شكري المبخوت - رمضانيّات

/ 1
أحبابي الكتّاب...
أنشر يوميّا نبذة عن أبناء جيلي ممّن عرفت وعاشرت لأنّنا من شجرة أنساب فكريّة واحدة...
تحيّة لهم وخروجا من عادة الاكتفاء بإجلال الأموات والشيوخ والأساتذة فمن الأحياء مَنْ ندين لهم بشيء فينا ولو على نحو غير مباشر.
أبدأ بعادل خضر (أو العادل كما يسمّي نفسه أو كما هو مسجّل في مضمون الولادة) فصداقتنا تعود إلى الدراسة في كتّاب الحي (في سبّاط بنهج سوقي بلخير الرابط بين الحلفاوين وباب الخضراء).
هذه بعض مؤلّفاته طريفة المأخذ ذكيّة الاستدلال التي تحفر في تفاصيل السرد والخطابات بصبر النمل وعين العُقاب.

***

/ 2
أحبابي الكتّاب
كاتب اليوم بتاء التأنيث.
هي أوّل شخص نشرت معه كتابا هو ترجمة طودوروف ("الشعريّة") ولمّا نزل طالبين نتلمّس طريقنا إلى المعرفة في دار المعلّمين العليا بسوسة مسكونين بهاجس التحديث في النقد والفكر والمجتمع.
كانت طالبة نجيبة نبيهة ذكيّة بل كانت نجمة قسم العربيّة.
سبقتني بسنة في الدراسة ولكنّنا ترافقنا، بعد صداقة الترجمةـ في مناظرة التبريز في اللغة والآداب العربيّة واستعددنا لها معا فكانت الأولى في المناظرة وكنت الرابع لكنّني سبقتها في ترتيب الانتداب في رتبة مساعد ثمّ في رتبة أستاذ محاضر وسبقتها بيوم واحد في مناقشة دكتورا الدولة رغم أنّها أودعت أطروحتها المميّزة قبلي بشهر تقريبا (اذكر هذا على سبيل المزاح لأنها لا تحبّ أن تتذكّره) .
لقد كانت في ما كتبت من بحوث علميّة خصوصا أطروحتها في دكتورا الدولة "العشق والكتابة"، وقبلها رسالتها في "الموت وطقوسه"، دقيقة ملمّة بمدوّناتها منتبهة إلى الدقائق والفروق مع وعي نظريّ عميق وتخريجات طريفة.
ولئن كانت في كتابات اخرى جداليّة ناقدة نقدا جذريّا لما تعتبره عوائق في الفكر العربيّ فإنّ جذريّتها مثيرة للأسئلة التي تردّك إلى نفسك كي تختبر ما استقرّ فيها فتحيي فيك الأفكار فتلقّحها بنظرات وبصائر لافتة.
هذه التي يحب الصديق حسن بن عثمان أن يخاطبها بالأستاذة الدكتورة هي رجاء بن سلامة التي تعلّمت منها، رغم الاختلافات العديدة بيننا، حبّ التدقيق وضرورة التحقيق. لكنّ المشترك في شجرة انسابنا الفكريّة غالب.

***

/ 3
أحبابي الكتّاب...
كان "مسلما حزينا" (بالمعنى الذي قصده حسين أحمد أمين) مذ عرفته ولكنّه داوى حزنه بتفاؤل معرفة الأديان الأخرى والتبحّر في تاريخ الأفكار ونقدها نقدا جذريّا لتمييز حقوق الله من حقوق العلم.
بالجدال معه والتعارض الفكريّ تعرّفت إلى بعض القضايا الدينيّة كما تطرح في الفلسفة وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا... إلخ وسمعت بباحثين وفلاسفة كثيرين مثل بولتمان (أذكره لأنّ لنا طرفة عنه) والتقينا معا مستشرقين ومستعربين كان يحرص على الالتقاء بهم فيجرّني معه إليهم لنسمع منهم حديثا مختلفا.
أنا مدين له بنظرتي إلى الدين ووظيفته الاجتماعيّة ومشاكل معالجته منهجيّا وإن لم اختصّ في هذا المجال. لكن ديني الأكبر أنّه دلّني على دار المعلّمين العليا بسوسة، ولم أكن قد سمعت بها من قبل، وأغراني بدراسة اللغة والآداب العربيّة. فقد كنا تلميذين بالمعهد العلويّ اجتزنا الباكالوريا بتفوّق وكانت جميع الشعب أمامنا مفتوحة. كنت أريد أن أدرس الفلسفة فأغلب مطالعاتي منذ سنوات قبل السنة الختاميّة فلسفيّة أساسا (وشعريّة في الآن نفسه) لكنّه ألحّ على ان أكون معه في سوسة وشرح لي منزلة النورماليّين في منظومة التكوين والتدريس. واقتنعنا معا بأنّ طموحنا هو أن نكون مدرّسين جامعيّين وباحثين حتى قبل ان تطأ أرجلنا دار المعلّمين العليا. كان زمن الحلم الذي لا يعترف بأيّ حاجز.
أتحدّث عن فوزي البدوي.
باحث متمكّن من الأديان وتاريخها، منفتح على التجارب الدينيّة، مطّلع اطلاعا دقيقا على مناهج البحث فيها، متابع منذ عقود للتطوّرات الحاصلة في ميدان الدرس الدينيّ، غزير الكتابة إذا كتب (فرسالته في الكفاءة في البحث عن تفسير الرازي لسورة الفاتحة جاوزت 400 صفحة وأكثر منها أطروحته عن الجدل الإسلامي اليهودي في القديم) لكنّه مقلال في النشر (إلى الآن لم ينشر أطروحته ولا رسالته ولم يجمع مقالاته العديدة في كتب).
ويظلّ الدين اليهوديّ والفكر اليهوديّ القديم والحديث شغفه الأوّل حتى انّه لم يتقدّم إلى الانتداب في الجامعة بعد الحصول على التبريز في اللغة والاداب العربيّة بل التحق بإحدى الجامعات الفرنسيّة لدراسة اللغة العبريّة وبعض اللغات الشرقيّة علاوة على معرفته بالفرنسيّة والأنكليزيّة والألمانيّة.
كان فوزي البدوي منذ عرفته يحلم بتأسيس مؤسّسة بحثيّة تعنى بدراسة الإسلام دراسة حديثة مقارنة وتفتح سبلا جديدة في فهمه بما يتماشى مع الفكر الجمهوريّ وأفق الحداثة الكونيّة. لكنّ خيباته في هذا ما انفكّت تتواتر. ولو كنت صاحب الشأن لجعلته يتفرّغ للبحث والكتابة وأرحته من عنت تدبّر الحياة اليوميّة ومشاكلها فالبحث يتطلّب لياقة ذهنيّة واستعدادا فكريّا لا تعيقه متطلّبات الحياة.

***

/ 4
أحبابي الكتّاب...
كان فتى كئيبا ساهما كأنّه يعيش تحت سماء أخرى، متبرّما شديد التبرّم، لا شيء يعجبه فيرى التفاهة معمّمة، صموتا لا يحبّ الجموع. لكنّك حين تنشئ حيّزا لتبادل الأقوال معه تكتشف شخصا مختلفا: لطفا ورقّة في التخاطب، هدوءا صاخبا بالأفكار غير المألوفة، بحثا عن المعنى في كتب غير متداولة ومن خلال خربشات شعريّة تنهال عليه نثارا من الصور والأخيلة والاستعارات الغريبة.
لم يكن يحبّ الشعر، كان يعيش بطريقة شعريّة.
تزاملنا في دار المعلّمين العليا بسوسة لسنة ثمّ انقلبت الزمالة صداقة متينة في الفكر والأدب والحياة.
كتبت بخط يدي، أواسط الثمانينات، مجموعته الشعريّة الأولى "عطر واحد للموتى" (لم تكن الحواسيب وقتها معروفة) بعد أن أطلعني على مزق الأوراق وبعض الكنانيش التي كان يخربش فيها فيض خيالاته. جمعها ورتّبها وحذف منها اكثر ممّا انتقاه عن مضض فلم يكن يفكّر في النشر لولا حرصي على ذلك. أرسلتها إلى محمّد بنّيس ولم اكن اعرفه شخصيّا وإن نشر لي ولرجاء بن سلامة ترجمة "الشعريّة" دون ان يعرف أنّنا طالبان ولم ألتق به إلا بعد سنوات. فاكتشف بنّيس في "عطر واحد للموتى" صوتا شعريّا مختلفا. كنت متاكّدا من ذلك حتّى قبل ان أرسل إليه المخطوط.
ترك الفتى دار المعلّمين العليا بسوسة كارها الجغرافيا المملّة وإن أحبّ التاريخ. غيّر مسار الدراسة ولم تنقطع الصلة بيننا بل تعمّقت.
ما زلت أذكر العطل الصيفيّة التي كنّا نقضّيها في حديث لا ينتهي عن الشعر والكتب والموسيقى والسينما والمسرح والفنّ التشكيلي والفلسفة: كان ينتقي قراءاته في الشعر من غير السائد. عرّفني على وديع سعادة وعبّاس بيضون وسركون بولص وعبد الله زريقة وقاسم حدّاد... وغيرهم في أشعارهم الأولى قبل أن تنتشر أسماؤهم في الصحافة الثقافيّة. أحبّ لوتريامون وكتّابا سورياليّين مقلّين علاوة على رمبو وبودلير وريلكه (وغيرهم ممّا نسيت) فقرأناهم معا. كان ذوقه وعينه يقعان،بغريزة شاعرة مدهشة، على مقاطع شعريّة فاتنة فقراءته مثل اختياراته مختلفة فريدة. واختيار المرء قطعة من عقله وقلبه ووجدانه وخياله.
أتحدّث اليوم عن صديق صدوق وشاعر فذّ هو باسط بن حسن الذي فتح لي في قراءة الشعر والفكر آفاقا جديدة وفتحت لي النقاشات التي لا تنتهي معه أبعادا مختلفة.
(لم أكتب ما أريد ان اكتبه عن باسط بن حسن لأنّ الصداقة باب مفض إلى ما قد يبدو للآخرين مبالغة ومدحا ولم أجد كلّ أغلفة كتبه الشعريّة على الشبكة)

***

/ 5
أحبابي الكتّاب...
كاتب آخر بتاء التأنيث.
كانت هي ايضا طالبة نجيبة نبيهة، ذكيّة متميّزة ولا أبالغ إذا قلت إنّها نابغة من النوابغ الذين مرّوا من دار المعلّمين العليا بسوسة بفصاحة قلّ نظيرها وتوقّد ذهن وطموح بلا ضفاف. هي من جيل كان لا يعترف بالمستحيل ويطمح إلى ما وراء العرش.
لم تعش اجواء الطلبة في المبيت الجامعيّ لكن اسمها راج بينهم لنبوغها في الدرس والتحصيل.
أرادت التخصّص، أوّل الأمر، في اللسانيّات فكتبت فيها أعمالها الجامعيّة ثمّ صارت تكتب في مجال أقرب إلى اهتمامات الناس وأزمة الهويّة التي عاشها التونسيّون وما يزالون. وبين هذا وذاك كسرت، وهي بعد شابّة مبرّزة حديثا، حاجز امتناع الأكاديميّين عن المشاركة في التلفزيونات إذ قدّمت برنامجا عرضت فيه الكتب فشدّت المشاهدين بأسلوبها الطريف وطلاقة لسانها. ومشاركتها المكثّفة اليوم في وسائل التواصل، بما فيها من اختلاط الحابل بالنابل، نراها مواصلة لتفاعلها مع الوسائط الإعلاميّة المختلفة ذات الطابع الجماهيريّ. لذلك هي بشوشة مرحة تلقائيّة لا تحمل قناع التجهّم والجدّيّة الذي يضعه الاكاديميون عادة.
ومن البديهيّ ان تفضي هذه المشاركة الجماهيريّة إلى الجدل والجدال ويعرّضها، بسبب مواقفها السياسيّة، إلى هجومات مختلفة واتّهامات باطلة. ورغم اختلافي معها في الكثير ممّا تبديه من مواقف فلا يمكن إلا احترامها والتأسّف لما تتعرّض له من ثلب لا مبرّر له إلا التوتّر وعدم التمييز بين المهمّ والأهمّ والاكتفاء بالظرفيّ الآنيّ.
والأهمّ عند ألفة يوسف يوجد في كتاباتها التي تقدّم فيها نظرة شخصيّة إلى الدين وقضاياه خارج تصوّرات الإسلام التاريخيّ المستقرّة وبعيدا عن إسلام الفقهاء. ومن الطبيعيّ وهي تجتهد من داخل دائرة الإيمان، في ضرب من النزعة الصوفيّة الفرديّة، أن تواجه بالانتقاد والتهجّم من كثيرين. لكنّني أعتبر ما تقوم به إسهاما في تفكيك النظرة الأحاديّة السكونيّة وتطويرا للإسلام الفرديّ الذي يتفاعل مع النصّ ويفتح بعض ممكناته التاويليّة بقطع النظر عن الصواب والخطإ من جهة ويخرج، من جهة اخرى، الإسلام من بوتقة الذين نصّبوا أنفسهم قّراء حصريّين للقرآن الكريم ينطق الخالق على ألسنتهم واصطنعوا لأنفسهم سلطة كاذبة يبرّرونها بالعلم الموروث والتمكّن من ادوات القراءة الدينيّة. فكانت صاحبتنا النابغة بخبرتها اللسانيّة ومعارفها المختلفة (في التحليل النفسي مثلا) وأساليب معالجة النصوص التي تعلّمتها من الجامعة التونسيّة تمتلك ما به تبنى معنى تستنبطه من النصّ فتخرج لسانها لهم قائلة: انتم رجال مطمئنّون إلى معانيكم المتقادمة وانا امرأة... حائرة ("حيرة مسلمة") ولست ناقصة عقلا ولا دينا أبحث عن "وجه الله" بتواضع المجتهدين منتهى قولي "الله اعلم".
و"ليس الذكر كالأنثى" في الحياة وفي فهم منطوق النصّ وضمنيّه.
حديثي كان عن الصديقة المثيرة للجدل ألفة يوسف، وإن كانت تثير في نفسي الإعجاب بجراتها وحيرتها وبحثها عن معناها الروحي مقابل المعنى الدينيّ المقنّن الذي تتبنّاه الحشود.

***

6
أحبابي الكتّاب...
تحدّثت أمس عن ألفة يوسف والكاتب(تة) بالكاتب(ـة) يذكر... ففي بيت ألفة العائلي تعرّفت مع مجموعة من الأصدقاء في مناسبة لم أعد اذكرها، لعلّها عيد ميلاد، على صبيّة في الرابعة عشرة من العمر تقريبا تتابع بعينين تتقدان ذكاء وانبهارا نقاشنا واحاديثنا. كانت الصبيّة ابنة خالة ألفة.
لم أرها بعد ذلك إلا لماما فالفارق في السنّ (حوالي عشر سنوات) والترقّي في مدارج الدراسة والخبرة المهنيّة لم يسمحا باللقاء إلاّ حين وجدت تلك الصبيّة فجأة زميلةً في قسم الفرنسيّة. كانت صفتها في ذاكرتي "ابنة خالة ألفة يوسف" ثمّ أصبح لها عندي اسم وهوّيّة هالة الوردي.
اشتغلت أوّل الأمر على جان كينو (أطروحتها في الصوربون) فأصدرت كتابين عنه ووضعت كتابا آخر في الأدب. لم أقرأ ما كتبته في اختصاص الأدب الفرنسيّ ولكن حين تتالت إصدارتها عن آخر أيّام الرسول الأكرم ثم شرعت في نشر اجزاء من مشروعها عن الخلفاء الأربعة تابعتها مستكشفا فكانت المفاجأة السارّة.
أسلوب في الفرنسيّة جذّاب سلس مستساغ كالماء ولغة فرنسيّة من طبقة عالية في التعبير واضحة دقيقة لا تخلو من شعريّة والأهمّ من ذلك مغامرتها بقراءة مصادر التاريخ الإسلاميّ ثم سردها للوقائع التي اتفقت عليها المصادر السنيّة والشيعيّة في حبكة مبهرة بوضوحها وترتيبها وتنظيم مشاهدها ومسرحتها على نحو يزيل الرهبة من قراءتها في مظانها.
وجماع الأسلوبين السرديّ واللغويّ الباهرين كتب ثابتة القيمة من حيث المعرفة التي تعرضها، مجملة او مفصّلة، وقويّة الدلالة بما أنّها تميّز بين حقيقة سلوك الشخصيّات التي تصف صراعاتها ونزعاتها البشريّة وطابع القداسة التي أضفاها الخيال عليها بحكم صحبتها للرسول.
حين تقرأ لهالة الوردي تتعلّم وتتمتّع أو تعيد التفكير في ما تعرف وفي الآن نفسه تلتذّ بالأسلوب. فقد يختلف الناس في مضمون ما كتبت ولكنّهم لن ينازعوا في جودة أسلوبها في التعبير وقدرتها على التقاط الدقائق والربط بينها لبناء المعنى.
لن أذكر ما هوجمت به هالة الورديّ حتّى من بعض أعلام المؤرّخين (وعلى رأسهم هشام جعيّط غفر الله له) ولكنّ التاريخ ليس ملكا لمن كرّستهم المؤسّسة الجامعيّة مؤرّخين محترفين مادامت المصادر واحدة فالعبرة بالروايات المتماسكة القويّة.
أتحدّث عن هالة الوردي التي وددت لو ترجمتُ ما كتبت بأسلوب ينافسه في العربيّة. ولولا انشغالي بمشاريعي الشخصيّة وكتبي التي أحلم بوضعها لفعلت ذلك حتّى أشاركها مغامرتها الفكريّة والسرديّة واللغويّة. فكتبها من الكتب القليلة التي أغبط أصحابها عليها وابتهج بمطالعتها.
تحيّة إلى هالة الورديّ في انتظار بقيّة المشروع.

***

7
أحبابي الكتّاب...
كاتبة اخرى بتاء التأنيث صُنعت في مخبر دار المعلّمين العليا بسوسة.
أتحدّث عنها اليوم لأنّها كتبت مقالا نقدت فيه هالة الوردي التي خصّصت لها تدوينة امس ولأنّها، بالخصوص، تشترك مع بقيّة الكاتبات اللواتي تحدثّت عنهنّ (بن سلامة ألفة يوسف وهالة الورديّ)، علاوة على الانتماء إلى دار المعلّمين، في خصائص عديدة لعلّها خصائص الجيل الذي جمعته الصدفة (هل هي صدفة؟) في تلك الدار.
فهنّ بنات مدرسة الجمهوريّة ونتيجة من نتائج الأثر الذي أحدثته مجلّة الأحوال الشخصيّة بالتمكين للمرأة وفتح أفق رحب أمامها لتكون فاعلة ذات شخصيّة مستقلّة بالبحث في معنى وجودها. والسمة الغالبة عليهنّ سمة الجدل والمناقضة والاختلاف عن السائد.
كاتبة هذا اليوم قدمت إلى دار المعلّمين العليا بسوسة من الجنوب التونسيّ (لا اعرف من اين بالضبط لأنّنا لم نكن نلقي بالا لمثل هذه الانتماءات إلا نادرا). هادئة رصينة واثقة من نفسها منفتحة على الأفكار والنقاش ولكنّها لا تساوم في حقّها في التفكير ضدّ السائد الراكد تطمح إلى نقد الموروث بعقلانيّة وتحلم بفكر يجدّد الثقافة العربيّة الإسلاميّة.
كان هذا كلّه يبرز في ما كنّا نسمّيه عروضا وشروحا للنصّ. فنحن من جيل درس بالطريقة التالية: جلّ الدروس قضايا أدبيّة أو لغويّة أو فكريّة (تسمّى حسب التقليد في شعبة العربيّة "حضارة") تبنى من خلال الآثار والكتب المعالم. وتقسّم إلى نصوص تشرح بطرق مختلفة (هي في واقع الأمر تدريب على تحليل الخطابات) وإلى بحوث صغيرة حول مسائل تتّصل بإشكاليّة كبرى تمثّلها تلك الآثار والكتب تسمّى عروضا (وهي في الواقع تدريب على البحث). ودور الأستاذ هو انتقاء النصوص التي ستوزّع على الطلبة لشرحها منذ بداية السنة وتحديد عناوين البحوث التي سينجزونها. ثمّ بعد تقديم الشرح أو العرض يكون النقاش بين الطلبة فتعليق الأستاذ على ما سمع. لم يكن ثمّة تلقين ولا إملاء بل حوار واجتهاد شجّعا على منافسة معرفيّة كانت تدفع كل طالب إلى المطالعة والبحث عن التميّز.
وكانت عروض (بحوث) ناجية الوريمي كما نعرفها وقتها (بوعجيلة كما أصبح عليه اسمها في ما كتبت) مميّزة لافتة للانتباه لأنّها مجتهدة رصينة تتقن فنون البحث والتقديم والإقناع.
كان من الطبيعيّ ان تصبح مدرّسة جامعيّة بعد سنوات وان تنشر مقالات وكتبا لم تخل جميعها من الجدل المتوقّد والمحاورة القويّة للآراء المختلفة بروح نقديّة عالية.
كانت من القلائل الذين تحدّثت معهم عن أوّل بحث أكاديميّ أنجزته في علم اجتماع الأدب حول تلقّي المدرسة التونسيّة لحدّث أبو هريرة قال للمسعدي بإشراف المرحوم حسين الواد (لم ينشر إلى اليوم لأسباب لا أفهمها وإن كنت المسؤول الوحيد عليها). كان ذلك في السنة الرابعة والأخيرة من الدراسة فساعدتني على إعداد استبيان كنت أنوي إجراءه مع المدرّسين في الثانوي (لم أنجزه لأنّ العمل تضخّم وكان لا بد من وضع حدّ له).
يكفي من لا يعرفها ان يقرأ كتاباتها حتّى يتأكّد ممّا قلت عنها.

***

8
أحبابي الكتّاب...
دخل دار المعلّمين العليا بسوسة قبلي بسنة ضمن مجموعة رجاء بن سلامة.
لم يكن من الصعب على أبناء "النورمال" ان يتعارفوا فعددهم قليل يقيمون في مبيت واحد ويأكلون في مطعم واحد ويدرسون في بنايتين وفي مكتبة واحدة ويتجوّلون في الأروقة والفضاءات الخضراء نفسها. كنّا عائلة على الحقيقة والمجاز كما يكون بين العائلات من روابط وتأثيرات متبادلة.
الطالب الذي أصبح كاتبا أتحدّث عنه اليوم لسبب شخصيّ جدّا لا أظنّ أنّه يذكره هو نفسه.
كان اللَّهَج بالمنهج البنيويّ وقتها اوائل السنوات الثمانين دليلَ بحث عن سبل للخروج من القراءة التاريخيّة التقليديّة للأدب أو هكذا توهّمنا وسعيا إلى فتح التأويل الأدبيّ على آفاق أخرى. لم يكن مفهوم البنيويّة (وكانت تسمّى بتأثير من اتبعوا هذا المنهج في الجامعة التونسيّة "الهيكليّة") وقتها وحتّى قبل أن ندخل إلى دار المعلّمين غريبا علينا تسمية واصطلاحا وفكرة ومفاهيم. فقد كان المرور بكتاب حسين الواد عن رسالة الغفران المقرّرة في برنامج الباكالوريا، والكتاب هو أوّل دراسة بنيويّة في الجامعة التونسيّة عن أثر أدبيّ قديم، مرورا إجباريّا لمن لا يقنع بالمقرّرات المدرسيّة. هذا، علاوة على بعض القراءات الفلسفيّة عن البنيويّة.
لكن الانتقال من المفاهيم والتصوّرات إلى التطبيق والمعالجة الاختباريّة كان يتطلّب كفاءات اخرى غير الاطلاع والمعرفة العامّة. فوجدت في الطالب الذي أتحدّث عنه من يسّر لي مثل هذا الانتقال بصورة من الصور. كنت أوّل الأمر مندهشا من قدرته على الوقوف على الصيغ والتراكيب المناسبة في النصّ ليعيد بها بناءه ويخرجه مخرجا طريفا متماسكا. بدا لي كالساحر الذي يحوّل التراب (النصّ الغفل) إلى ذهب (الشرح المقنع).
من أين أتته هذه القدرة؟ لم أسأل وقتها ولكنّني فهمت بعدها حين اخبرني أنّ أحد اساتذته في التعليم الثانوي كان قد استوعب ما درّسه المرحوم توفيق بكّار في مناهج الأدب ومهر في استعماله في شرح نصوص التعليم الثانوي فانتقلت مهارة الأستاذ إلى التلميذ وصار النهج مفتوحا امامه بالدربة والمراس. فلا شيء يأتي من فراغ: تطوّر في منهج الدراسة بالجامعة انتقل إلى الطلبة الذين اصبجوا أساتذة في الثانوي ومنهم إلى بعض تلاميذهم الذين دخلوا الجامعة لدراسة العربيّة ومن أحد هؤلاء الطلبة وصل إليّ: شبكة خفيّة من الصلات وتناقل للمعارف والمناهج نغفل عنها في وقتها ولكنّنا حين نتدبّرها تبدو لي مثالا عن انتشار الأفكار والآراء خصوصا إذا استندت إلى مؤسّسات تتيح فرصة تداولها حتّى إن كان السائد محافظا قديما ولكنّ ديناميكيّة التفاعل بين القديم والجديد لا أحد يستطيع أن يوقن بنتيجتها قبل حصولها.
من طريف ما كان بسبب هذه البنيويّة أنّني طبّقتها في اوّل امتحان (غير الامتحان النهائيّ) لي بالجامعة على نصّ من الشعر القديم (أظنّه قصيدة للبيد) توّجتها بشيء من البنيويّة التكوينيّة على مذهب غولدمان (حتّى لا ابدو شكلانيّا لا يحفل بالبعد الاجتماعيّ للأدب) فأسند إليّ استاذنا الكلاسيكيّ الأنيق اللطيف درجة 5 من 20. وكدت مع فوزي البدوي أن أغادر دار المعلّمين العليا لنذهب إلى موطن التجديد أي كلّيّة 9 أفريل حيث يوجد توفيق بكّار. (طبعا قد أكون أستحقّ تلك الدرجة ولكنّني تعلّمت التريّث والتأنّي خصوصا بعد أن تبيّن لي أنّها مجرّد عثرة)
أذكر الفتى لطفي دبّيش، وحديثي السابق عنه، لأنّه دون ان يدري ربّما منحني من وقته ما يكفي ليبيّن لي بالمثال والنصّ كيف أنزّل المفاهيم النظريّة في النصوص فدرّبني عليها قبل أن اطير بجناحيّ. وهل من سخاء معرفيّ أكثر من هذا؟
كان بنظّارتيه اللتين يحملهما مذ عرفته وبعنايته الفائقة بدروسه عند التحصيل وقدرته على تنظيم وقته وجدّيته في الدراسة طالبا نجيبا وأنموذجا لم أستطع اتّباعه لبعض الفوضى فيّ والحقّ انّني لم أسع إلى ذلك. فلكلّ طريقه والمهمّ أنّه من حيث يدري أو لا يدري يسّر لي السير في طريق من الطرق التي اخترتها.
اهتمّ لطفي دبّيش بالأدب الجغرافي وكتابات الجغرافيّين في بحوثه الجامعيّة معتمدا خطاباتهم في صياغة أطروحته وكتبه الأخرى على نحو لا يبتعد كثيرا عمّا مهر فيه من تحليل للنصوص وتدقيق في بناها وأنماطها ولغتها وصريحها وضمنيّها.
وإضافة إلى اشتغال لطفي دبّيش بكتابات الجغرافيّين له تدخّلات إذاعيّة حول الشأن التربويّ يساهم بها في الثقافة العامّة من موقع المختصّ. فلا ننسى انّ دار المعلّمين العليا مؤسّسة لتكوين التربويّين وليست مؤسّسة جامعيّة علميّة فحسب.

***

9
أحبابي الكتّاب...
ما إن تتوقّف الدروس، إيذانا ببداية عطلة نهاية الأسبوع، حتّى تراه يحثّ الخطى نحو باب المبيت الجامعي حاملا حقيبة صغيرة بنيّة فاتحة غريبة الشكل كانت تلفت الانتباه لفرادتها. ويعود من الباب نفسه صبيحة الإثنين بنفس الجدّ مع هرولة خفيفة تكاد تنقلب خببا فيضع تلك الحقيبة في الغرفة ويلتحق بقاعة الدرس.
لا تراه إلا وهو منغمس في كتاب بالمكتبة أو جالس إلى طبقه في المطعم ولا يضحك او يبتسم إلا إذا كان صحبة صديقه الطيّب الجوّادي.
والغريب انّ هذه الصورة المصنوعة من الجديّة في مقام الجدّ والهزل في مقام الهزل مازلت أراها فيه (وربّما أسقطها عليه!) كلّما رأيته في رواق من أروقة الكلّيّة التي يدرّس فيها الآن.
اتحدّث عن هذا الفتى المسافر دوما لأنّه اوّل طالب لا أعرفه ولم تكن تربطني به علاقة خاصّة كلّفت بإعداد عرض (بحث) مشترك معه في سنتي الأولى بدار المعلّمين العليا. كان العرض حول ابن المقفّع على ما اذكر.وقد استعددت للعرض مثل أيّ طالب يطبّق ما درسه في مادّة كانت تسمّى المنهجيّة درّبنا عليها المرحوم الأستاذ الفذّ ومدير دار المعلّمين وقتها سي الطيّب العشّاش، بإعداد البيبليوغرافيا وانتقاء القراءات.
لم تكن في المطلوب من العرض إشكاليّة مهمّة بقدر ما كانت عملا توثيقيّا تعريفيّا على ما بدا لي وقتها وإن لم نكن نقنع بالتوثيق. فالمهجة تميل إلى تعقيد البسيط ومَشْكَلة الواضح.
وحين عاد شريكي في العرض من عطلته الأسبوعيّة تحدّثت إليه، ولم تكن لي خطّة واضحة للشروع في تقسيم اجزاء العرض بيني وبينه والحال انّ الزمن المتاح للفراغ منه بدأ يضيق، فأعلمني بأنّ البحث جاهز فأسقط في يدي. فهمت وقتها انّه عمول يستغل تلك الزيارات الأسبوعيّة إلى قريته القريبة من المنستير ليعدّ دروسه على الأرجح واغلب الطلبة يستكشفون مدينة سياحيّة جميلة هي سوسة يتعلّمون فيها ألوانا من اللهو والمتع في صخب وإقبال على الحياة. لذلك ظلّت سوسة لدى أبناء النورمال بعد ان خرجوا إلى الحياة العمليّة وتفرّقوا في المدن والقرى التونسيّة للتدريس فردوسا مفقودا.
كانت المرّة الوحيدة التي يوضع اسمي فيها على عمل لم أشارك في إعداده ولم اناقشه ولم أقدّم فيه فكرة ولو بالصياغة.
ثمّ باعدت بيننا سبل الحياة والأفكار لفترة طويلة حتّى سمعت به أستاذا منتدبا في التعليم العالي وبدات تصلني أخبار اهتماماته الشيطانيّة من خلال عناوين كتبه! فلأمر مّا فكريّ ولا شكّ اهتمّ بالشيطان وصوره وعلاقتها بمفهوم الشرّ حافرا في الأساطير والأديان. فوضع في ذلك كتبا ثلاثة ثمّ اهتمّ بالتصوّف.
والحقّ انّني لم اطلع على أيّ من هذه الكتب التي وضعها لأنّها لم تصادفني او لأنّ توزيعها لم يكن جيّدا. ولكن من فضائل هذه الرمضانيّات أنّها نبّهتني إليها وساطالعها كلّها او بعضها لأعيد اكتشاف شريكي في العرض الذي لم أشارك فيه إلا بالاسم.
أتحدّث عن الأستاذ زميل الدراسة في دار المعلّمين العليا بسوسة ثامر الغزّي

***

10
أحبابي الكتّاب...
في مجتمع دار المعلّمين العليا أنماط بشريّة مختلفة متنوّعة شأنها شأن المجتمعات جميعا. ولئن كان ما يجمع بين طلبة الدار انتماءهم إلى نخبة حاملي الباكالوريا فإنّ لبعضهم كاريزما وحضورا ورمزيّة تتشكّل شيئا فشيئا. وحين دخلتُ إلى هذا المجتمع كان اسم دليلة شقرون، طالبة من صفاقس، قد سار بين الطلبة ولم يكن البحث عن المسمّى عسيرا فهو يتطلّب لحظات او ساعات فقط.
تبدو لي دليلة شقرون الآن شخصيّة روائيّة بمفارقاتها وبأسرارها (من لا يملك منّا أسرارا؟): تراها في حلقات النقاش حاضرة وتتحدّث إلى زملائها ورفاقها على سبيل مذاكرة قيم العدالة والاشتراكيّة والدفاع عن العمال والفلاّحين والإيمان بثورة قادمة لا ريب فيها وعن دور الطليعة الواعية في تنوير الجماهير.
تشارك في جميع المناسبات النقابيّة لترفع صوت الحقّ أو ما تعتقد أنّه الحقّ. فصارت بذلك كلّه، رمزا للمناضلة اليساريّة في صرامتها ونقاء سلوكها وحلمها بالتغيير. ولعلّ اختياراتها الفكريّة والسياسيّة جعلتها تنفر من كلّ مظاهر الزينة والتبرّج فلا تجاري بنات جيلها في إبراز أنوثتها رغم قوامها الرشيق وملاحة وجهها فكانت فعليّا تعمل، من حيث تدري او لا تدري والأرجح أنّها تدري، على إخفاء ما وهبها الله من حسن وجمال طبيعيّ تغلّفه بهيئة الوقار والجدّ وبحديث السياسة والفكر.
لم تتغيّر الصورة التي رسخت في ذهني عنها إلى أن غادرت الدار. ولم أكن احبّ تلك الصورة الحديديّة واعتبرها، غفر الله لي ولها، صورة ستالينيّة صنعتها اوهام الشباب المؤمن بثورة لن تاتي لأنها لا تمسّ الفرد ولا تسهم في تحرّر ذاته. وكنت احمل عنها في الآن نفسه صورة أخرى إيجابيّة عن المرأة التونسيّة الجديدة التي صنعتها مجلّة الأحوال الشخصيّة وومكّنت لها لترى نفسها مساوية للرجل فتقتحم جميع مناحي الحياة وتتعامل تعامل الندّ للندّ في مجتمع ذكوريّ لم يتخلّص من ذكوريّته المقيتة .
لا أدري ما مقدار التغيّر الذي طرأ على دليلة شقرون حين دخلت معترك الحياة العمليّة ولكنّ الثابت أنّها لم تتخلّ عن قيم العدالة الاجتماعيّة وظلّت تناضل بطريقتها في الحياة وفي قطاع التعليم الثانويّ. فهي ذات غريزة ثوريّة كما أتصوّر.
لكنّ الجميل في الحكاية هو إصرارها على استثمار رصيدها المعرفيّ في البحث فواصلت دراستها واعدّت أطروحة دكتورا وقبل ذلك وضعت كتابا عن مسرحيّة تدرّس في التعليم الثانوي (شهرزاد لتوفيق الحكيم) في صيغة كتاب مواز. واعتنت بالرواية والسرد واحسنت الاختيار فالرواية تمكّنها من التحاور مع النصوص والبشر بطريقة غير مباشرة.
هل قلت إنّها شخصيّة روائيّة؟ نعم. من أين بدأت؟ وكيف كان انطلاقها؟ وما هي بواعثه؟ ثمّ كيف تطوّرت؟ وما هي التحوّلات التي عاشتها؟ وإلى اين وصلت الآن؟ ما يتبقّى ضمن هذا الهيكل العام هو تخييل التفاصيل لإكساب هذه الفتاة اليساريّة سمكا واقعيّا (مشابها للواقع) يبرز البعد الإنسانيّ الحقيقيّ الذي كانت تخفيه. هل أختار عنوانا لهذه الرواية ما اختارته بنفسها "الصبيّة الشقيّة" (عنوان احد بحوثها)؟ الأرجح انّها صبيّة سعيدة ما دامت قد دخلت عالم الكتابة.
تحيّة إلى الصديقة دليلة شقرون التي كانت والتي صارت.

***

11
أحبابي الكتّاب...
دخل دار المعلّمين العليا بسوسة بعدي بسنة ينوء بحملين ثقيلين: رمزيّة القيروان مدينته الأمّ ولقب عائليّ مهيب ورثه من عائلة قيروانيّة عريقة في الدين اشتهر منها أبوه العدل الفذّ في علم الفرائض وجدّه من الأمّ الذي كان فقيها. فكان الحملان يجعلان دارسته للعربيّة تبدو دراسة لعلم من علوم الوسائل.
لكنّ المفاجاة أنّ الفتى القيروانيّ، على لغته العربيّة الصافية المتينة ومعارفه في التراث العربيّ الإسلاميّ، كان إلى ميّالا إلى الشعر الحديث يحفظ قطعا من شعر أعلامه يلقيها بطريقة جذّابة وكان يكتب في هذا الضرب من الشعر نصوصا لم ينشر منها إلا القليل في الصحافة قبل التحاقه بالدار. فقد كان متّصلا بأدباء القيروان الأعلام مثل محمّد الغزّي ومنصف الوهايبي يجالسهم ويأخذ عنهم ويتأثّر بهم ضروبا من التأثير. فهو على ما يبدو اختلف إلى دروسهم وإن كنت اعلم عيانا انّه احتلف إلى مجالسهم في المقاهي.
وشيئا فشيئا تمتّنت صداقتنا في الفكر والأدب وبالخصوص في الصحافة الثقافيّة. فقد كان متابعا جيّدا لما كان يصدر من مجلاّت في المشرق والمهاجر العربيّة مطّلعا على الثقافة العربيّة وقضاياها عارقا بأعلامها. لذلك حين غامر الصديق حسن بن عثمان بإصدار ملحق "ورقات ثقافيّة" أوائل النتسعينات وأشرك توفيق بكّار في الإشراف عليه وجعلني معهما شريكا في الإعداد والتحرير ابتدعنا افتتاحيّة للملحق بعنوان "شوارد" تداول على كتابتها أربعة كتّاب قارّون (منهم حسن ومحدّثكم) وانتدبت باسط بن حسن ومحمّد الصحبي العلاّني الذي اتحدّث عنه في هذه التدوينة ليكونا من كتّابها. فكانت نصوص الصحبي العلاّني مميّزة مثيرة عميقة بطرحها لقضايا راهنة.
وقد تواصلت مغامرته ومغامرتي في منابر أخرى زمن الصحافة الإلكترونيّة فلم تزده الأيّام إلا تألّقا بعمق المسائل التي يعرضها وأسلوب صياغتها وطرافة مأخذها. ولو كانت لنا صحافة ثقافيّة حقيقيّة في تونس لكان محمّد الصحبي العلاّني من كبار كتّاب الأعمدة والمقال الثقافيّ. لقد أتينا وقد هرم الزمان.
ولعلّ قطع يد الصحافة كان صالحا لطبل البحث العلميّ. فقد واصل العلاّني دراسته الجامعيّة بعمل لافت عن الاستشراق الفرنسي ومناهجه من خلال أعمال ريجيس بلاشير ثمّ اطروحة دكتورا دولة مهمّة لم أرها منشورة للأسف عن تأويل المنام في الثقافة العربيّة القديمة (لدى امثال ابن سيرين). وقرات له كتابا يحلّل فيه مشروع طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر" علاوة على بحوث عديدة لا أدري متى يجمعها في كتاب.
لي مع محمّد الصحبي العلاّني ذكريات عديدة ولكنّ المقام ليس مقام سرد ذاتيّ شخصيّ بل للتنبيه إلى بعض الكتّاب من أبناء الدار ممّن عرفت. ومهما يكن فالصحبي العلاّني عندي انموذج من نماذج جيلي ممّن جمعوا إلى الأكاديميّات العناية بالشأن الثقافيّ والأدبيّ وهي عناية أصيلة سابقة للدخول إلى الجامعة فمزامنة له عكس ما يتوهّم بعض من لا يعرف سير الناس فيعتقد أنّهم "ينازعون" أهل الأدب مجالهم الخاصّ رافعين راية الدال التي تسبق الاسم العلم كي يستمدّوا منها سلطة مّا. وهو داء تونسي دويّ أصاب بعض الموتورين لم نر له مثيلا في غير بلادنا من البلدان مشرقا ومغربا. لقد جمع الصحبي العلاّني الوظيفة الأكاديميّة (بحثا وإشرافا على كليّة الاداب بالقيروان) إلى الوظيفة الثقافيّة فبرّز في كليهما.

***

12
أحبابي الكتّاب...
حديثي اليوم عن أحد أبناء دار المعلّمين العليا الذين ساروا في نهج البحث والكتابة. وهو تنطبق عليه عبارتان تطلقان على الجامعيّين انطباقا تامّا: العمل في صمت والجلوس في البرج العاجيّ.
أما العمل في صمت فهو أقرب إلى المدح بما أنّ المقصود منه الابتعاد عن الإعلام بانواعه والتفرّغ للبحث الجادّ وعدم البحث عن الشهرة الكاذبة.
وامّا الجلوس في البرج العاجي فهو بالذمّ أعلق ولكن كلّ من مارس البحث والكتابة يعلم انّ الابتعاد عن الجموع والحشود يرمي إلى النكباب على القراءة والكتابة والتأمّل بعيدا عن اليوميّ الطارئ. فكلّ من يكتب يبحث عن المعنى الجوهريّ المتعالي عن السفاسف وتجويد النظر لتطوير الدلالات الكبرى. وهذا عندي مدح وليس قدحا.
وكلا الأمرين ينطبق على شكري السعدي الذي اتحدّث عنه اليوم.
دخل إلى دار المعلّمين العليا بعد حصوله على جائزة رئيس الجمهوريّة في مناظرة الباكالوريا ولكن أغلب الناس لا يعلمون. صادف دخوله إليها تخرّجي منها. لكنّ أبناء الدار يمثّلون شبكة من العلاقات المعرفيّة والاجتماعيّة اخطر ممّا يتصوّر الناس فكأنّ سلالة مّا تتشكّل فترتبط بروابط من دم المعرفة وعصبيّة الانتماء إلى قبيلة فكريّة مفتوحة لا تزيدها الأجيال المتعاقبة إلاّ كثرة ومتانة.
عرفته مبرّزا في اللغة والآداب العربيّة وأطلعني على فصول من أطروحته الفذّة عن الحدث في اللغة. فهذا الصموت الذي يبدو راهبا في محراب المعرفة اختار طريقا صعبة في البحث اللغوي وشعبة منه أصعب هي فلسفة اللغة والمنطق. فاكتشفت باحثا ملمّا إلماما عميقا بالتراث اللغويّ العربيّ منفتحا انفتاحا مذهلا على الكتابات اللسانيّة والفلسفيّة اللغويّة والمنطقيّة في أصولها الأنكليزيّة مع قدرة عجيبة على التقريب بين المتباعد والتمييز بين منطلقاتها ومنوالاتها ليبني داخل لعبة التقريب والتمييز تصوّره الشخصيّ.
كلّ ذلك في تواضع أصيل إلى حدّ الحياء والخجل احيانا مع استعداد لتقبّل النقد والمحاورة لا يقدر عليهما إلا المتمكّن العارف الواثق الشاكّ شكّا مخصبا. فقراءة بحوثه بالنسبة إلى أهل الاختصاص في اللسانيّات متعة خالصة ومعرفة ثابتة وحوار حقيقي مثر ومثير.
واعجب العجب لمن يقرأ لشكري السعدي قدراته الاستثنائيّة على الترجمة المختصّة من الأنكليزيّة والفرنسيّة. فإذا قرأت النصّ العربيّ الذي ترجمه تخال أنّه كتب اصلا بالعربيّة وإذا قارنت الجملة الأنكليزيّة بترجمتها العربيّة بدا لك من المستحيل ان تجد تركيبا وتعبيرا يؤديّانها على نحو أفضل ممّا اداه هو. وقد كلّفني مركز الترجمة بمراجعة كتاب ترجمه لفيلسوف اللغة جون سورل فخبرت هذه القدرة العالية والكفاءة البيّنة التي يتمتّع بها.
تحيّة إلى شكري السعدي الراهب في صومعة المعرفة يبحث عن المعنى في مسائل تبدو لغير العارفين ثانويّة ولكنّها في صميم التطوّر العلميّ العالمي.

***

13
أحبابي الكتّاب...
لم يكن اختصاص اللغة واللسانيّات أوّل الأمر مغريا كثيرا لأبناء دار المعلّمين العليا رغم انّهم لم يكتفوا بدراسة القواعد النحويّة بالطريقة الكلاسيكيّة بل أخذوا نصيبا من اللسانيّات منذ سنتهم الثالثة وتعرّفوا إلى نظريّات ومناويل لسانيّة اخرى من حديثهم مع زملائهم في قسمي الأنكليزيّة والفرنسيّة الذين أطلعوهم على ما يدرسون. هذا على عكس دروس الأدب والحضارة التي رافقتهم في السنوات الأربع.
ورغم ذلك برز من أبناء الدار لسانيّون ذكرنا منهم شكري السعدي وألفة يوسف في بحوثها العلميّة الأولى. وفي تدوينة اليوم اتحدّث عن لغويّ آخر هو توفيق قريرة.
قدم إلى دار المعلّمين العليا من سليانة مغرما بالعربيّة منكبّا على الدرس والتحصيل ليلحق بالمصعد الاجتماعيّ الذي كان يشتغل في تلك الفترة.
ولا أعرف سبب ميله إلى اللغة واللسانيّات ولكنّني اعرف انّه أنجز اوّل بحث علميّ مع شيخ اللغويّين في تونس المرحوم عبد القادر المهيري. ويبدو انّ الأستاذ عز الدين المجدوب، وهو ممّن رسّخوا في دار المعلّمين العليا الطريقة الجديدة في تدريس قواعد اللغة وتطويرها بعد ان شاعت في كلّيّة الآداب بمنّوبة مع صلاح الدين الشريف ومحمّد الشاوش وهشام الريفي، هو (أي المجدوب) الذي ربط الصلة بين الفتى المتخرّج حديثا والمرحوم المهيري.
وسرعان ما انكبّ قريرة على متابعة التيّارات الجديدة في اللسانيّات بالتوازي مع تعميق تكوينه في النحو العربي. فمن خصائص الباحثين اللغويّين في تونس أنّك لا تجد منهم من يقنع بالمتون القديمة يجترّها اجترارا ولا من يكتفي بالنظريّات الحديثة يقلّدها تقليدا بل يجمعون بينهما جمعا مخصبا بالضرورة رغم كل النقائص الممكنة.
وحين تعرّف الباحثون اللغويّون التونسيّون في مجال العربيّة على اللسانيّات العرفانيّة التي بدات ىتنتشر وتسود في العالم مع المنعطف العرفاني انجذب إليها توفيق قريرة وعمّق قراءاته فيها وتبنّى اتجاهها في تصوّر قضايا اللغة فاشتغل في إطارها.
لم يكن الأوّل الذي سلك هذا النهج العلميّ العرفانيّ ولكنّه صار من الثقات في الإلمام به والسعبي إلى استنباته في تربة العربيّة.
ومن مميّزات توفيق قريرة انّه بعد ان ترسّخت اقدامه في البحث اللساني خرج إلى الناس بمقالات ثقافيّة في صحيفة "القدس العربيّ" استثمر فيها قضايا علميّة نظريّة وتطبيقيّة قدّمها إلى الجمهور العريض في صيغ طريفة جاءت بمثابة تطبيق على ظواهر لغويّة من الحياة اليوميّة يعرفها العامّ والخاص ولكنّه يدخل إليها من جهة التبسيط والتحليل الثقافيّ كما لو انّه يكتب "اللسانيّات للجمهور". والتبسيط فرع في تقديم الأفكار المختصّة يتطلّب معرفة عميقة وتلطّفا في العرض وذكاء في الطرح حتّى يصل إلى الناس دون إغراق في المصطلحات الغريبة أو تبسّط في بيان الخلفيّات النظريّة والأسس الفكريّة. وأكبر ظنّي انّه نجح في ذلك. فللرجل خلفيّة أدبيّة وتجربة في السرد قلّ من يعرفها.
وخاض توفيق قريرة بعد ذلك تجربة الحديث إلى الجمهور الواسع خارج أسوار الجامعة في الإذاعة الثقافيّة من خلال برنامج يعنى بلسان العرب وقضاياه يقوم على محاورة ضيوف من الباحثين واهل الأدب وعرض المشاكل التي تعيشها العربيّة اليوم.
والأطرف انّ توفيق قريرة ظلّ خلال هذا كلّه مشدودا إلى مرابع سليانة العامرة يقطن بيتا قريبا من غابة وجبل صغير يتأمّل فيه الطبيعة ويشمّ رائحة التراب ويسمع هطول الأمطار وأنغام الطيور إذ لم تغره المدينة التي جعلها ممرّا عابرا لا يذهب إليها إلا ليعود مسرعا إلى جنته الصغيرة.

***

14
أحبابي الكتّاب...
صديق اليوم من العسير أن اكتب عنه بتجرّد والأرجح انّني سأطوي ذكريات بيننا وآراء عديدة حتّى لا تحمل على محمل المجاملات. فهو يجمع، بالنسبة إليّ، بين صداقة مستمرّة منذ ما يناهز العقود الأربعة (نعم عقود 4 وإن مازال صاحبنا يظنّ نفسه شابّا) ونوع من العلاقات التي لا يحيط بوصفها اللفظ. فقد تعرّفت إليه عند دخوله إلى دار المعلّمين العليا بسوسة وهو شابّ غرانق (بعبارة أبي العلاء) قادم من صفاقس. كان لطيف المعشر، كثير السؤال، فضوليّا على وجه الإيجاب، توّاقا إلى المعرفة، محبّا للعربيّة حبّه للتجديد والانفتاح على الأفكار غير المأنوسة. وقد كلّفته مغامرة التجديد بعض ما كلّفتني في أوّل اختبار أجريته بالدار فأسندت إليّ بسببه درجة مخجلة لم اعرفها طيلة مسيرتي التعليميّة.
تتبعّت مساره المعرفيّ والمهنيّ بحكم الصداقة المتينة التي ربطتنا في الحياة والفكر والأدب واللغة فكنت، في ما يبدو ومن حيث لا أشعر، محفّزا له على التقدّم في مساره العلميّ.
وكان رفيقا مخلصا مذ عرفته، قبل تخرّجه من دار المعلّمين العليا، إلى أن ناقشته في ملفّ التأهيل الجامعيّ يوما ما (صحبة المرحوم عبد القادر المهيري والأصدقاء الزملاء صلاح الدين الشريف ومحمّد الخبو وزميلنا من قسم الأنكليزيّة منير التريكي).
ولئن جمعتنا أيّامَ الدراسة والتحصيل مناسبات عديدة للحوار وتبادل الأفكار والإقبال على الحياة فإنّني أذكر أساسا اشتراكنا في أعمال عديدة، ترجمةً وتأليفا، منها كتاب عن اللجوء وحقوق اللاجئين موجّه إلى الأطفال تفرّغنا لتأليفه مدّة أسبوع في بيتي في صيف قائظ منكبّين على تصوّره وابتكار وسائله التربويّة نناقش ونختلف ونضع خبرتنا البيداغوجيّة كلّها فيه.
ولكن قبل ذلك اشتغلنا مدّة بترجمة أعمال لا صلة لها بالأدب والفكر واللسانيّات وإنّما هي خدمات نسديها لشركات ومؤسّسات أضعنا فيها جهدا ووقتا ثمينا حتّى نوفّر بعض المال نستكمل به الراتب الضعيف الذي لا يفي بالحاجات الاجتماعيّة المتنامية. فقد كان الجامعيّ، وما يزال، لا يقدر على العيش الكريم وراحة البال براتبه فقط خصوصا منهم سكّان المدن.
ومن الناحية العلميّة توجّه محمّد الشيباني إلى البحث في التداوليّة والتنقيب في متون البلاغة والنحو بعد أن صنع كتابا أوّل في الأدب عن تلقّي بعض النقّاد لشعر أبي تمّام. فمساره شبيه بمساري إذ بدأت متأدّبا وانتهيت بلاغيّا (أو تداوليّا كما تحبّ الموضة العلميّة القول اليوم) على أسس نحويّة لسانيّة بتأثير قويّ من محمّد صلاح الدين الشريف رأس التجديد اللّساني في تونس.
والشيباني، علاوة على ذلك، من القلائل الذين قرؤوا لي مخطوطات جلّ ما كتبت بحثا ورواية وفكرا. فهو دقيق الملاحظة تقع عينه على الخطإ قبل الصواب ومناقش صارم للمعاني والأفكار فلا يسعك إلا أن تثق فيه وتأخذ رأيه بعين الاعتبار. وهذا شأني معه في ما ألّف وكتب. فصداقة الفكر والبحث خير وأبقى.

***

15
احبابي الكتّاب...
لم أعرفها في دار المعلّمين العليا بسوسة إلاّ قليلا مجرّد خيال عابر رغم انّها من أنجب من دخلها من الطلبة. فقد حصلت على جائزة رئيس الجمهوريّة لتميّزها في مدرسة ترشيح المعلّمات بتونس. فلم تكتف بما كان مرسوما لها في اختيارها الدراسيّ الأوّل وواصلت التحصيل لتتخرّج مبرّزة في اللغة والأدب العربي بعد إعداد رسالة الكفاءة في البحث في موضوع بلاغيّ حول المبالغة على ما أذكر. وهي رسالة لم تجد طريقها إلى النشر للأسف مثل جلّ الأعمال الأكاديميّة الأولى ومنها بحثي عن تقبّل المدرسة التونسيّة للمسعدي.
ومن الصدف السعيدة أنّني شاركت في مناقشة بحثها في الدكتورا حول الاستفهام (السؤال) البلاغي. وهو بحث مميّز جمعت فيه، على عادة الباحثين اللغويّين والتداوليّين في الجامعة التونسيّة، بين المعرفتين البلاغيّة والنحويّة التراثيّة من جهة ونتائج النظر الحديث في الظواهر اللغويّة والاستعماليّة من جهة أخرى.
ومن هذه الناحية كانت بسمة بلحاج رحومة (الشكيلي) تتحرّك في الدائرة نفسها التي يتحرّك فيها زميلها في دفعتها وفي مناظرة التبريز محمّد الشيباني وقريبة جدّا من النهج الذي سرتُ فيه في الجزء اللغوي من دراساتي. وبهذا تشكّلت علاقات علميّة متكاملة بين ثلاثتنا ممّا جعلها تطلعني على مخطوط بحثها حول المنوال البلاغي وتناقشنا فيه.
وبسمة بلحاج رحومة، بوثوقها في معرفتها وحرصها على التدقيق في الاصطلاحات والمفاهيم وسعيها إلى وضوح الرؤية، محاورة ممتازة لا تسلّم بالرأي المخالف إلا بعد اقتناع لا يذهب بما ابتنته من تصوّر شخصيّ عن هذه المسألة او تلك.
ومن الذكريات التي بقيت لي من مناقشة أطروحتها المتميّزة مجادلتي لعملها، بعد إبراز محاسنه، وما قدّمته من ملاحظات نقديّة تكشف عن تصوّري للمسألة أكثر ممّا تدلّ على نقائص في العمل. وهي عادة لنا في المناقشات التي تعلّمنا ان تكون حوارا نقديّا علميّا صريحا لا مجال للمجاملة فيه أو المديح الذي لا يقدّم ولا يؤخّر. وربّما كنت حادّا بعض الحدّة في اختيار اللفظ المعبّر عن أفكاري ولا أدري إن كان ذلك قد أغضبها. (رغم ذلك لم أتب عن هذه العادة في النقاش حتّى مع الطلبة الذين أشرفت على بحوثهم، علاوة على الأصدقاء الخلّص الذين صادف أن كنت عضوا في مناقشة أعمالهم غفر الله لي ولهم).
بيد أنّ هذه الذكرى القديمة نوعا ما لم تمنع من التعاون العلميّ بيننا ولا مواصلة الحوار ولا التقدير المتبادل ولا التوافق في الآراء حين نتشارك في مناقشات الأطاريح واجتماعات مخبر البحث والندوات.

***

16
أحبابي الكتّاب...
الصديق الذي أتحدّث عنه اليوم يجمع إلى حكمة التدبير التي يمتاز بها أهلنا في صفاقس طيش الفنّانين وعشّاق الحياة، ويمزج بين حسن المعشر والوفاء للأصدقاء من جهة الصرامة في التعامل والقدرة على التنظيم والتخطيط لكلّ شيء من جهة ثانية.
قضّيت معه السنة النهائيّة في دار المعلّمين العليا بسوسة نتدارس المقرّرات ونراجعها استعداد للاختبارات. فتعلّمت منه التنظيم الدقيق والتحكّم المرن في الزمن والكدّ في العمل والمراوحة بين الهزل والجدّ والتمييز بين النقاش المفيد والجدال العقيم بالبحث عن الحلول الوسطى أو المؤقّتة.
ورغم جدّيّة الرهان، وهو التميّز في السنة الأخيرة طمعا في منحة لمواصلة المرحلة الثالثة، فقد كانت سنة للهو والإقبال على الحياة كذلك. كان معنا في تلك السنة زميل من القصرين نابغة حقّا اسمه أحمد الغرسلّي: شخصيّة طريفة عارفة ينطق العربيّة كما لو انّه ولد في قريش وملمّ بالأفكار الجديدة بفضل قراءاته الواسعة بقدر تبحّره في الشعر والأدب القديمين. إذا تكلّم بالعربيّة أو الفرنسيّة خلته يقرأ من كتاب. له حافظة تمكّنه من استعادة صفحة كاملة بعد قراءة واحدة لها. لم اره منذ غادرنا الدار ولكنّني قرأت له بعض المقالات في "الحياة الثقافيّة" ولعلّه الان يدرّس في أحد معاهد القصرين. ولي معه، شان عدد من أبناء دفعتنا، ذكريات جلّها لا يروى إلاّ في فنّ من فنون السرد.
شرع عبد الوهّاب الرقيق الذي اتحدّث عنه في إعداد مذكّرة الكفاءة في البحث عن الهامشيّة في الأدب من خلال بعض الروايات أتذكّر منها "عرس بغل" لطاهر وطّار والسيرة الروائيّة لمحمّد شكري ثمّ درس السنة الأولى من شهادة التعمّق في البحث وقرّر فجأة أن يذهب إلى فرنسا لإعداد الدكتورا. ورغم وضوح الهدف والتخطيط له سرعان ما تخلّى عن ذلك ليعدّ الأستاذيّة في الفرنسيّة ثمّ شهادة التعمّق في البحث. ولا تبحث عن الأسباب فهو حكيم لا يخلو من طيش.
لكنّه حين عاد إلى تونس وأصبح من ذوي الإجازتين في اللغتين العربيّة والفرنسيّة مع قدرات كبيرة على التأليف والكتابة بهما معا انكبّ على فرع من الدراسات التطبيقيّة مهمّ ولكنّنا لا نراه في تونس إلاّ ثانويّا، أقصد به الكتب المدرسيّة والجامعيّة الموازية التي تكمّل المناهج الرسميّة.
فكثيرا ما ننسى أنّ أبناء دور المعلّمين العليا قد أُعدّوا لتطوير التعليم الثانوي تدريسا وإشرافا وإسهاما في صوغ المناهج. لذلك أجد في الكتب التي أصدرها عبد الوهّاب الرقيق عن أدبيّة السرد والرحلة في رسالة الغفران والغزل العذريّ والغزل الإباحيّ والحكاية المثليّة وغيرها من المسائل التي كانت تدرّس في التعليم الثانويّ بعد إصلاح محمّد الشرفيّ مساهمة قيّمة في ذلك الإصلاح وأداء لواجب منوط بأبناء دار المعلّمين العليا.
ولعلّ نجاح تجربته تلك جعله يستثمر تكوينه في اللغة الفرنسيّة في التأليف المدرسيّ بهذه اللغة فأصدر سلسلة من تسعة كتب بعنوان " Passeport" وأخرى تتكوّن من ثلاثة كتب بعنوان " Gravure".
وفي الأثناء استثمر حسّه التجاريّ (كان يقسّم المنحة الشهريّة بشكل مدهش) وقدراته القياديّة وكفاءته التنظيميّة لينشئ دار نشر ("دار تبرورة للنشر") نشر فيها علاوة على الكتب المدرسيّة الموازية مجموعات شعريّة وأخرى قصصيّة.
تحيّة إلى عبد الوهّاب الرقيق المليء بالحياة والمشاريع وإلى صديقنا النابغة الذي اكله التدريس أحمد الغرسلّي.

***

17
أحبابي الكتّاب...
رحل مبكّرا في حادث أليم ولمّا يكمل مسيرته في البحث. كنّا نردّد مع أبي العتاهية قوله:
وإنّي لممّن يكره الموت والبلى ويعجبه روح الحياة وطيبها
أو قوله:
أجنّ بزهرة الدنيا جنونا وأفني العمر فيها بالتمنّي
فقد كان محبّا للحياة، ذا أسلوب مميّز في الإقامة الشعريّة في العالم. عرفته يردّد الشعر الحديث بصوت جهوريّ وتنغيم يكشف الدلالة ويوقّع اللفظ كنا عرفته يناقش قضايا الشعر قديمه وحديثه بوعي نظريّ وإشكالي فاكتشفت طالبا حاضر البديهة، يدافع عن رأيه في عناد أحيانا ولكن بلطف وتواضع قلّما تفارق الابتسامة شفتيه.
ولئن تفرّقت بنا السبل فإنّنا ظللنا نلتقي أحيانا قليلة فنواصل نقاشاتنا القديمة المتجدّدة. والمؤسف أنّه لم يحضر أهمّ موعد له في تاريخيه المعرفيّ والشخصيّ: مناقشة أطروحة الدكتورا التي أعدّها بإشراف أستاذه عز الدين المجدوب. كنّا نستعدّ لمناقشة عمله بعد ان أودعه وكنت سعيدا بالمشاركة في الحفل العلميّ الذي سيتوّج مسيرة من الجدّ والكدّ والبذل فوصلنا خبر رحيله.
ورغم ذلك اتفقت عصابة من أصدقائه على استكمال مراحل المناقشة ولو رمزيّا وفاء لروحه واحتفاء بباحث كان سيكون له شأن في الدراسات اللغويّة. وحين علمت بالمسعى لم أتردّد ولم يتردّد أعضاء اللجنة التي اختارها أستاذه المشرف (شكري المبخوت ومحمّد الخبو وعبد السلام عيساوي ومحمّد الشيباني علاوة على المشرف). و كان المرحوم قد أهدى أطروحته التي عنوانها "التعهّد بالقول: إشكاليّاته وفرضيّاته وتأصيله في اللسان العربيّ" إلى أستاذه المشرف وصديقيه شكري المبخوت ومحمّد الشيباني.
وأكبر ظنّي انّها أوّل أطروحة في تونس تناقش بعد وفاة صاحبها. لم يكن للمناقشة أيّ انعكاس قانوني ولكنّها كانت محمّلة وجدانيّا ورمزيّا بدلالات الوفاء والمحبّة والتقدير لصديق كريم وباحث مجتهد.
فلم يصنّف عماد الحاج ساسي أطروحته إلاّ بعد تجربة ثريّة في الكتب المدرسيّة الموازية إذ كرّس جلّ وقته، وهو أستاذ بالتعليم الثانوي، للتدريس فخبر المناهج والبرامج وصارت له رؤية شاملة مكّنته من تجاوز أداء رسالته التربويّة شفويّا إلى البحث في المسائل فالتأليف فيها ومن أبرزها دراسته عن الرحلة في رسالة الغفران ومغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونّوس. وهذا وجه من مهامّ خرّيجي دور المعلّمين العليا.
رحم الله عماد الحاج ساسي.
ولا تحسبنّ الذين قصفت أعمارهم ولم يبلغوا ما رسموه لأنفسهم من حياة معرفيّة علميّة أمواتا بل هم أحياء في قلوب أصدقائهم وبفضل آثارهم الباقيات.

***

18
أحبابي الكتّاب...
تحدّثت أمس عن المرحوم الفقيد عماد الحاج ساسي ولا يمكن ذكر هذا الاسم دون ان يتداعى في الذهن اسمان آخران هما المنتصر الحملي ورياض شحيدر. فقد كانت الصداقة بينهم متينة إذ اجتمع ثلاثتهم في حبّ الحياة وكتابة الشعر والشغف به.
ولئن ابتلعت المهمّة التربويّة والتعليميّة، تدريسا وإدارة، رياض شحيدر رغم كفاءته وذكائه فإنّ المنتصر الحمليّ اختطّ لنفسه سبيلا متميّزة. فقد واصل غرامه بالشعر، وتحديدا الشعر الملتزم، على معنى الالتزام ذي المضمون الحماهيريّ مع سعي إلى تجويد الأدوات الفنّيّة، فأصدر مجموعات شعريّة فرديّة ومشتركة. ولكنّ أكثر ما اعتنى به، علاوة على الكتابة في الصحافة وتحديدا في ملحق منارات لجريدة الاتحاد العام التونسي للشغل "الشعب"، هو الترجمة من الفرنسيّة.
وفي باب الترجمة يبرز وجه آخر من الالتزام والنضال في مسيرة المنتصر الحمليّ. فليس من باب الصدفة أن يهتمّ اهتماما بالغا بنصوص لإدغار موران. فأكبر ظنّي انّ هذا الاهتمام يعود إلى شعور منتصر الحملي بأنّ الفكر اليساري أخذ اتجاهات فكريّة وفلسفيّة عديدة كرّرت على نحو مملّ التفكير الماركسي الينيني الذي تجمّد ولكنّه ىتفطّن غلى ان هذا الفكر أرحب إذ صار يتغذّى من روافد أخرى أمتن وأقوى وأعلق بالقضايا الراهنة ومنها كتابات إدغار موران. وفي هذا الاختيار ما يدلّ على انّ نضاليّة المنتصر الحملي النقابيّة والسياسيّة مالت اكثر إلى الجانب الفكريّ الذي يمثّل البوصلة الحقيقيّة التي تكشف المسار والرؤية.
وحين أتامّل، بمناسبة هذه الخواطر، مسيرة المنتصر الحملي إلى حدّ الآن أرى فيه مزيجا من الممارسات والطموحات. فقد دخل دار المعلّمين العليا قادما من حيّ شعبيّ في صفاقس وهو يحلم بالتغيير ويحمل في جرابه تجربة نقابيّة تلمذيّة وفكرا يساريّا يوصف وقتها بالتطرّف. ولكنّ هذا التطرّف هو تطرّف الطموح إلى عالم افضل ممزوج بمعاناة فرديّة للعيش بطريقة شعريّة. وقد ترجم هذا الطموح إلى قدرات على الجدل الفكريّ والسياسيّ والدفاع عمّا يعتقد انّه الحقّ الحقيقة والرؤية التي يجب ان تسود في المجتمع. وهو ما ادّى به إلى فترات توتّر فكريّ وصدام لم يخل من شجاعة وقتها رغم ضعف بنيته الجسديّة ولكن من قال إنّ الشجاعة تقتضي العضلات المفتولة؟ (يذكّرني في هذا بجرأة شكري بلعيد وشجاعته النادرة).
غير انّ صورة المناضل الصداميّ لطّفت منها طيبة معدن الرجل ولطف معاشرته للناس وحلمه الشاعريّ. فلم يكن نفعيّا يبحث عن مصلحة ذاتيّة بقدر ما كان يريد ان يشكّل العالم على صورة توافق أفكاره وتصوّراته. ولم يكن ينتظر التغيير بل كان يستبقه ليعيش بطريقة جديدة برزت في إقباله على الحياة ومتعها الفكريّة والفنّية وغير الفكريّة بطريقة فنّيّة قد تبدو بدورها متطرّفة احيانا في عيون الآخرين.
إنّ المنتصر الحملي نموذج آخر من خرّيجي الدار بمساراتهم المتنوّعة. فهو لم يختر مواصلة التحصيل وكان قادرا عليه ولم يحلم بالتدريس بالجامعة ولكنّه ظلّ وفيّا لأفكاره الثوريّة فواصلها في العمل النقابيّ وكان متعلّقا بطموحه الاجتماعيّ وتصوّراته الراديكاليّة فمارسها من خلال الترجمة ليكون ناقلا للأفكرا الجديدة إلى لسان العرب.
هذا هو المنتصر الحملي كمار سخ في ذاكرتي.

***
19
احبابي الكتّاب...
لاحظ لي بعض الأصدقاء على الخاصّ أنّني تحدّثت عمّن عرفت من طلبة دار المعلّمين العليا المنتمين إلى قسم العربيّة فقط. وهي ملاحظة في محلّها لأنّ من مميّزات هذه الدار أنّ أهلها ينتمون إلى اختصاصات مختلفة وتقوم بينهم ضروب من العلاقات والتواصل تمثّل عامل إثراء. وقد كان لي أصدقاء مقرّبون من أقسام مختلفة (الفرنسيّة والأنكليزيّة والتاريخ والجغرافيا) عاشرتهم وتعلّمت منهم بل كنت احضر دروسا في أقسام أخرى كلّما سمعت بأستاذ يقدّم أفكارا ومعارف مميّزة ومختلفة خصوصا في قسم الفرنسيّة.
وأحبّ أن اتحدّث اليوم عن صديق من قسم التاريخ على سبيل المثال فحسب. فهو من الأوائل الذين ربطتني بهم صداقة متينة قوامها التحاور والنقاش أوّل الأمر ثمّ شملت في مراحل مختلفة من مسيرتنا المهنيّة والعلميّة مظاهر عديدة. فهي صداقة حقيقيّة مفتوحة لم تزدها الأيّام إلاّ تعميقا. فممّا أذكره إلى الان مسامرات طويلة لا تكاد تنتهي إلا حين يغلبنا النوم. فقد كان يحبّ السهر والسمر يولّد الحديث من الحديث كتوليده الفكرة من الفكرة في استرسال يكاد لا ينقطع.
كان محاورا يحسن الاستماع وإن كان لا يقلّ عنّي عنادا في الدفاع عن رأيه، ومثقّفا متنوّع المعارف والاهتمامات وإن كان في اختصاصه التاريخيّ دقيقا. وكان إلى ذلك شخصيّة قلقة لا شيء يعجبها في ما كان وفي ما هو كائن إذ سمته الطموح لتجاوز واقعه والتحليق في سماوات بعيدة.
ولكنّه شأننا جميعا تغيّر مع مرور الزمن بعد أن زالت شيئا فشيئا دواعي القلق عنده وترقّى في مراتب البحث والعمل. فصار اكثر حكمة وهدوءا وابتعادا عن الجدل العقيم مع شيء من الطيش الخفيّ الذي يميّز المقبلين على الحياة الرافضين للوثوقيّات والتصوّرات المنغلقة.
اتحدّث عن صديقي الباحث المؤرّخ منصف التايب الذي يشغل الآن خطّة عميد كلّيّة الآداب بمنّوبة.

***

20
أحبابي الكتّاب...
كاتب اليوم هو صالح مصباح. أقصد صالح مصباح خرّيج دار المعلّمين العليا بسوسة الذي أصبح مدرّسا للعربيّة وليس صديقنا صالح مصباح الفيلسوف.
تتشابه الأسماء والمسارات مختلفة. بيد أنّ صالح مصباح الذي اتحدّث عنه غير بعيد في اهتماماته عن الفلسفة.
حين دخلت إلى دار المعلّمين العليا بسوسة وجدته نجما من نجومه معروف بين الطلبة الذين كانوا يحبّونه ويتشوّقون إلى حديثه وخطبه في الاجتماعات العامّة لما يجمع في كلامه بين الجدّ والهزل: حديث جادّ لأنّ الفتى "عمّ صالح"، كما يناديه بعضهم، يتّخذ في مقام الخطابة هيئة المثقّف ليحلّل ويطوّر افكاره استنادا إلى مفاهيم فلسفيّة مستقاة في أغلبها من الماركسيّة حتّى بدا منظّرا لليسار، أو هكذا شبّه لي، في حين كانت أغلبيّة اليساريّين من الناشطين الميدانيّين. وهو حديث هازل بسبب طريقة "عمّ صالح" في الكلام التي يعتمد فيها كثيرا حركات اليد وتقاسيم الوجه. فيبرز الهزل في المفارقة بين لغة اللسان ولغة اليدين. فأنت تسمعه مثلا يتحدّث عن الفكر التقدّميّ ولكنّك ترى يده تشير إلى الخلف فإذا ذكر الرجعيّة رأيت يده تتّجه إلى الأمام.
وكان صالح مصباح من شعراء الدار يشارك في السهرات الليليّة والموسيقيّة التي تنتظم فيها فيقرأ شعره الملتزم بقضايا الجماهير بصوت جهوريّ له نغمة خاصّة.
ومادمت أتحدّث عن صالح مصباح الشاعر اذكر أنّني التقيت يوما، أواخر إحدى العطل الصيفيّة قبل التخرّج، بالصديق العزيز عليّ الخميري في شارع بورقيبة فأعلمني بأنّ صالح مصباح في مطبعة ("أوربيس" ببناية في شارع قرطاج على ما أذكر) يصحّح مجموعته الشعريّة الأولى (صدرت سنة 1986 تقريبا). فذهبنا إليه فوجدناها غارقا في التصحيح متردّدا في تصويب بعض الكلمات والمقاطع. كان من البيّن انّه جمع نصوص مجموعته الأولى على عجل وحرّف الراقن وصحّف مقاطع وأسطرا كثيرة (بطبيعة الحال لم يكن الحاسوب معروفا وقتها وكانت طريقة النشر تعتمد كتابة النصوص بالكيلومتر كما تسمّى في لغة المطابع). فكان علينا، أنا وعليّ الخميري، ان نساعده في العمليّة الدقيقة بعد ان أخذ منه الإرهاق كلّ مأخذ. فظللنا نصحح ونقترح وننصح إلى ان استقامت له القصائد. لكنّه رفض رفضا قاطعا تغيير العنوان. فقد اختار لللمجموعة عنوان "إبليس" الذي طلب منه عليّ الخميري أن يغيّره متمقعرا عليه، بأسلوبه الساخر دون تجريح، لحثّه على تبديله. لكنّ عناد صالح مصباح كان أكبر وصدر بالعنوان الذي اختاره.
ولمّا صار الفيسبوك وسيلة تعيد نسج العلاقات بين أبناء الدار الذين تفرّقوا منذ عقود كأبناء الحجلة وجدت صالح مصباح وصفحته أمامي. وكنت أتابع بين الفينة والأخرى ما ينشره من مقالات في صحيفة "المغرب" بالخصوص إلى ان طلب منّي يوما تقديم كتاب له جمع فيه بعض المقامات التي كتبها في نقد ما عاشته البلاد تحت حكم النهضة بأسلوب ساخر استعاد فيه مزج أصحاب المقامة بين الهزل والجدّ. فلم أتردّد محبّةً في الشخص وكرامةً، وتقديرا لإصراره على الكتابة رغم صعوبات مهنة التدريس والحياة عموما، وتعبيرا عن اشتراكنا منذ أيّام التحصيل في نقد الإسلام السياسيّ واعتباره مصيبة حلّت بالفكر والمجتمع في بلاد العرب أوطاني (وغير العرب في الحقيقة).
الذكريات كثيرة مع "عمّ صالح" لكن التدوينة طالت بعض الطول.

***

21
احبابي الكتّاب...
كلّ ذكرياتي التي رويت نتفا منها في الأيّام السابقة لا تخلو وانا أستحضرها من متعة مّا رغم أنّني حاولت ألاّ أبالغ في وصفها والتعبير عنها. لكنّ لي ذكريات لا تخلو من مرارة منها هذه الذكرى مع زميل دراسة لم نكن مقرّبين ولكن كنت احترمه وأظنّ انّ احترامه لي وتقديره كانا موجودين. وحين اتت الفرصة لتحويل المعرفة السطحيّة إلى صداقة أضعتها لسبب مضحك يكاد لا يصدّق.
فبعد ما لقيته روايتي الطلياني من تقبّل وصدى، وفي أثناء تنقّلاتي المكوّكيّة بين البلدان والمنتديات والمعارض واللقاءات الأدبيّة بسببها، وجّه إليّ محمّد الهادي الطاهري بالهاتف دعوة إلى لقاء انتظم بمدينة الكاف ضمن ندوة من الندوات على ما اذكر فقبلت دعوته. وبعد الاتفاق على اليوم والساعة وبقيّة التفاصيل أخلفت الموعد ونسيت الحكاية كلّها.
لا أستحضر السبب ولا فائدة من البحث عنه ولكنّني ببساطة نسيت. وظللت ناسيا كأنّ الدعوة محيت من ذاكرتي بقدرة قادر إلى أن كتب إليّ صديق الطاهري، الطيّب الجوّادي بعد مدّة طويلة مذكّرا لي بإخلافي الموعد تذكيرا فيه بعض اللوم. ولئن كنت أدرّب نفسي دوما على عدم الندم، فلا فائدة منه عندي لأن آلة الزمن لا تعود القهقرى، فقد لازمني شيء من الضيق إلى ان كتبت للطاهري معتذرا عن خطإ تقادم بعض الشيء.
واليوم لا أرى صورة محمّد الهادي الطاهري في الفيسبوك او أقرا تدوينة من تدويناته الطريفة الفاتنة في أسلوب كتابتها إلا استحضرت هذه الذكرى السيئة.
وكان الجوّادي ينادي صديقه محمّد الهادي الطاهري أيّام دار المعلّمين العليا "الفدم" (والفدم ثقيل الفهم ضعيفه) وربّما لم يكن يقصد هذا المعنى بتلك الكنية بقدر ما كان يقصد إلى بعض البداوة التي رآها في صديقه. فقد كان الطاهري بعيدا عن رفاهية المدن قادما من عائلة فقيرة بأحد ارياف الكاف التي أبدع في وصف ذكرياته فيها. ولا شكّ انّ مدينة سوسة قد مثّلت عنده "صدمة حضاريّة" ولكنّه لم يتغيّر فيها كثيرا. فقد كان يلبس لباس العمّال الأزرق حتّى أنّ إحدى الطالبات المتأنّقات دوما ظنّت لفترة طويلة، على ما روى لي، انّه عامل الكهرباء بدار المعلّمين العليا.
وارتقى الطاهري المصعد الاجتماعيّ ليصبح استاذا بالتعليم الثانوي ثمّ تعلّقت همّته بمواصلة الدراسة والبحث أواسط التسعينات فارتقى المصعد المعرفيّ إلى أن وصل إلى رحاب الجامعة مدرّسا فيها فقدّم بحوثا عديدة وصنّف كتبا في ما يسمّى بأقسام العربيّة عندنا بالدراسات الحضاريّة.
وقد ركّز هذه البحوث على الحقل الدينيّ نصّا ومذاهب وتشكّلا وتفكيرا فيه.
واليوم وانا اكتشف من خلال استعادته لنثار من طفولته في تدوينات رائقة ينشرها يوميّا على صفحته بالفيسبوك في صورة رمضانيّات مثل هذه أرى معنى ان تصرّ على النجاح والتفوّق بفضل المدرسة والتعليم... والإرادة الفرديّة كذلك رغم كلّ السياقات المحبطة: وهو معنى تغيير المصير الفرديّ والجماعي لو ندري. ومثله في هذا صديقه في الدار الطيّب الجوّادي الذي سكنه شيطان الأدب فاستمدّ من طفولته وذكرياته وحياته الشخصيّة مادّة لكتابة مختلفة هي أقرب إلى ملامح من السيرة الذاتيّة.
فتحيّة إلى محمّد الهادي الطاهري وسميّه الطيب الجوّادي اللذين التقيا في الصداقة والمسار والمصير.

***

22
احبابي الكتّاب...
حين دخلت دار المعلّمين العليا لم أكن خالي الذهن من التيارات السياسيّة السائدة يمينا ويسارا ولا من أدبيّاتها. وما حضرته من اجتماعات عامّة فيها اكّد لي ذلك في خطابات اليسار (الوطد أساسا) واليمين (الاتجاه الإسلامي أساسا) علاوة على القوميّين (البعثيّون أساسا). بيد انّني سمعت طالبا يخطب ويصف النظام (نظام بورقيبة) بوصف لم اسمع به من قبل. كان يقول "النظام الأقرع". خلت الأمر في البداية تهكّما لم اتبيّن على وجه التدقيق القصد منه. فسألت فجاءني الجواب: "هو اختصار لنظام إقليميّ رجعيّ عميل".
وشيئا فشيئا فهمت انّ مرجعيّة المتكلّم قوميّة عربيّة ومصطلحاته المستعملة مصطلحات النظريّة الثالثة التي كانت معرفتي بها رقيقة جدّا. اذهلني الأمر بعض الشيء. فقد بدا لي وصف نظام بالبورقيبة بالرجعيّ مبالغة وهو الذي كان اكثر عقلانيّة وتقدّميّة من العقيد في جلّ تصوّراته. وان يكون عميلا فهو مستبعد رغم اشتراك الجميع يمينا ويسارا مع تنويعات في هذه التهمة. فتهمة العمالة لفرنسا وامريكا كانت منتشرة ولكن كنت ارى بورقيبة ببساطة وحسب ما درست من الحركة الوطنيّة فعلا صديقا لأمريكا شانه شأن حشّاد وقاوم فرنسا فهذه مبالغة اخرى. اما الإقليمي فلم أر لها وجها إلا بتأويلها على انّها تعني القطريّة والاكتفاء بحدود الدولة التونسيّة او في اقصى الحالات الإيمان بوحدة المغرب الكبير.
سألت عن المرجعيّة الفكريّة لهذا الموقف السياسيّ فانبأني البعض بأنّه الكتاب الأخضر وكنت قد قرأت ما تيسّر لي منه فلم يشدّني وأنبأني بعض العارقين بضرورة الاطّلاع على كاتب عروبيّ اسمه عصمت سيف الدولة صاحب نظريّة الثورة العربيّة في أجزاء عديدة (خمسة أو ستّة وربّما أكثر) وبالخصوص الجانب الفلسفيّ الذي طوّر فيه ما أسماه بجدل الإنسان. وبقطع النظر عمّا بدا لي وقتها من تقريرات في تصوّر عصمت سيف الدولة يقدّمها في صيغة بديهيّات دون ما كنت انتظره من عمق فلسفيّ فقد ظلّ وصف النظام بالأقرع غريبا.
هذا الطالب الخطيب صاحب الوصف الغريب هو كمال الساكري. وقد كان رأسا من رؤوس القوميّين العرب في الدار بل أبرزهم. لا اذكر أنّه كان بيننا نقاش في هذه المسائل لكنّني لا أدري لماذا اربط دوما في ذهني بينه وبين زميل آخر هو رضا حمدي. ربّما لانتمائهما إلى الجنوب التونسي او اشتراكهما في التوجّه الفكري والسياسيّ او لانّهما من دفعة رجاء بن سلامة ولطفي دبّيش اللذين تحدّثت عنهما في تدوينتين سابقتين.
وقد رأيت كمال الساكري،بعد ان افترقت السبل، من خلال تحاليله السياسيّة في بعض الصحف ذات التوجّه العروبي فلم يتغيّر الموقف في خطابه المكتوب عمّا بقي في الذاكرة من خطابه الشفويّ كثيرا.
أما رضا حمدي فقد قرأت له، منذ سنوات قليلة مضت، بعض البحوث التي نشرها في مؤمنون بلا حدود فوجدته رصينا متمكّنا من ادوات البحث متناسق التفكير هادئا في جداله.
وليست لي معلومات كثيرة عنهما غير الأخبار التي توفّرت لي من خلال الفيسبوك فسررت أيما سرور لسيرهما في طريق البحث وإعداد رسالتي دكتورا إذ تخصّص كمال الساكري دراسة وإشرافا في مجال مهمّ هو التوجيه الجامعي علاوة على دراسته للظاهرة السلفيّة وتوجّه رضا حمدي إلى البحث العلميّ والتحق بالجامعة.
وإذا كان نظام بورقيبة بعبارة الساكري التي حيّرتني زمن التحصيل في دار المعلّمين العليا أقرع فمازلت متشوّقا لمعرفة الوصف الذي استنبطه وإخوته القوميّين لنظام بن عليّ وإن كنت أعلم انّه يعتبر الربيع العربي ربيعا عبريّا.
تحيّة إلي كمال الساكري ورضا حمدي.

***

23
أحبابي الكتّاب...
لئن تخرّج من دار المعلّمين العليا بسوسة باحثون في اللغة والأدب والحضارة العربيّة والتحقوا بالتدريس في الجامعات التونسيّة فإنّ الهدف الأصليّ من إنشاء دور المعلّمين هو تكوين مربّين ومدرّسين للتعليم الثانويّ.
ويعسر أن تجد خريّجا من الدار ليست له اهتمامات تعليميّة إن لم يتفرّغ تماما لها باعتبار أن التعليميّة وجه من وجوه التطبيق. فتعليميّة اللغة او الأدب تقوم على البحث في كيفيّة نقل المعارف العالمة إلى السياق المدرسيّ لتصبح معارف مدرسيّة قابلة للتبليغ وتحقيق الغايات المختلفة التي تحدّدها المؤسّسة المدرسيّة. وهو رهان إيديولوجيّ كبير يتوسّل فيه بالمعرفة العلميّة. وعلى قدر التعمّق والانفتاح الفكريّ يكون الناتج عن التعليميّة مسهما في تطوير الدرس في مراحل التعليم المختلفة او مكرّسا للدور المحافظ لهذا الجهاز الإيديولوجي من اجهزة الدولة الذي نسمّيه المدرسة.
وقد برع في هذا زميلا دراسة وتخصّصا فيه بالدراسة الجامعيّة علاوة على الممارسة اليوميّة وهما مجيد الشارني وفتحي فارس. ولم أجمع بينهما لأنّهما من دفعتي ولا لتوافقهما في الاختيارات الكبرى ولا لالتحاقهما بسلك التفقّد في التعليم الثانوي بل أساسا لأنهما عبّرا عن كلّ هذا بالاشتراك في وضع مؤلّف مهمّ عن تعليميّة اللغة العربيّة التي درساها دراسة اختصاص وتعمّق بإشراف محمّد صلاح الدين الشريف وتحصّلا فيها على شهادة جامعيّة.
ولكنهما لم يكتفيا بذلك بل ناقشا أطروحتين للدكتورا إحداهما في اللسانيّات التطبيقيّة (مجيد الشارني) والثانية في الأدب وتحديدا عن موضوع التخييل الذاتي (فتحي فارس). وهذا جانب مهمّ لأنّ الحاصلين على الدكتورا لا يلتحقون بالضرورة بالجامعة بل يبقون أحيانا في التعليم الثانوي يشرفون ويسهمون في إعداد المؤلّفات المدرسيّة في اختصاصهم والأمثلة كثيرة من خرّيجي دار المعلّمين العليا وخريجي كلّيّات الاداب مثل الصديقين ماهر بوصبّاط وسلوى العبّاسي وغيرهما.
تحيّة إلى زميلين وصديقين يظهران بمناسبة هذه الرمضانيّات من الذاكرة.

***

24
أحبابي الكتّاب...
دخل صاحبنا الدار بعدي بسنتين تقريبا حاملا معه ما كان يبعث الفخر في نفوس القادمين إليها: شهادة الباكالوريا بملاحظة حسن وقد كانت هذه الملاحظة في باكالوريا الآداب نادرة. لكنّه اكتشف ولا شكّ، مثل جميع الطلبة، أنّ الدراسة الجامعيّة مختلفة تماما عن التعليم الثانوي.
عرفته عنيدا (أكثر منّي) مجادلا في كلّ شيء، واثقا من رأيه وقوله، لطيف المعشر، يضع على لسانه ما في قلبه. ولكنّ الأيّام ومعاشرة انماط بشريّة مختلفة في الدار وغير الدار قد غيّرا منه شيئا ما فصار اميل إلى الإصغاء منه إلى الجدال وتحوّل وثوقه في ما يعرف إلى فضول واستحالت صراحته إلى بعض التحفّظ. وما لم يتغيّر فيه هو حبّه للفذلكة وشغفه بالرياضة.
تسلّق سلّم الشهائد الجامعيّة ومراحلها (الأستاذيّة فالكفاءة في البحث فالتبريز في اللغة العربيّة وآدابها) دون تعثّر ليجد نفسه في الجامعة مدرّسا مطالبا بالبحث.
وقد سمعت منه وهو يعدّ بحثه للكفاءة في البحث لأوّل مرّة برسالة للمعرّي عنوانها "رسالة الصاهل والشاحج" وهي رسالة صعبة في لغتها وتحتاج إلى صبر على قراءتها لكنّه غامر بدراستها ليختصّ في الأدب العربيّ القديم على ما فيه من صعوبات. ثمّ كتب عن المتنبّي وكاد يعنى في بقيّة بحوثه بمقامات بديع الزمان الهمذاني. فالأدب القديم يبدو معروفا للمختصّين في العربيّة لتوهّم كثرة الكتابات فيه لكنّ صاحبنا دخل إليه، أو حاول ان يقاربه، بمفاهيم وتصوّرات جديدة متّبعا أستاذه حسين الواد رحمه الله.
وتبقى نتائج النظر والمقاربة تفتقر إلى نقاش شأنها شأن البحوث العلميّة الأخرى.
لكنّ صاحبنا لم يكتف بالبحث والترجمة عن الفرنسيّة بل اظهر وجها آخر إبداعيّا. فقد عرفته شاعرا باللسانين الفصيح والعامّي وحكّاء يحاول استعادة اللهجة التونسيّة البلديّة (وهو ابن مدينة اريانة) في ضرب من البحث عن الهوّيّة التونسيّة إبداعيّا.
ومن طريف شعره انّه كتب الأغنية والأشعار المغنّاة الموجّهة إلى الأطفال الذين روى لهم كذلك، في مسعى تربوي وبطريقة جديدة، بعض ما رواه ابن المقفّع في "كليلة ودمنة".
وإلى هذا كلّه كان لخالد الوغلاني نشاط ثقافيّ إنتاجا للبرامج الثقافيّة في الإذاعة (قبل ان يكلّف بتسيير الإذاعة الثقافيّة لفترة مّا) وإشرافا على مؤسّسات ثقافيّة أبرزها المركز الوطنيّ للترجمة.
تحيّة إلى الصديق خالد الوغلانيّ.

***

25
أحبابي الكتّاب...
رحل إلى نومته الأبديّة مبكّرا ولمّا يبلغ الأربعين. عرفته بالخصوص بعد تخرّجه من دار المعلّمين العليا حين كنت احنّ إلى فردوسنا المفقود حضرموت - سوسة. كان قد استقرّ فيها يدرّس في معاهدها مع صديقنا الهادئ اللطيف العمول ماهر الفخفاخ وصديقنا المؤرّخ خرّيج الدار عادل غليلة وآخرين. وجد الفقيد المرحوم كمال العزّابو في سوسة المدينة الحياة التي يحلم بها: صاخبة في هدوء، مرفّهة دون إفراط، تفتح صدرها للآخرين وتوفّر لهم حرّيّات فرديّة يندر ان يجدوها في غيرها من المدن المغلقة المتسربلة بالنفاق الاجتماعيّ.
لقد وجدت خصائص هذه المدينة في نفس الشابّ كمال العزّابو هوى ليعيش حياته بشكل شعريّ كما كان يحلم وليشتغل على مشاريع علميّة وتربويّة كانت تمثّل عنده رسالة بالمعنى العميق للكلمة. فمهنة التدريس عنده أسلوب حياة أكثر منها مصدر رزق.
كان قد تخرّج من دار المعلّمين العليا سنة 89 وسرعان ما ناقش بعد سنة رسالة الكفاءة في البحث. ورغم انّني أجهل الأسباب التي جعلته ينقطع عن التحصيل الجامعيّ فقد واصل الكتابة والبحث. فأنشأ سلسلتين للكتب المدرسيّة الموازية: "مقاربات" و"إضاءات" وأصدر فيهما 12 كتابا بمعدّل كتاب كلّ سنة إذ وافته المنيّة في جانفي 2003 وتناول فيها، دراسة ومنهجا، أدباء الباكالوريا (المتنبّي والمعرّي والمسعدي والحكيم ونجيب محفوظ).
ولا شكّ عندي انّ الفقيد كمال العزّابو وجد في الإصلاح التربويّ ضمن مشروع الشرفيّ ما يمثّل بالنسبة إليه مشروعا شخصيّا بفضل ما اوجده هذا الإصلاح من حركيّة كبيرة في عالم التأليف المدرسيّ والتجديد المنهجيّ والمضمونيّ لبرامج التعليم. وقد كانت لي شخصيّا فرصة المشاركة فيه والحديث عنه مع صديقنا الراحل في بعض زياراتي إلى سوسة العامرة.
لقد ولد كمال العزابو في صفاقس فاكتسب منها الحرص على الجد والكدّ والعمل المثمر ولكنّه اختار لإقامته وحياته المهنيّة مدينة سوسة فعاش فيها حياته بالطول والعرض: الحياة الخاصّة المتحرّرة والحياة الفكريّة إذ عرفته قارئا نهما يتابع الإصدرارات الجديدة ولا يحدّثك إلا عن آخر قراءاته الفلسفيّة مناقشا مجادلا في مرح وجذل. ولعلّ هذا ما اكسب كتاباته الأدبيّة متانة ووضوح رؤية نادرتين في التآليف المدرسيّة الموازية.
ملاحظة: أشكر الصديق العزيز إبراهيم بن صالح متفقّد اللغة العربيّة على توفيره أغلفة كتب كمال العزّابو وأطال الله عمره حتّى يظلّ ذاكرة حيّة للمدرسة التونسيّة.

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى