في يافا.
صدقت العمة فيما قالت، أرسلت نظري إلى أعلى، لم احتمل خيالي، فأطرقت رأسي لأمحو دمعتين مثخنتين بجرح جديد نكأ صدري.
أجتررت قدمي إلى مدفن جدي وأبي، وقفت أتأمل السور المحيط برموسهم لمحت عصافير تؤوب وكناتها في مسامات السور العريض، فتذكرت جدي حينما قال لي بينما كنت أطوف حول السور صغيراً لأسد الوكنات بالطين كي تضل العصافير طريقها إلى السور: حتماً ستعود العصافير إلى أعشاشها غير أن عويل الريح مازال يهددها وطمي أيدينا معاً، ابتسمت ساخراً من نفسي.
صوت غريب يشق الصمت، كلمات سمعتها من قبل، أصغي السمع، يتكرر الصوت، اقترب أكثر فيزداد الصوت ارتفاعاً حتى اصطدمت بمصدر الصوت، رجال يرتدون قباعات سوداء يبكون بشدة... عجباً!، أكانوا يعرفون أجدادي فيبكونهم؟
-رمقني أحدهم بغلظة: أذهب بعيداً عن هنا.. لا تفسد علينا اللحظة.
طار عقلي عن أي لحظة يتحدثون؟!، إنه قبر أجدادي وهذه اللحظة ملكي أنا.
-قال أحدهم: لقد اكتشفنا أن هذه القبور بها عظام تعود لآلاف السنين لأجدادنا، وربما بعد الفحص كانت لأبونا سام أو أحد أبنائه .
تطايرت ضحكاتي لتملأ بأصدائها المكان، عدت أدراجي ومازال السؤال يتردد بداخلي حائراً:
-إن كنا تركنا المسجد أحياءً فهل ترك أبي وجدي رموسهم؟!!
في صبيحة اليوم التالي اتصلت بصديقي النقاش، وطلبت منه أن يحفر شاهداً يكتب عليه بالعربية: "هذا قبري به دمت حياً !

إيمان الشافعي / مصر



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى